علي فاروق: عصابة الإخوان المسلمين (العميلة)

لم يكن في منطقتنا فرنٌ للخبز، ولذلك كان علينا أن نسير مسافةً لا بأس بها إلى منطقةٍ مجاورةٍ لشرائه من فرنٍ آليٍ وجد هناك، وتصادف أن تلك المنطقة يسكنها علويون، والفرن يعود لأحد الواصلين منهم، لم نشعر يومًا بالألفة أو الترحاب في تلك المنطقة، كانت بعض النظرات ترمقنا بعدائيةٍ، حتى تلك النظرات الموجهة من أطفالٍ لم يتجاوزا السابعة أو الثامنة ــأي في مثل سننا في ذلك الوقت- لم تكن تتضمن إلا مشاعر سلبيةٍ نافرةٍ، غير مفهومةٍ لدينا.

أذكر أننا كنا نذهب لشراء الخبز مشفوعين بتوصيات أمهاتنا بألا نأتي على ذكر الحكومة أو الرئيس خصوصًا، بأي سوءٍ، لم نكن نعرف لماذا، وما كان يخطر في بالنا ذكرهم أصلًا، فلم يبلغ وعينا درجة فهم تعقيدات وإشكاليات تلك المرحلة، وهي نهاية الثمانينيات ومطلع تسعينيات القرن العشرين، ولم نكن ندرك ما تعنيه كلماتٌ مثل: حكومة، رئيس، مخابرات، علويون، إخوان مسلمون…

اقتصر وعينا العام في حينه على أمرين: نحن عرب ومسلمون (ولذلك يجب أن نتعلم الصلاة)، وأن إسرائيل وأمريكا أعداؤنا…

في المنزل، والمدرسة، والشارع، لم يجرأ أحدٌ على التحدث في أي شأنٍ عامٍ، الأجواء كلها محاطةٌ بنوعٍ من الهلع والرعب، ويبدو لي الآن وأنا أحاول تذكر تلك الفترة من طفولتنا، أن جميع أيام طفولتي كانت سماؤها ملبدةً بغيومٍ داكنةٍ، ولا زلت أجهل لماذا.

في المنزل لم يكن أبي يتحدث بالسياسة، مع أنه كان ذكيًّا، ومثقفًا إلى حدٍ ما، وأذكر أنه كان يفضل صباحًا الاستماع إلى إذاعة لندن، بدلًا من إذاعة دمشق التي فضلتها أمي، كنا نصحو صباحًا على قرع جرس إذاعة لندن الشهير، وعندما تبدأ الأخبار ويكون هناك خبر عن سوريا أو عن حكومتها، كنت ألتقط كلمةً أو اثنتين يلقيهما والدي وهو يمضغ فطوره، وتحمل في ثناياها نقدًا ساخرًا ولاذعًا جدًّا.

كان والدي يمتاز بمقدرةٍ بلاغيةٍ هائلةٍ، وكان قادرًا على تسفيه وتحطيم أي موقفٍ، أو نصٍ، أو شخصيةٍ، بكلمةٍ واحدةٍ فقط، ربما يعود السبب لخلفيته البدوية، حيث تشكّل اللغة والسرد والتعبير أحد أهم مقومات تلك البيئة. مرةً واحدةً فقط سمعته يتفاعل مع خبرٍ ويشتم، كان ذلك في أحد الصباحات الشتوية عندما أعلنت الإذاعة بدأ الهجوم الغربي على العراق عام (1991)، أمي أيضًا كانت تدعو على أمريكا وأعوانها بأن تدمرهم قدرة الله المنتقمة.

ذاك كان أقصى حديث في السياسية ممكن أن نشهده في حياتنا وقتها، وأذكر أنني تشجعت مرةً وتفوهت بكلمةٍ ساخرةٍ على خبرٍ، فما كان من والدي إلا أن توقف عن مضغه، ونظر إلي بحدةٍ، ونطق بثلاث كلماتٍ أنهت كل شيءٍ، واستمر ذلك الحظر حتى وفاة والدي بعد ذلك بسنواتٍ قليلةٍ.

في مطلع التسعينيات بدأ النظام يفرج عن معتقلين من أحداث الثمانينيات الدامية، وهم معتقلون اتهموا بانتمائهم للإخوان المسلمين، كل المفرج عنهم لم تكن لهم أية علاقةٍ بالتنظيم، ومع ذلك اعُتقلوا وعُذبوا بوحشيةٍ لمدةٍ تزيد على العشرة سنواتٍ، شخصيًّا لم أكن أعرف من هم الأخوان المسلمون، وما هي حكايتهم، لكنني استرقت السمع مرةً لحديثٍ دار بين والدي وصديقه، كان الصديق يحكي عن تلك الفترة وعن حافظ وعن الأخوان، والدي كان صامتًا ولم يكن مسرورًا بالحديث، وأغلب ظني أن موقفه ذاك، كان سببه أنه يعلم أنني كنت أستمع باهتمامٍ إلى ذلك الكلام الرهيب، مع أنني تعمدت التظاهر بعدم الانتباه، والانشغال باللعب، إلا أنه كان يعلم، ومع ذلك بقيت مصرًّا على الاستماع للحديث، وكان ما خلصت إليه من حديث صديق والدي أن المجرم والقاتل والمسؤول عن المجازر، إنما هو حافظ الأسد ومخابراته، وليس الإخوان المسلمون.

في أحد الأيام، خرجت عائلتنا في نزهةٍ، وفي مكان التنزه تصادف وجود أحد المفرج عنهم من أبناء منطقتنا، تحدث أبي وأمي عنه لبرهةٍ، أما أنا فقد أمعنت النظر في ذلك الشاب الأبيض، النحيل، ذي الشارب الأسود، والرأس الخالي من الشعر، وهو يجلس على حجرٍ كبيرٍ وينظر إلى يديه فيما يلعب بعض الصبية قريبًا منه، ترى ما الذي يفكر به شابٌ عاد من الموت؟! وما الذي ينتظره أو يحلم به الآن من خسر روحه وعمره في السجن؟! أردتُ سؤال أمي إن كان متزوجًا، وحين فهمت أني أستفسر عن معتقل الإخوان ذاك، نهرتني بعصبيةٍ وخوفٍ، وهددت بقطع لساني فيما لو ذكرت اسم القوم مرةً ثانيةً.

مع بدأ دراستي الإعدادية، تفاجأت في المدرسة بشيءٍ بدا لي مذهلًا أول مرةٍ، تمثل ذلك الشيء بشعارٍ مدويٍ كان علينا أن نردده يوميًّا، ومن جملته عبارة: عهدنا أن نتصدى لعصابة الإخوان المسلمين العميلة.

ما صدمني لم تكن ببغائية الشعار، وسطحيته، وتهافته، فكل الشعارات التي كنا نحفظها ونرددها في المدارس كانت كذلك، أدهشني جدًًّ ذلك الشعار لأنه ولأول مرةٍ في حياتي، أسمع أحدًا يصيح وبأعلى صوته، ويتجرأ على التلفظ باسم: الإخوان المسلمين، علنًا، وفي مكانٍ عامٍ، حتى لو كانت الغاية شتمهم وتحقيرهم، فقد بدا لي ذلك أمرًا مثيرًا واستثنائيًّا، فقد كان مجرد التفكير بيننا وبين أنفسنا بتلك الكلمتين يحرض لدينا نوبات من الهلع والخشية. لم نتجرأ يومًا على ذكر اسم الإخوان المسلمين، حتى أمام أصدقائنا، أهلنا ذاتهم لم يتجرؤوا على التلفظ بهاتين الكلمتين أمامنا، أثار ذلك الأمر التعجب والاستغراب في نفسي، كيف يتجرأ ذلك الطالب على مناداة اسمهم هكذا وبأعلى صوته؟ وكيف يتجرأ المعلمون الذين كنت ألحظ اعتدال وقفتهم عند بدء ترديد الشعارات التي تمجد “السيد الرئيس”، على السماح لأنفسهم بسماع اسم الإخوان المسلمين في الأثناء، وكيف يتجرأ الطلاب على ترداد اسمهم؟

مع مرور الوقت، بدأ شعوري بالدهشة والاستغراب بالتلاشي، وبدلًا من ذلك تحفزت حواسي ومداركي للتفاعل مع هذا المعطى الجديد، واستغلاله، شكل الهتاف باسم الإخوان المسلمين المرعب علنًا، حافزًا لديّ لفعل شيءٍ أنتقم به من (السيد الرئيس)، ونظامه، وشعاراته، شعرت منذ ذلك الوقت بشجاعةٍ كبيرةٍ، وبرغبةٍ جارفةٍ للتمرد والثورة.

فكرت ما الذي يمكن أن أفعله، وخطرت لي في حينها فكرةٌ مسليةٌ، أنا لا أردد الشعارات، لكنني سأردد هذا الشعار، أو بالأصح سأردد منه كلمتين فقط، “الإخوان المسلمون”، سأصيح عاليًا وبأعلى صوتي كل صباحٍ باسمهم، داخل صرحٍ تعليميٍ تابعٍ للأسد، وأمام شبيبته ومعلميه، سأصرخ بأعلى صوتي باسم أعدائه التاريخيين في مدرسته، وسأنتقم منه بذات الوسيلة التي أوجدها لإذلالنا وتكريس خوفنا منه، وعبادتنا له.

وحين كان يردد الطلاب: (عهدنا أن نتصدى للإمبريالية والصهيونية والرجعية، وأن نسحق أداتهم المجرمة، عصابة الإخوان المسلمين العميلة)، كنت أهمل كل الكلمات، وفقط عندما نصل إلى الكلمتين السحريتين في الهتاف، كنت أنادي عاليًا، وبكل قوتي:
الإخوان المسلمين..

لعبتي الصبيانية تلك شكلت نوعًا عارضًا من تمردٍ فرديٍّ، أو انتقام من خوفنا، وبؤسنا، وممن أورثنا ذلك، وفرضه عنوةً علينا.

لكنها وبعد مرور الوقت لم تعد كافيةً بذاتها لي، فما الذي عليّ أن أفعله؟ وبدون طول تفكيرٍ قررت أن أتابع تمردي الداخلي كلما كان ذلك ممكنًا، على كل ما يمثله النظام ويرمز إليه، ولكن هذا أيضًا، وبمضيّ الأيام، لم يعد يكفيني.

وبذلك لم يعد أمامي إلا الانتظار على أمل حلمٍ بعيدٍ، اسمه ثورة.

النقاش — 3 تعليق

  • Wael Faud يونيو 18, 2014 on 12:22 م

    لاهم اخوان ولا مسلميين “حسن البنا”

    Reply
    • علي فاروق Wael Faud يونيو 19, 2014 on 2:33 ص

      بيجوز كلامك صحيح اخ وائل لكن المقالة لا تدافع عنهم ولا تتبنى افكارهم

      Reply
  • وسيم كيوان يونيو 9, 2017 on 9:52 ص

    ليش حدا منكم بيعرف فكر الاخوان
    ام لازلتم تصدقون السيسي وحافظ المقبور وبشار المجرم والحكومات العربية المجرمة…….هل جاء اي رئيس عربي بالانتخابات ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
    الوحيد هو مرسي ولكن كره وتزوير الحق …رضعه الشعب منذ الصغر

    Reply

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات