عن إنسان الأصبع الصغيرة وهيمنة الحياة الافتراضية

حمزه ياسين – التقرير

مر العالم بالعديد من المراحل التي كانت أشبه بالثورات في التاريخ؛ نظرًا لما أحدثته من تغيير جذري يمس الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية، كاختراع الكتابة أو الثورة العلمية أو بروز المجتمع الصناعي وغيرها. ولعلنا نعيش اليوم في خضم إحدى هذه الثورات، وهو اتساع رقعة المجال الرقمي والإنترنت، وهيمنة مواقع التواصل الاجتماعي على المجالات المختلفة السياسية والاجتماعية.

ليست مواقع التواصل الاجتماعي مجرد أدوات محايدة لتسهيل عملية التواصل، وإنما تحوي فيها توجيهات أخلاقية مستبطنة، وتصور معين عن الذات وعلاقتها بالعالم، وانعكاسات سياسية واجتماعية مهمة.

فعلى الصعيد الاجتماعي والسياسي، شهدنا كيف لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في صناعة المشهد السياسي مع أحداث الربيع العربي؛ فهي تسهل عملية التواصل الذي يتسم باللاسلطوية والشبكية والمرونة، وهو ما يستعصي على السلطة التحكم بها وملاحقتها.

وعلى صعيد التصور عن الذات وعلاقتها بالعالم، فتعيد مواقع التواصل الاجتماعي صياغة العالم على نحو تجعله متمحورًا حول الذات على نحو كبير، فأنت تملك صفحتك الخاصة، تصوغ بها عالمًا؛ ما تريد أن تشاهده وما تريد أن تحجبه، علاقاتك الاجتماعية التي تريد، وتتحكم بما تريد أن تعرضه على المجتمع والآخرين، أي أن تصوغ هويتك الخاصة بحرية أكبر مما هي عليه في الواقع.

ولا تتوقف المسألة عند هذا الحد، فاتساع رقعة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعية المختلفة أثر على الصعيد المعرفي، من إتاحة المعرفة على نحو حر وشامل، وتسهيل الوصول إليها من قبل الجميع، ما يقدمها كمنافس أو مشارك لأدوات العملية التعليمية التقليدية كالمدارس والجامعة.

حول هذه القضايا المختلفة، يبث “ميشال دي سار” تأملاته حول آثار هذه الثورة في كتابه “الأصبع الصغيرة”، وهو يستعمل هذا التعبير كدلالة رمزية حول كيفية انكماش العالم إلى أن أصبح في حوزة الأصبع الصغيرة التي تتنقل فيه كما تريد بضغة زر من أصبعها الصغيرة، على الحاسوب أو في أجهزة الهواتف الذكية.

يحاول ميشال سار أن يبين انعكاس الثورة التقنية والمعلوماتية على مناحي الحياة المختلفة، فإنسان الأصبع الصغيرة لم يعد محصورًا في عيشه في حدود المدينة فقط، فهو يسكن عالمًا ممتلئًا ممتدًا ومتجاوزًا للحدود، كما أنه لا يعيش في الزمن نفسه الذي عاش فيه سابقوه، فالزمن الذي تم تشكيله من قبل مواقع وبرامج التواصل الاجتماعية باتت محكومة على نحو أكبر بالسرعة والتسارع المستمر، فالحدث الواحد يمر عبر سيل عارم من المنشورات على الفيسبوك، أو التغريدات على التويتر، وفي لحظة وصوله من دون انتظار. بل إن بعض هذه المواقع لا يتسمر فيها عرض صورة أو مشهد إلا محض ثوانٍ معدودة.

والعلوم المعرفية التي باتت متاحة في فضاء الإنترنت، جعلت الناس أكثر استغناءً عن الكتب والدفاتر، والاستعاضة بها بالويكيبيديا أو الفيسبوك، هنا يكون العقل مفتوحًا على معلومات متعددة في الوقت نفسه، لكن مع صعوبة في الوصل والجمع بينها.

وهو ما ينعكس على التعليم نفسه؛ فقديمًا كان نشاط التدريس يتضمن نوعًا من العرض، فالمعلم يعرض ما عنده من معرفة ليستقبلها الطلاب، وهو الناطق الرسمي عن النصوص المخزنة في الكتب، وكأنه في عمله كان يقول: استمع، واقرأ ثانية إذا كنت ترغب بذلك، لكنه يقول إن عليك بالصمت في كل الأحوال.

لكن الصخب الذي أورثته ثورة الإنترنت ترفض هذا النمط من العرض، ليحدث نوع من التنافس بين المعلم والمتعلمين على الكلام وعرض المعرفة، هنا يشير ميشال سار إلى قلة اهتمام الأصبع الصغيرة بما يقوله الناطق الرسمي (المعلم)، فنظرًا لما تملكه من إمكانية المعرفة وسهولة الوصول إليها، تشعر بأن هذا العرض مجرد مضيعة للوقت وأنه يعاني من الهزل.

كما كانت تُحفظ المعرفة قديمًا في قلوب ساكنيها، من الشعراء والأدباء والفلاسفة، ويتصل هذا بإمكانياتهم العقلية التي تطورت بحكم ظروفهم، فهم أقل عرضة للنسيان، ثم تطور التاريخ وصارت المعرفة تُحفظ في القراطيس والأوراق، والعلاقة التي يصوغها الإنسان مع الورق تكتسب لديه درحة من الحميمية، كما تعينه على المعرفة والتذكر بحكم تفاعله معها بحواسه المتعددة.

أما اليوم، فقد انتقلت المعرفة إلى أجهزة الحاسوب والهواتف وشبكة الإنترنت، لم يعد الإنسان مضطرًا لأن يُتعب ذاكرته وعقله لحفظ معارفه، كل ما عليه فعله هو أن يحفظها بكبسة زر من أصبعه الصغيرة، لتكون في متناول يده، هذا الأمر بقدر ما يتيح من سهولة ومرونة، بقدر ما يقلل من الإمكانيات الذهنية والعصبية لإنسان اليوم.

كما أن هذا النمط الذي يمارسه إنسان الأصبع الصغيرة يجعله عرضة للنفور من أشكال التجمعات والهويات المغلقة، فهو ينزع إلى تعريف نفسه بنفسه من دون هويات أخرى، فالانتماءات تتلاشى، والأيديولوجيات تموت.

فالأصبع الصغيرة توجد بوصفها فردًا، وهو ابن هوية مجهولة، لا ينتمي إلى هوية ما سابقة عليه، وهو أكثر تجليات الفردانية تطرفًا، وتشير أيضًا إلى حالة السيولة التي تعرض لها باومان في المراجعة التي كتبناها عنه في المقال السابق.

تخلق هذه الثورة بما تحدثه من تغيرات جذرية فجوة عريضة بين جيلين، جيل الأصبع الصغيرة الجيل السابق عليه، وهو تغير من الصعب قياس حجمه بحكم سعة الصدع الذي أحدثه.

كما تعلن هذه الثورة تغيرًا على صعيد النخبة، فمع وجود الفرصة أمام الجميع بأن يكونوا موضع عرض لذواتهم أمام مجتمع الفرجة، تصبح الساحة مليئة بالقادة وأصحاب الأصوات العالية، فيمتلئ الفضاء المسرحي بالممثلين، وتزداد إمكانية هذه الفرصة عن وجود العالم في جيب صاحب الأصبع الصغيرة، أي في هاتفه المحمول الذي بات قناته للوصول إلى شبكة الإنترنت.

هنا يريد الجميع أن يتحدث، والجميع يريدون التواصل فيما بينهم عن طريق الشبكات، وكأن هذه الثورة تعلن نهاية جميع أشكال السلطة، بما فيه السياسية والمعرفية. فبحكم إتاحة الفرصة للجميع، يصبح هناك افتراض جمعي بالكفاءة، أي أن مجرد تسلمك للمنبر والحديث عليه هو إيذان بأنك موضع كفاءة للحديث في أي موضوع، ومعيار التقييم في هذه الحالة هو عدد اللايكات أو الـretweets التي تحصل عليها.

ويشهد إنسان الأصبع الصغيرة تغيرًا مهمًا على صعيد علاقته مع الطبيعة، فهو لم يعد يعيش العالم نفسه.

فقديمًا كانت علاقة الإنسان مع الطبيعة تتسم بالحميمية والشاعرية، بل تكاد تكون ملتحمة مع وجوده الشخصي غير منفصلة عنه، فهو يعيش مع الأشجار، ويقتات على رعاية المواشي في الطبيعة، ومع اتساع رقعة المدن بحكم التحديث والتمدن، انفصل الإنسان عن هذه الطبيعة، وصارت علاقته بها محصورةً بلحظات الرحلات والزيارات الخاطفة في أوقات العطل والمناسبات.

ومع إنسان الأصبع الصغيرة، صار بإمكانه الاستعاضة عن الطبيعة بمجرد السياحة الخيالية عبر الإنترنت، بأن يشاهد مقطع فيديو عن الطبيعة الخلابة ومناظرها، أو يتتبع حياة حيوان عن طريق أحد برامج الرحالة، من دون أن يسعى لاقتحام العقبة والعودة بتفاعله الحي مع الطبيعة.

كما لهذا الأمر علاقة بالكسل؛ فنمط حياة الأصبع الصغيرة يجعله ملتصقًا بجهاز الحاسوب أو بهاتفه النقال، فعالمه محصور في هذه الدائرة، ولا يشعر بأنه مضطر لتحريك جسمه خارج هذه الدوائر التي تأسر حركته.

هذا أهم ما حاول ميشال دي سار بثه في الكتاب، وقد أضفنا عليها بعض التأملات من وحي الحياة الشبكية التي نعيشها، وحتى يتيسر إنسان اليوم أن يعيش حياة حقيقية لا بد له من أن يقلل من المساحة الافتراضية على حساب القيام بنشاطات إنسانية مرتبطة بواقع الحياة المعاش، فعلاقتنا مع التقنية لا بد أن يجري عليها عملية ضبط وأن لا تطغى على أيامنا.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات