عثرت على فرجينيا وولف في بئرنا

لا أعرفُ كم مرة عليّ أن أنزل إلى الجبّ كي أثير ضجيجًا في سلم الأنبياء، أفعل هذا دائمًا حين يشتد خناقي بإخوتي، ثم لأن الله يحب عبده الملحاح.

لا دليل عندي أقيس به درجة عبادتي لله، لا أصلي ولا أزكي، ولا أقيم الليل ساجدًا، ألهتني شبكات التواصل الاجتماعي عن نزول الله إلى السماء الأخيرة، وكل ليلة أكون فيها مستعدًا لأرفع إليه طلباتي، أذكر البئر الذي في حقل أبي، فأتسلل إليها خلسة ثم أقع فيها دون أن تتجهم السماء فوقي، ودون أن تتصدع سماءات الله السبعة، ودون أن يأتي الذئب حتى.

أبي مات، في شباط دافئ، كان شيخًا أصابه المرض، انتظرني طويلاً كي أبشره برؤيتي، لكني لم أرَ أحد عشرًا كوكبا ولا شمس ولا قمر سجدا لي. خفتُ أن أكذب عليه يومًا، فادّعي؛ فينهرني ويضربني بعصاه على قفاي، ويخشى عليّ من إخوتي ومن أمي ومن الدرك الملكي الذي كان يرابط كل ليلة سبت عند مدخل السوق الأسبوعي لاصطياد أخطاء الآخرين.

إخوتي يحبونني، في الأعياد الدينية كانوا يتبرعون عليّ ببعض البقشيش، اشتري بها سيجارة الماركيز، كانت رائحتها تستهويني في مقاهي المدينة التي دلفتُ إليها بإدمان كبير، كنتُ انتشي وعنوةً كنت أجلس في قرار المقهى كي أستجمع كل ما ينفثه الجلاس من أدخنتهم، لا أحد من إخوتي دخّن، وكلما دخلت عليهم في مجالسهم يتشممون رائحة الماركيز على ملابسي؛ يتوعدون بمعاقبتي وأنا كنتُ دومًا أحضهم على رميي في الجبّ.

أقضي كل وقتِي في الرّد على أيقونات الحب والقبل التي تأتي على شاشة هاتفي، في الفايسبوك زليخات كثيرات، يكتبن لي هيت لك، وحين أهيم بهن يغلقن صندوق الرسائل، أو يحظرن عليّ مكاتبتهن، إن كيدهن لعظيم، أعود إلى جداري فأكتب تدوينة عن الخضر والفواكه والسكاكين لعلهن يقطعن أيديهن.

هكذا أقضي جل وقتي مترقبًا اندلاق الدّم من جداري.

في السبعين من عمره، لفّ خليل حاوي الحبل على عنقه وانتهى أمره، تاركًا كوخه يستريح فيه الله والدهر السحيق. كما ترك هيمينغواي الشيخ والبحر.

لا أعرف لماذا أجد بعضًا من الدهشة حين أطالع نهايات هؤلاء، غالبًا ما أطالعها في يوم الخميس، أعرف أن لا سر في إقدامهم على الانتحار بتلك الطرق البشعة، إنهم يتركوننا في نعيم جبننا، لنبدو أمامهم كخرفان قذرة تبعبع دون أن نثير طنين ذبابة.

قبل أمس شاهدتُ فيلم “الطفل الشيخ”، لم أنم بعده، بقيت طوال الليل حائرًا، من أجل فكرة عمرها خمس دقائق يمكن أن نبنيها عشرين عامًا. عشرون عامًا عمر البئر الذي أنزله كل ليلة لأختبر الله وأجرب حظي في النبوة.

“يا الله جرّبناك جرَّبناك

 من أعطاك هذا اللغز؟

 من سماك؟

 من أعلاك فوق جراحنا ليراك؟”

ولأني لست وحيدًا، لم يكن الوحي من حظي؛ لكني متمسك بقليل من الأمل، لأن الوحيَ حظُّ المهارة إذ تجتهدْ.

إخوتي لا يحبونني؛ أقلعت عن التدخين، وغادرتُ بيتنا وغادرتُ حقل أبي منذُ أن عثر الدرك الملكي على جثة فرجينيا وولف في بئرنا.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات