عزمي بشارة ومقاربات جديدة للدين والعلمنة

حمزة ياسين – التقرير

بالرغم من كثرة طرح موضوع الدين والعلمانية من قبل المفكرين العرب والغرب، لحدٍّ بات القارئ يشك في إمكانية تقديم رؤى جديدة فيه؛ إلا أن عزمي بشارة في سلسلته عن الدين والعلمانية في سياق تاريخي، استطاع أن يوجه الأنظار إلى زواية ومناطق كانت مغيبة عن الفكر، وإلى وضع المفاهيم في سياقات أكثر صحة ودقة.

ولعل أهم وأبرز ما قدمته هذه السلسلة هو أنها لم تركز على مفهوم العلمانية كأيديولوجيا كما هو دارج في المجال العربي، بل ركزت على العلمنة باعتبارها صيرورة تمر بها المجتمعات، واثر ذلك على الدين وأنماط التدين، وهو ما سنوضحه في هذه المراجعة.

واستطاع عزمي بشارة في هذه السلسلة أن يقدم مقاربات عن الدين والعلمنة تتقاطع بين الفلسفة والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، ومستدناً إلى مقاربات مختلفة في الفكر الغربي والتراث الإسلامي.

ستنقسم مراجعة السلسلة إلى قسمين، القسم الأول سيتناول الجزء الأول من السلسلة – وهو موضوع هذا المقال-، والقسم الثاني سيتناول الجزء الثاني منه – المكون بدوره من مجلدين.

وقد تناول الجزء الأول موضوع الدين وعناصره ومميزاته عن غيره من التجارب، وعن اختلاف الدين عن التدين، وعن المقاربات النقدية للدين، ثم عن الدين في سياق العلمنة، وعن ضرورة أخذ موضوع العلمنة بعين الاعتبار من أجل فهم وضعية الدين في العالم المعاصر.

عن الدين

يبدأ بشارة حديثه عن الدين من خلال طرح أصول الظاهرة الدينية عند الإنسان ومكوناتها، معتبراً  تجربة المقدس كأساس روحي، وهي “تجربة تقع في وعي الإنسان في تقاطع العقل والحس، في الجزء الحسي من العقل، أو في الجزء العقلي من الحس”، وهي بهذا المعنى تجربة عاطفية وجدانية مكونة للإنسان.

والانفعال بالمقدس يعود إلى ملكة أصيلة في الإنسان، هي ذاتها التي تجعل الإنسان ينفعل بالجمال أو بالسامي، أو الذي يثيره المطلق واللانهائي، ومختلف العواطف الوجدانية والأخلاقية. هذا الأساس المشترك بين تجربة المقدس وتلك الانفعالات هو الذي يجعل الانتقال فيما بينها، واستبدال إحداها بالآخر ممكناً في أحوال اجتماعية وسياسية معينة.

الشعور بالمقدس باعتباره ملكة روحية هو مكون رئيس من مكونات الدين الإنساني، لكن لا يمكن أن يُختزل الدين في تجربة الانفعال بالمقدس فقط، فبالرغم من الأبعاد الفردية المميزة للدين، إلا أن بشارة يؤكد على طول سلسلته عن الدين والعلمانية أن الدين ظاهرة جماعية واجتماعية.

فالدين يبدأ حين يُمأسس الشعور بالمقدس، أو بتعبير آخر، الدين هو “تدبير المقدس”. “فما يميز التجربة الدينية من التجارب الأخرى التي تثير هذا الشعور هو أن الدين يضيف إلى تجربة المقدس البعدين الإيماني والمؤسسي والتنظيمي”.

وبالإضافة للملكة التي تزود الفرد بالشعور بالمقدس، يضيف بشارة نقطة أخرى تساهم في إعطاء الدين بعده الاجتماعي، وهي وجود “الغريزة الاجتماعية” التي تدفع الناس إلى الاجتماع والمحافظة على الجماعة، من خلال توارث التقاليد وممارسة الطقوس والتشارك في السرديات وغيرها. وعن طريق تجاوز الغرائز بواسطة البنى الاجتماعية والفعل الإنساني الخلاق.

ذكرنا عنصر الانفعال بالمقدس وعنصر اجتماعية الدين، ويضيف بشارة إليهم عنصر الإيمان، فالإنفعال بالمقدس لا يتحول إلى دين إلا عندما يحضر عنصر الإيمان، أي الإيمان بالمقدس وبوجوده الحي والعاقل في الغيب، وأن من الواجب عبادته. ومأسسة هذا الإيمان وأداءه لدوره في إنتاج الجماعة هو الذي يميز التدين من بقية تجارب المقدس.

بمعنى آخر، حتى يختلف الشعور الديني عن بقية تجارب المقدس غير الدينية ويكون دينياً، لا بد له من إيمان يتضمن حداً أدنى من العقائد، وتمييزاً لما هو مقدس عن ما هو مدنس، وسردية عن نشوء المقدس.

وهذا الإيمان لا يتحقق من غير العاطفة الدينية المنفعلة والمتأثرة بالمقدس، والإيمان بحسب بشارة مجال منقطع عن وظائف العقل بما هي عقلانية، لكنه يبقى مجالاً إنسانياً. واﻷمر المهم بالنسبة إلى التحليل العقلاني ليس إهمال هذه الإنفعالات باعتبارها غير عقلانية، بل محاولة فهم معناها وهدفها ووظيفتها وفق نظامها الخاص.

بالرغم من البعد النفسي الإيماني الفردي للتجربة الدينية، وبحكم أن الدين يتمظهر ويعبر عن نفسه اجتماعياً، فإن ما يميز الدين هو اجتماعية التجربة الدينية، ونمط اجتماعية حدوثها. واجتماعية العقيدة التي تؤطرها كزاوية نظر للمقدس قائمة في الرموز والعبادة والطقوس الجمعية. هذا لا يعني أن الدين هو التعبير الجمعي عن الخبرة الفردية، فكما أن المجتمع ليس مجموع أفراده، كذلك ليس الدين تعبيراً عن مجموع تجارب فردية من الانفعال بالمقدس.

ويؤكد بشارة هنا على فكرة مهمة تقع في صلب نظرته إلى الدين والتدين فيقول أن “التجربة الدينية التي نتحدث عنها تجربة عادية، أو لا بد من أن تصبح عادية من خلال الدين. إنها العادية التي صارت عادية أو حميمةً لغرض التمكن من الحياة معها”. وهنا تكمن الجدلية الممتعة التي تميز الدين، فأهمية التدين تكمن في “العادي اليومي لا في الاستثنائي وغير العادي في التجربة الدينية”. ولولا هذه الجدلية لما قامت للدين قائمة.

بين الدين والتدين

“يمارس الدين بالتدين، ويتمأسس بتدين معتنقي هذا الدين،وبالتدريج يبتعد عن جوهره وهو الإيمان،ويصبح جوهره هو مظهره، أي التدين”. لذلك نرى تأخر استخدام لفظ المتدين في الإسلام والمسيحية، فالمصطلح الذي كان منتشراً هو المؤمن لا المتدين.فالأصل في الدين هو عنصر الإيمان، أما العقائد والشعائر فتجعل مادة للدين يمكن نقلها وتوريثها.

ويختصر بشارة المسألة فيقول “لا إيمان من دون مؤمنين، ولا دين من دون متدينين حتى لو لم يكونوا مؤمنين، والتدين نفسه ليس بالضرورة الإيمان بعقيدة، ولا هو بالضرورة المرور بتجربة التواصل مع المقدس (فمن غير الضروري أن تتكرر تجربة كشف المقدس للمتدين) … لكن كلا الأمرين- الإيمان وتجربة المقدس-  يمكن أن يكونا قائمين، ويمكن أن يغيبا في التدين بصفته ممارسة اجتماعية مستمرة”.

في صراع الديني مع منافسيه

لا يخفى على من اطلع على النصوص الانثروبولوجية التي وصفت أحوال القبائل والجماعات القديمة، وكيف كان يتداخل فيها الديني بالفنون كالرسم والموسيقى وغيرها، بل حتى من شهد هذا التداخل عند بعض الطرق الصوفية المسلمة، وفي الكنائس المسيحية أيضاً، وهذه جميعاً تعد دليلاًعلى الأصل المشترك لهذه الممارسات وإحالتها نحو الملكة التي تنفعل بالمقدس كما تنفعل بالجمال.

لكن يحدث أن تتمايز هذه المجالات عن بعضها ويتخذ الدين منها موقفاً، خاصة إذا ما مورست هذه النشاطات خارج الدين، وهو ما يعتبر كتهديد للهوية الديني وللمؤمن وولائه.

فإذا افتُقد الإيمان بالدين، أو اهتز تأثيره المؤسسي،أو نشأمنافس قوي له، فستنتقل مشاعر المقدس إلى هذا المنافس لتضفي عليه مضامين جديدة تعتنق على شكل إيمان. ويمكن أن نعتبر ما يحصل من هوس بمشاهير الفن، أو ما يشهده الفرد من أحداث كالحب أو الخيانة، أو في الحس الجمالي لمدارس معينة، أو حتى في ظواهر اجتماعية كبرى كالقومية والوطنية التي ترتبط بشعور قوي على مستوى الفرد؛ هذه الظواهر والمشاهد وغيرها مما يشهده المتدين في حياته، تؤثر على انتمائه الديني إذا ما كانت هذه الظواهر منفصلة عن الدين،وهذا أمر يظهر في رد فعل المتحدثين باسم الدين من علماء وخطباء من منع منافسة هذه المؤثرات الأخرى،لأنها تشكل منافساً قوياً للدين.

إن بروز هذا الصراع بين الدين وهذه الظواهر القادرة على إثارة الانفاعل بالمقدس لدى الفرد، يعبر من أهم جوانب الصراع على الولاء والانتماء لدى الانسان، كما يعبر عن جانب أهم وهو وجود مؤشر على انحسار الدين التدريجي في مجاله، فيصبح له مجالاً محدداً.

في نقد نقد الدين

يشير بشارة إلى نقطة مهمة تفيد في تحديد الدراسات النظرية النقدية لدين، وهي أن الظاهرة الدينية ليست نظرية، أو مجموعة نظريات وعقائد باطلة أو خرافات كما تبدو بالنسبة للناقد المادي أو الملحد، وإنما هي ظاهرة اجتماعية سياسية روحية نفسية عظيمة الأثر، ولا بد من تحليل الممارسة الدينية ذاتها حتى يمكن فهمها.

ومن هذا المنطلق لا يمكن اعتبار الجهد المبذول في دحض الدين الذي ينتشر في مرحلة تاريخية معينة جهداً تنويرياً في فهم الدين ذاته أو في فهم الظاهرة الدينية، بقدر ما هو جهد عقلاني يهدف إلى تأسيس تقليد ثقافي وسياسي جديد متحرر من سيطرة الدين والمؤسسة الدينية. بمعنى أنه موقف اجتماعي – سياسي وليس نظرية معرفية.

لذلك لم يختف الدين بمجرد نشوء النظريات المادية والإلحادية التي تفسر نشوء العالم أو تفند اعتقادات ومقولات دينية معرفية، فهذا الجهد وبكل بساطة لا يحول الدين إلى مجرد نظرية خاطئة، لأنه ليس نظرية، والتدين لا ينبني على تحليلات صحيحة أو خاطئة، بل هو تجربة مع المقدس، وإيمان بعقيدة، وممارسة اجتماعية.

وهنا عرض لرؤى مختلفة في نقد الدين ونقد نقد الدين:

كانت والدين والأمل

يأتي منهج كانت في تفنيد نقد الدين خاصة من قبل الفلسفات الإلحادية عند بعض التنويريين في فصل العقل والمحاكمات العقلية عن الإيمان، فرؤيته الفلسفية عن الدين تتلخص في إنكار إمكانية معرفة الله بالعقل المجرد، على اعتبار أن إعمال العقل خارج ما يصل إليه العقل يعني الوصول إلى نائج غير عقلانية، بالإضافة إلى أن الله يقبع خارج عالم التجربة الحسية، وعالم العلاقات السببية، أي خارج حدود ومجال العقل. لذلك يخرج كانت استنتاج وجود الله من مجال العقل المحض إلى العقل العملي، بحيث تقود الممارسة الأخلاقية إلى الإيمان بالله.

ومن المعلوم أن الأخلاق عند كانت هي الفعل الإنساني الحر النابع عن اختيار العمل بموجب القانون الأخلاقي، أو ما يعرف بأخلاق الواجب، لكن كانت يؤكد أن العمل الأخلاقي بهذا المعنى لا يقود إلى السعادة بالضرورة، بل قد تتعارض معها. وعدم وجود علاقة بين السعادة والفعل الأخلاقي هو الذي يقود إلى الإيمان بالله وبخلود الروح. بحيث يكون الله هو الضامن للقاء بين الفعل الأخلاقي والسعادة.

فإذا كان نقد العقل المحض هو للإجابة عن سؤال “ماذا يمكنني أن أعرف؟”. وإذا كان نقد العقل العملي جواباً عن سؤال “ماذا علي أن أفعل؟” فإن عدم وجود العلاقة بين الفعل الأخلاقي والسعادة هو الإجابة عن سؤال “ماذا يمكنني أن آمل؟” وهنا يأتي تأكيد كانت ارتباط الدين والتدين بالأمل.

ماركس والدين كقلب لعالم بلا قلب

تعامل كارل ماركس مع الدين على أساس كونه تعبيراًعن طموحات البشر ومخاوفهم. فالدين بالنسبة اليه هو “تنهيدة المظلوم المقموع وقلب عالمٍ بلا قلب”، كأن الدين إسقاط لعالم الإنسان المنفصم والمغترب على عالم آخر هو عالم المثل.

وهنا يحاول بشارة أن يعدل من دلالة المقولة الرائجة المقتبسة عن ماركس بأن “الدين أفيون الشعوب”، فماركس لم ير في الدين مخدراً للإنسانية بشكل عام، بل ادعى دوراً تخديرياً للدين في سياق علاقة الشعب بالدولة.

ولذلك اعتبر ماركس الدين من صنع الإنسان، وأن نقد الدين هو مقدمة لنقد اغتراب الإنسان عن ذاته. لأنه تعامل مع الدين كذلك كمؤسسة اجتماعية تقوم بتطوير مصالح طبقية في المجتمع الإقطاعي، وينشر في عالم التمييز الطبقي نوعاً من الحميمية وتهيء الإنسان لتقبل الظلم وتبريره.

فيبر ونقد التعارض بين الدين والحداثة

تتضمن أفكار ماكس فيبر إهاماً مهماً في سؤال العلاقة بين الدين والحداثة والتحديث، فما قدمه في نظريته المعروفة عن الرأسمالية وأخلاق البروتستانتية ساهم في نقد التناقض المزعوم بين الدين والحداثة.

فقد استنتج فيبر عندما درس البلدان التي انتشرت فيها الرأسمالية كيف ساهم نمط معين من البروتساتنيتة الكالفنية في تشجيع نشوء الرأسمالية.

فهذا المذهب المتحدر من الرأسمالية يقوم على أخلاقيات التقشف والعمل والشعور بالواجب باعتبارها تقوم مقام العبادات، في نوع من التقشف الديني الذي يحول الزهد في الدنيا إلى زهد داخلي إيماني، وإلى قوة إنتاجية مادية. وهو ما قوة النزوع نحو الرأسمالية التي تقع في صلب الحداثة.

الدين في سياق العلمنة

“إن صيرورة العلمنة لا تبدأ بفصل الدين عن الدولة في أي مجتمع، بل بتمايز البعدين في الوحدة الواحدة، بحيث يبدأ أحدهما بالسيطرة على الآخر مولداً تمردات، وتديناً شعبياً، وردات فعلٍ، وأصوليات وسلفيات، وغيرها”.

الفكرة الأساسية التي يريد بشارة أن يصل إليها هي أنه لا يمكن فهم أنماط التدين وتجليات الظاهرة الدينية في العصر الحديث من دون فهم صيرورات العلمنة والتمايزات وتطور الوعي التي مرت بها المجتمعات.

يتعامل المؤلف مع العلمانية في هذا الكتاب لا باعتبارها موقفاً أو أيديولوجيا أو وصفة ما، وإنما ينظر إليها من منظور سوسيولوجي، بمعنى أنه يتعامل مع “العلمنة”، باعتبارها نتاج عملية تمايز أجتماعي بنيوي وتغير في أنماط الوعي كصيرورة تاريخية، يتمايز فيها الدين عن المجالات المختلفة ضمن صيرورة تطور المجتمعات، وهي صيرورة تمر بها المجتمعات كافة.

وبحسب أنماط الفصل بين الدين والممارسة الاجتماعية في المجالات المختلفة، تتحدد كيفية تعامل الدين معها، وعزوفه عنها، أو عودته إليها كما يحصل مع الأيديولوجيات الدينية. وهو ما يؤثر في سلوك المؤسسة الدينية وفي مواقف المتدينين الإجتماعية والسياسية.

ولا تعني العلمنة بالضرورة اندثار الدين تماماً عن المجتمع بل قد تعني تغير وظيفته- وهذا أمر له تفصيله في الأجزاء الأخرى من الكتاب-، فمن مظاهر العلمنة التي تولد نقيضها نشوء الفرق الدينية، التي تعبر عن حالة توتر مع العلمانية، وتوتر مع واقع المؤسسة الدينية المتعايشة مع العلمنة. وعادة ما تنشأ هذه الفرق عندما تُعلمن المؤسسة الدينية وتصبح أقل تلبية لحاجات الناس الروحية.

يمكن القول أن صيرورة التمايزات بين الدين والمجالات المختلفة كانت موجودة عبر التاريخ، بل كانت موجودة داخل الأديان نفسها، فالأديان التوحيدية هي تعبير عن هذا التمايز، من فصل الآلهة عن الظواهر المادية، وتوحيد الآلهة في إلهٍ واحد، إلى فصل الإله الواحد عن عالم المرئيات والمحسوسات. فالأديان التوحيدية تتقدم على ديانات التعددية في الآلهة وعلى الأسطورة التي تسكن فيها الآلهة الظواهر المادية، أو أنها تحل في البشر والملوك.

لكن ما يفرق العلمنة عن صيرورة التمايزات تلك أنها تفصل الدين عن مجالات تعتبر أصلية فيه كالوعي والمجتمع والمرجعية الأخلاقية وغيرها. وهذا المستوى من التمايزات هو ما نطلق عليه العلمنة، وهذهالصيغة من العلمنة أخذت في التشكل مع مع نشوء الحداثة وتطورها وتبلور مؤسساتها.

العلمنة والدولة والمجتمع

قبل العلمنة، كانت التحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى تجري داخل إطار الظاهرة الدينية الشاملة. لكن مع تقلص شمولية الظاهرة الدينية تنشأ أنماط من التعبير السياسية والاجتماعية خارجها.

ويشير بشارة إلى نقطة مهمة في سياق علاقة العلمنة بالمجتمع والدولة، وهي أنه “إذا ما أصبح مقر الدين الرئيس هو المجتمع لا الدولة في تجليات العلمانية في الحداثة، فإنه ينتشر وينحسر في مجال المجتمع لا الدولة”. ويصبح جزءاً من انتماء الفرد في الحيز العام، وجزءاً من انتماءات الفرد في الحيز العام.

كما يولد تمايز المجتمع عن الدولة، وتمايز الفرد من الجماعة أنماطاً مختلفة من التدين لم تكن معروفة قبل سياق العلمنة، مثل انتشار التدين الفردي والتدين الجماهيري، وهما ينشآن في غياب الجماعة العضوية التي هي مهد الدين.

مقدمة عن أنماط العلمنة

العلمنة من منظور تاريخي هي تطور تاريخي بدأ منذ فجر الحداثة والثورة العلمية، تتجلى في انحسار الدين من مجال فكري واجتماعي بعد آخر، بما ذلك تحييد الدولة في المجال الديني، وتحييد العلم دينياً وغيرها.

وهي عملية فصل متدرجة للديني عن الدنيوي، وللمقدس عن العادي، ولله عن العالم.

وتأخذ العلمنة صورتان عبر تاريخ الغرب، الأولى التي بدأت منذ أكثر من 800 عام مع بدء فقدان الكنيسة احتكارها السيطرة الثقافية والاجتماعية الكاملة، عبر تمايزات في وظائفها، وعبر انحسارها من مجال إلى آخر في مقابل توسع الدولة، وانحسارها من مجال معرفي تلو آخر في العلاقة مع الفن والموسيقى والعلم. وهي جزء من ظاهرة التخصص وتوزيع العمل في المجتمعات، وتوسع وانتشار العلم والعقلنة.

والصورة الثانية هي صورة العلمنة باعتبارها فصلاً واعياً ومقونناً، وهي العلمية التي توسعت منذ من 200 إلى 300 عام تقريباً. وذلك ليس بمجرد إخضاع الدين للدولة، بل بتحييد الدولة في الشأن الديني، أو استخدام الدولة لفرض الدين.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات