عزمي بشارة ومقاربات جديدة للدين والعلمنة ج٢

حمزة ياسين- التقرير

ننتقل في هذا المقال للحديث عن الجزء الثاني من كتاب عزمي بشارة “الدين والعلمانية في سياق تاريخي”، وقد قسم بشارة هذا الجزء إلى مجلدين، يستعرض في الأول تاريخ الفكر الغربي للبحث عن جذور فكرة العلمنة فيه وعلاقتها بالتنوير والإصلاح والعقلانية وفكرة الدولة وغيرها. بينما يفصل في المجلد الثاني في نظرية العلمنة من ناحية سوسيولوجية، ويقدم نماذج للعلاقة بين الدين والعلمانية في تجارب مختلفة من أوروبا وأمريكا، ويختمه بأنموذج عن نظري عن العلمنة كصيرورة، والمسارات التي يمكن أن تتخذها بحسب أنماط التدين والوعي.

وسنركز هنا على المجلد الثاني لما يحتويه من نماذج وأمثلة مفيدة للواقع الراهن، أما المجلد الأول فلا بد من أن يمر عليه القارئ لما يحتويه من تفصيل وتحليل جديد لتاريخ الفكر الغربي من ناحية موضوع العلمانية والدين.

نموذج العلمنة كتعميم عن الحالة الأوروبية وخصوصية هذا النموذج

ينطلق عزمي بشارة من فكرة مفادها أن العلمنة كنموذج نظري في فهم التطور التاريخي هي تعميم من حالات أوروبية. لكنه وفي نفس الوقت يمكن الحديث عن علمانيات لا عن علمانية واحدة، بحسب السياقات والبلدان المختلفة. “إن فضاءات مختلفة للعلمانية تقدم فضاءات مختلفة للدين المتبدل أيضاً”.

وقد أوردنا سابقاً أن فكرة تمايز المجالات الدينية عن الدنيوية هي صيرورة موجودة في التاريخ البشري بشكل عام، وأن هذه الصيرورة أخذت صيغة العلمنة مع الحداثة الغربية بحكم تنامي انحسار الدين من مجالات الدنيا. وما يميز العلمنة عن باقي أشكال التمايز السابقة على الحداثة يمكن أن يُرد إلى أمرين أساسيين مع كل ما يتشعب عنهما:

  • نشوء العلم الحديث واكتساحه مجالاً بعد آخر في تفسير الحياة الإنسانية وبيئتها الطبيعية، وفي تغييرها.
  • نشوء الدولة الحديثة، وما رافقها من تغيرات في الثقافة وأنماط الوعي.

فالعلمنة في السياق الحديث لا تنفك عن مساري العقلنة والتنوير الذي مر بها الغرب.

وحتى داخل الحالة الأوروبية نجد تنويعات على مسار العلمنة، فهناك أنماط من العلمانية تجلت في التجربة الغربية. ومن الناحية النظرية يمكن التفريق بين نمطين من العلمانية: العلمانية الصلبة والعلمانية الرخوة.

  • النمط الأول: علمانية صلبة متشددة لا تكتفي بفصل الدولة عن الدين، بل تتخذ موقفاً سلبياً من التدين على المستوى الاجتماعي، وتنظر بإيجابية إلى انحسار الإيمان، أقله في المجال العام.
  • النمط الثاني: يتلخص بعلمانية رخوة سالبة تؤيد أن تكون الدولة محايدة دينياً، وترى أن تتبنى الدولة موقفاً محايداً ومتسامحاً تجاه تعددية الأديان والمذاهب وحرية ممارستها. أي أن لا تمارس الدولة الإكراه في الشأن الديني. والعلمانية هنا ليست موقفاً من الدين بقدر ما هي موقف من الدولة.

يحدث أن لا تتناقض العلمانية الصلبة المتشددة مع الأغلبية في الدول التي تهيمن فيها ثقافة غير دينية أو علمانية، بل يمكن أن تكون نتيجة خيار شبعي ديمقراطي. وهو ما يتطلب وجود نخبة تحمل هذه الأيديولوجيا وتسعى لتحقيقيها في القضاء والتعليم والتربية وغيرها. هذا على عكس ما يحدث عندما تأتي هذه العلمانية في دول ينتشر فيها التدين، فهنا تفرض نفسها بالإكراه من الأعلى، مما يولد صداماً يؤدي إلى ازدياد تشدد العلمانية وتشدد التدين.

في تجليات أنماط العلمانية

يناقش بشارة بشكل مطول نماذج مختلفة من تجليات العلمانية في التجربة الأوروبية، وسنعرض هنا أهم الأفكار في ما يخص كل نموذج، وهذه النماذج هي بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة:

النموذج الإنكليزي

في التجربة الإنكليزية لا نجد معنى العلمنة القائل بفصل الدين عن الدولة، فالدعوة إلى التسامح مع المذاهب المختلفة عن طريق الفصل بين سلطة الملك السياسية والسلطة الدينية كانت دعوة دينية. كما نشأت الأصولية الدينية المؤيدة للفصل بين الدولة والكنيسة من منطلق ممارسة الحرية الدينية بعيداً عن فرض الدولة لعقيدة دينية رسمية.

وبالنسبة لحضور الدين في الحياة الشخصية، فلا توجد في برياطانيا قيود على إظهار الطلاب مثلاً لتدينهم، كالحجاب أو القلنسوة اليهودية، وهذا خلافاً لفرنسا التي تأخذ موقفاً سلبياً من المظاهر الدينية، فهي تعتبر المجاهرة بدين الشخص في مؤسسة علمانية تقوم على المساواة بين المواطنين موضع إشكال بالنسبة للدولة.

النموذج الفرنسي

كان للثورة الفرنسية أثر في صياغة العلاقة بين الدين والدولة، وهو ما تجلى في الدستور المدني للكهنوت. وبالرغم من أن إعلان حقوق الإنسان احترم حرية الضمير فإن الدولة اضهدت الكهنة الذي رفضوا إداء قسم الولاء لها. وظهر هذا الاضطهاد كذلك في الدستور المدني للكهنة بخصوص موضوع الانتخاب لرجال الدين الكاثوليك. ومع تطور الدولة وتشكل الهوية القومية الفرنسية، اُعتبرت الدولة مستقلة عن الكنيسة، لكن الكنيس أصبحت خاضعة لها. كما تدخلت الدولة في قاونين العائلة والأحوال الشخصية التي كانت مساحة خاصة للكنيسة، مما قلل من نفوذها. ولعل القانون الذي صدر في ١٩٠٥ من أهم القوانين بهذا الخصوص، فقد حدد فصل الدين عن الدولة بشكل رسمي.

وطبعاً فإن الطبيعة العلمانية الصلبة في فرنسا تنعكس على المجتمع المعلمن على نطاق واسع.

لقد هيمنت العلمانية الصلبة في فرنسا في بداية الثورة الفرنسية، وانحسرت في عهد نابليون وفي عهد الملكية، لكنها عادت إلى الهيمنة في الجمهورية الثالثة مرة أخرى، ﻷنها ارتبطت بالجمهورية. وفرنسا تقصي الرموز الدينية والخطاب الديني تماماً عن المجال العام، وعلى عكس الحالة الأمريكية، فإن هدف السياسة الفرنسية كان هو حماية الدولة من الكنيسة.

بين أوروبا وأمريكا

يتخذ عزمي بشارة من الولايات المتحدة نموذجاً لعلمنة الدولة وتدين المجتمع. فهي نموذج لتحول حياد الدولة وحمايتها للحرية الدينية إلى شرطي الحياة الدينية في العالم الحديث.

إن مصدر العلمانية الأمريكية يختلف عن مصدر العلمانية الأوروبية، ﻷن هدفها لم يكن اجتثاث سيطرة الكنيسة أو تحديد سلطتها، ولا تأكيد سلطة الدولة وحمايتها من تدخل الكنيسة، بل كان حماية الدين والحريات الدينية. يعود مصدرها إلى أنماط تدين ترفض أن تدخل فيها السلطة السياسية، وهنا تكون العلمنة شرط للحياة الدينية في العصر الحديث.

إن فصل الكنيسة عن الدولة في الولايات المتحدة حول الحرية الدينية إلى نمط الحياة بفضل سعي المهاجرين الأوروبيين الفارين من إملاءات كنيسة واحدة.

ومنذ تأسيس الولايات المتحدة كانت أغلبية المسؤولين الأمريكيين في مؤسسات الدولة المختلفة مؤلفة من أعضاء في كنائس بروتستانتية، وفهم هؤلاء البروتستانتية كأساس للحضارة الأمريكية. وحتى على الصعيد السياسي، لا تجد سياسياً أمريكياً يقول عن نفسه إنه علماني، لما تحمله هذه الكلمة من شحنة سلبية في المجتمع.

وتشترك الولايات المتحدة مع بريطانيا في عدم وجود قيود على إظهار الناس لتدينهم.

نظريات العلمنة

جرى توسيع مصطلح العلمنة من الجهات التي تناهض السلطة الدينية والروحية في إطار الصراع مع الكنيسة. وأصبح المصطلح في القرن العشرين مهماً في علم الاجتماع والفلسفة واللاهوت.

تعود جذور نظرية العلمنة إلى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الذي صاغ نظرية التمايز في دراسته عن أشكال الرفض الديني للعالم واتجاهاته، والذي انطلق من وجود صدام بين الأخلاقيات الدينية والمجالات الدنيوية التي “تتحرر” من الدين، والذي صنف  الديانات بناء على نزعتها إلى التعامل مع الدنيا. وكذلك في فكرته المهمة عن الحداثة والعقلنة باعتبارها نزع السحر (أو القداسة) عن العالم، وإضفاء الطابع الدنيوي عليه.

منذ ماكس فيبر، كان الفهم السوسيولوجي للعلمنة مندرجاً ضمن عدة مستويات، تبدأ بأفول الدين، مروراً بحصره في المجال الخاص، وانتهاء بالتمايز بين المجالات، وتحديد المجال الديني.

وبالنسبة للمنظور الذي يقول بأفول الدين واندثاره -وهو ما يظنه البعض عن العلمنة- فما عاد أحد يقبل به منذ فترة طويلة، وهو منظور يعود إلى النقد التنويري في القرن الثامن عشر، ولم يكن هذا النقد عبارة عن نظرية وإنما موقفاً اجتماعياً وسياسياً.

في ثلاثينيات القرن العشرين نجد عند علماء الاجتماع الأمريكيين جهوداً لتحويل العلمنة إلى مصطلح سوسيولوجي، مثلما نجد عند هاورد بيكر الذي استعمله لوصف عملية الانتقال من المجتمع المقدس المغلق إلى المجتمع العالمي المفتوح (أو من الجماعة الأهلية إلى المجتمع كما عند فرديناند تونيز)، أي الانتقال من جماعة يحكمها العرف والدين إلى مجتمع يحكمه التعاقد والإرادة السياسية. وهذا نموذج يتقاطع مع نظريات التحديث والترشيد (أو العقلنة) التي ترد عند ماكس فيبر ودوركهايم أيضاً.

كما قدم عالم الاجتماع الأمريكي بارسونز تصوراً عن العلمنة، باعتبارها تمايز المجال الاجتماعي عن المجال الكنسي (الديني) التي لا تعني أفول الدين بل تعني حدوث تغيراً في وظيفته. وهو ما يؤدي إلى اقتراب الدين من ذاته وجوهره وتوسيع التنافس الديني.

وفي ستينات القرن الماضي، قدم توماس لوكمان في كتابه الدين غير المرئي تصوراً عن العلمنة لم يفترض فيها أفول الدين، بل فقدان الدين لوظائفه المجتمعية العامة، أي خصخصة الدين. فهو يركز على قيمة الدين ووزنه في حياة الناس. وهو يشكك في قيمة المقاييس المستعملة عند دراسة العلمنة والتدين، مثل توقف الناس عن ممارسة الفرائض أو مظاهر التدين المختلفة، ويركز في المقابل على وزن الدين اجتماعية وكيف أنه تراجع في المرحلة المعاصر إلى المجال الخاص.

أما المنظران السوسيولوجيان نوريس وأنغلهارت فيدعمون المنظور القائل بتراجع التدين نفسه وليس أهمية الدين في حياة الناس فحسب، فبالاستناد إلى معلومات مسحية، يؤكد الكاتبان وجود علاقة عكسية قائمة بين نمو الصناعة والاستهلاك والترفيه وبين مستوى التدين الذي يقل مع انتشار الاستهلاك والترفيه.

على صعيد آخر يوجد هناك اختلاف بين علماء الاجتماع حول الدين والمجال العام، فيؤكد خوسيه كازانوفا حدوث عودة للدين إلى المجال العام، كما بين ذلك في كتابه الأديان العامة في العالم الحديث.

فالسياقات الاجتماعية لخصخصة المجال الديني هي نفسها الخلفية التي تقوم عليها الحركات الدينية الجديدة التي تدفع نحو عودة الدين إلى المجال العام، وهو ما تعرض له كازانوفا في كتابه ودحض فيه المنظور القائل بأن العلمنة أدت إلى اندثار الدين عن المجال العام. وهو ما لحظه في دور الكنائس منذ ثمانينيات القرن الماضي في المجال العام الأوروبي المعلمن، التي عبرت عن هموم المجتمع المدني والقضايا الاجتماعية التي تعني الناس.

لكن يبقى حضور الدين وتأثيره في المجال العام واقعاً بسبب العلمنة لا رغماً عنها، أي أنه لا يحضر في المجتمع والدولة الحديثين إلى إذا تأثر بهما وخاطبهما تبعاً لنمط التفكير السائد فيهما من تفكير علمي وعقلاني أو مهني.

تتفاوت أعمال المنظرين في نظرية العلمنة بين اعتبارها عقلنة للدين، أو اعتبارها عملية خصخصة الشأن الديني، أو الفردنة والتذرير وقيام الجماعات الصغيرة بدلاً من الجامعة العضوية (التي تحمل الدين).

بشكل عام، هناك ثلاث صيرورات عند منظري العلمنة تتقاطع عند بعضهم وتتفاوت عند بعضهم الآخر، وهذه الصيرورات هي:

  • عملية تمايز مجالات النشاط الإنساني وتحديدها من دين وسياسة وعلم واقتصاد.
  • نزوع هذا التمايز أو التمفصل إلى حصر المجال الديني ضمن حدود أو مجال خاص.
  • تراجع أهمية الدين كمعتقد وممارسة.

أثر العلمنة في التدين

ليس ازدياد الدين وانحساره هو الأساس، وإنما تغيير وظيفة الدين وأهميته الاجتماعية. ففي أوروبا الغربية مثلاً، وبالرغم من فراغ الكنائس من المصلين منذ الحرب العالمية الثانية، فإن هناك أكثرية تقول إنها تؤمن بالله، وتتعامل مع الدين في المناسبات وفي الزواج وشعائر الدفن. “لكن الدين ما عاد يتحكم في حياتها بشكل مباشر، حتى بالنسبة للأكثرية المتدينة، وما عاد يشكل مرجعية عند التعامل مع البيئة الطبيعية والاجتماعية المحيطة، ولا مع جسدها .. ولا في البحث عن السعادة .. لقد انخفض وزنه الاجتماعي بتراجع أهميته في الحياة اليومية”.

طبعاً لا يمكن فصل هذه الأمور، عن التحولات الاجتماعية والفكرية العميقة التي مرت بها المجتمعات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، الي أورثت تمرداً على السلطة بشكل عام عند جيل الشباب.

“فنشأ من تلك الأجواء مواطن حديث قادر على تعريض انتماءاته السابقة للمساءلة، ويصبو إلى أنموذج الفردية الثقافية، حتى وهو عرضة لمجتمع الجماهير وتحشيده السياسي والاستهلاكي، ويصبح الدين عنده خياراً،أو أحد الأفضليات التي من حقه أن يرتبها هو من حيث أهميتها”. وهو ما تجلى في إقبال الشباب على التجارب الروحية التي تحاكي روحانيات آسيوية وهندية. كتجلي لنزعة التدين الفردي الروحاني، والاعتقاد بأن على الإنسان أن يجد قناعاته الروحية باستقلال عن الكنيسة.

يقدم بشارة في نهاية الكتاب أنموذجاً نظرياً للعلمنة، لا باعتبارها حالة فصل تضع جداراً بين المجالات، بل كجدلية من التمايز في إطار الوحدة، والفصل والتوتر الناجم عنه والذي يؤدي إلى البحث عن معنى في المقدس الدنيوي في غياب المقدس الروحي، كما يؤدي إلى نزعات للعودة إلى السياسة والمجتمع في المجال الديني.

ويأتي هذا الأنموذج في ثلاثة مسارات متقاطعة:

فالعلمنة في المجال المعرفي تعني التطور في تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية والسيساية من خلال قوانينها ذاتها، وذلك باكتساح نمط التفكير العلمي، وانسحاب النظرة الدينية عن العالم. وهو ما يطور نزعات نقدية اتجاه الدين والمؤسسة الدينية.

وعلى المستوى الاجتماعي تعني العلمنة تمايز مجالات الفعل الاجتماعي ومنطقها بتفاعلها مع تطور أنماط الوعي، مثل تمايز المؤسسات الدينية من غير الدينية، وتمايز المهن وغيرها. وهو ما يرافقه انحسار التدين، أو ظهور الصحوات الدينية، أو بروز التدين السلفي الأصولي.

وتظهر كذلك الأديولوجيا العلمانية كموقف سلبي من النشاط المعرفي للدين ومن حضوره في المجال العام. مما يعطي المجال لبروز دعوات حيادية الدولة في الشأن الديني، خاصة عندما تتبنى الدولة الأيديولوجيا العلمانية.

  • من جهة الدين، فإن العلمنة تعني رسم حدود للدين كفكر وظاهرة اجتماعية مميزة لذاتها. بعد أن كان مجالاً مهيمناً في عصور ما قبل الحداثة.

هذا الأمر يؤدي إلى مجموعة من الصيرورات والمسارات المحتملة التي يتخذها الدين بحسب درجة علمنة أنماط الوعي في المجتمع أو تدينه:

  • المسار الأول هو رفض المؤسسة الدينية لهذا الفصل والتمايز، وهو ما ينتهي إلى قبول هذا الفصل على الخضوع لمنطق الدولة، ويترافق ذلك مع بحث المؤسسة الدينية عن وظائف جديدة للدين في مجالات المجتمع، أو العودة إلى المجال العام.
  • المسار الثاني هو عودة الدين عبر التدين الفردي الباحث عن معنى في إيمان فردي والانجذاب إلى ديانات من مجتمعات تبدو للإنسان المعلمن أكثر روحانية.
  • المسار الثالث هو بقاء الدين في المجال السياسي المعلمن، واستخدامه أو توظيفه من قبل الدولة. وهذا نموذج يصلح لتفسير ظواهر في العالم الثالث الذي جرى فيه تحديث الدولة بأسرع مما جرى تحديث وعلمنة المجتمع.
  • المسار الرابع هو عودة الدين إلى المجال العام بتسييس الدين ضد الدولة عبر جماعات وأحزاب تقوم بتسييس الدين واستخدامه في الصراعات السياسية والاجتماعية، وتقديم الدين كإجابة عن مشاكل المجتمع.
  • من جهة المجالات العامة التي جرت علمنتها كالسياسة والدولة، فهناك تفاعلات وصيرورات من إعادة استحضار المقدس من جديد، كإضفاء القدسية على الدولة، مثل الملكية المطلقة كممثل للسيادة، ومفاهيم الأمة والقومية والوطنية والدولة ذاتها، بالإضافة إلى رموز الدولة وقيمها.

وقد تتجلى استعادة القداسة عن طريق ربط الدين بالهوية الوطنية في مقابل هوية أخرى بديانة مختلفة. ومن تجليات ذلك أيضاً تحويل الدين التقليدي إلى طائفة، بحيث تُربط مفاهيم حديثة مثل الحقوق والدولة بالانتماء إلى جماعة.

هذا أهم ما تحدث عنه عزمي بشارة في هذا الجزء من الكتاب، وفي انتظار الجزء الثالث الذي يعمل عليه والذي سيخصص فيه الحديث عن الحالة العربية والإسلامية، وعلى ذكر ذلك، لا بد من الإشارة إلى حجم الفقد الذي نعانيه في مجال العلوم الاجتماعية من دارسة لأنماط التدين والتغيرات التي تطرأ عليها، والتي تشهد إما غياباً لهذه الدراسات، أو تطبيقاً لمناهج غريبة عنها ولا تقارب بنيتها الخاصة، وهذه الدعوة للتفكير جدياً برفد هذه المساحة كباب لتشكيل علم اجتماع مخصص للحالة العربية والإسلامية.

57885003874                                                                    عدد الصفحات : 408

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات