عن فصائل الحارة والضيعة: قبائل الريف الدمشقي

يحكي “ختايرة” الريف الدمشقي قصصا كثيرة عن أهل دمشق وريفها في حقبة الاستعمار الفرنسي وما سبقها من العهد الفيصلي، ولكن ما لفت انتباهي هو الروايات الكثيرة عن النزاعات بين قرى وأحياء الغوطة الدمشقية والريف الغربي، حول تقاسم حصص مياه الري من الأنهار الصغيرة، التي كانت تروي بساتين الغوطة الغناء قبل أن يغزوها الإسمنت كالجراد.

ظلت النزاعات تتواصل لعقود وتصل في كثير من الاحيان  للاشتباك بالأيدي والفؤوس بين شباب القرى، بل إطلاق النار، مخلفة صدامات وجرحى كل عام، وعداوات بين العائلات تعكر صفو الغوطة الغناء، شبهها البعض بنزاعات القبائل العربية على الكلأ والماء.

ورغم أنها كانت تهدأ لفترات وتعود، إلا أنها ظلت كما يبدو عصية على الحل، لذلك يقال إن بعض المسؤولين المحليين (ومنهم جدي علي رضا بيك النحوي الذي كان قائمقام دوما والزبداني قبل مئة عام) كانوا يقضون معظم فترات عملهم في المصالحة بين وجهاء العائلات و”تبويس الشوارب” وتذكير المتخاصمين بأن هناك قضايا أكثر أهمية وأخطارا أكبر تواجه الشام كالاحتلال الفرنسي، الذي ما لبث أن ثبّت أقدامه بالبلاد، دون أن يشكل على ما يبدو دافعا لتوحيد المتعاركين في هذه المناطق، استشعارا بالتهديد الداهم.. بدليل استمرار هذه النزاعات، بل وتصاعدها بعد دخول الفرنسيين، كما يقول أحفاد من شهدوها.

تذكرت هذه الحوادث وأنا أتابع معارك الريف الدمشقي الأخيرة في جوبر على تخوم ساحة العباسيين، إذ كانت تدور معارك أخرى على تخوم تلك المعركة بين أنصار هذا الفصيل ومطبلي ذاك الفصيل، كل يتهم الأخر بالخذلان وجميعهم أبناء الأحياء الريفية نفسها، أحدهم ينشر دبابات بوسط دمشق يقول إن فصيله دمرها فيرد عليه آخر من فصيل منافس قائلا إنها ليست سوى هياكل قديمة لدبابات إسرائيلية في معرض للنظام السوري عن حرب تشرين. وغيرها من المناوشات المعتادة والمكررة ككل مرة توحي بأن هناك من لا يزال في “سنة أولى ثورة”.

ما يهمنا هنا هو تأصل روح التباغض بين المنتمين للفصائل في منطقة واحدة فقط، فنحن هنا نتحدث عن معركة في منطقة واحدة هي الغوطة، يفترض أن يجمعها قرار عسكري وسياسي واحد، لكن المفارقة أن أكبر فصائل الغوطة لم يكن مشاركا بالإعداد للعملية التي قادتها النصرة وفيلق الرحمن لخصومات باتت معروفة بينهم، أي أن القوى المسلحة للمعارضة ظلت عاجزة حتى اليوم وبعد ست سنوات من توحيد صفوفها في منطقة صغيرة جغرافيا ومهمة إستراتيجيا كالغوطة، بينما تقاتل عشرات الأصناف العسكرية للنظام وميليشياته والمجاميع المسلحة لحزب الله وغيره بغرفة عمليات واحدة، في كل سوريا، بل ربما يتعدى التنسيق ليصل عسكريا وأمنيا إلى كل جبهات العراق وسوريا إذا اقتضى الأمر.

صحيح أن النصرة استطاعت توحيد مجاميع جهادية مع فصائل جيش حر صغيرة ضمن تحالفها هذا، الذي ظل بقيادة النصرة، القوة الفعالة الوحيدة تقريبا القادرة على شن هجمات ضد النظام منذ عامين على الأقل، لتقود هذا الهجوم الذي أوقع خسائر في صفوف النظام في كل من ريف دمشق وريف حماة، لكن الصحيح أيضا أن هذه الخسائر بالأرياف لا ينظر لها النظام سوى أنها إصابات في “دشم” وأكياس الرمل التي تحمي معاقل سيادة النظام ورمزية سلطته في مراكز المدن بدمشق وحماة.

ولا يبدو أن تغيرا جوهريا سيطرأ على خريطة السيطرة، حتى إن تمكن الجهاديون من الدخول لأطراف المدن المركزية، فمعارك المدن الكبرى تعادل أضعاف معارك قرى الريف وهي قد تطول لسنوات، كما حصل في مدينة حلب، عندما ظل فرع واحد كالمخابرات الجوية خارج سيطرة الثوار لأربع سنوات، رغم سيطرتهم على كامل محيطه في ريف حلب الشمالي.

والأهم من ذلك كله، وحتى نعود لحديثنا عن معركة الريف الدمشقي، إنه ما دامت الذهنية الفصائلية كما هي منذ ست سنوات تفكر بعقل “الضيعة” و”الحارة” وغير قادرة على العمل المركزي الموحد بين ثلاثة فصائل في منطقة صغيرة نسبيا ومهمة كالغوطة، فإنها ستبقى تزرع دون ان تحصد.

فبينما ظل قادة الفصائل عاجزين عن تنظيم إدارة الأنفاق وتجارتها الرابحة في الغوطة لسنوات (كما ظهر بين جيش الإسلام وفصيل آخر بتسجيل فيديو نشر حول نزاع على تمويل بملايين الدولارات) ولم يتنازل أحد للأخر عن نفق مختلف عليه، فإنهم رفضوا التنازل عن أسماء ورايات إقطاعياتهم الفصائلية، لتبقى نصف الغوطة تتنازعها الرايات، ومشتتة القرار في السلم والحرب، بينما نصفها الآخر يقرضه النظام بالهدن والتسويات.

إنه عقل الضيعة الضيق، لا يصلح للمواجهة قبل أن يتطور لعقل “دولة”، إنه أزمة قديمة متجددة، ينفق قادة الفصائل المناطقية في الغوطة كثيرا من جهدهم للهيمنة على بعضهم بعضا، وكما اقتتلت قبائل دير الزور على آبار النفط تتنازع قبائل الريف الدمشقي الفصائلية حول السيطرة على الأنفاق، كمثال على عجزهم عن تنظيم وتأجيل صراعاتهم الثانوية أمام خطر داهم، تماما كما كان أجدادهم يتقاتلون على مياه الري وأنهار الغوطة بينما الفرنسيون يحتلون البلاد.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات