صكوك متوافقة مع الشريعة.. السعودية تبحث عن وجه جديد للسندات المحلية

أحمد سامي – التقرير

قالت صحيفة «فاينانشيال تايمز»، إن السعودية تعتزم إصدار صكوك متوافقة مع الشريعة الإسلامية خلال شهر فبراير المقبل، وأوضحت الصحيفة نقلا عن مصادر لها، أن كلًا من بنك «إتش إس بي سي» و«جي بي مورغان» و«سيتي بنك» مرشحة لاختيارها كمنظمين للإصدار المزمع للصكوك السعودية.

ووفقا للبيانات المتاحة، قال وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، مؤخرًا إنه يتوقع أن تستأنف المملكة إصدار سندات محلية بالريال في الربع الأول من 2017 وبشكل شهري، كما صرّح محمد التويجري، الأمين العام للجنة المالية في الديوان الملكي، أن المملكة تخطط لاقتراض ما بين 10 مليارات و15 مليار دولار من الأسواق العالمية في 2017 ونحو 70 مليار ريال من السوق المحلية.

أول عملية اقتراض

وفي 20 أكتوبر الماضي، تمكنت السعودية من جمع 17.5 مليار دولار أمريكي من السندات في أول اقتراض للمملكة من السوق الدولية، وفق ما أعلن مصرف HSBC الذي شارك في الإشراف على العملية، وقال جان مارك ميرسييه من مجلس إدارة قسم أسواق السندات في المصرف لوكالة الصحافة الفرنسية، إن هذا المبلغ يؤكد نجاح وصول المملكة إلى أسواق رأس المال.

وتقسم المبالغ التي اقترضتها السعودية إلى 3 شرائح، حسب المصرف، الأولى قدرها 5.5 مليار دولار على 5 سنوات بنسبة فوائد اسمية سنوية تبلغ 2.375%، والثانية قدرها 5.5 مليار دولار أيضًا لـ10 سنوات بنسبة 3.25%، والثالثة قدرها 6.5 مليار لـ30 سنة بنسبة 4.5%، ويبلغ معدل الفائدة السنوية الفعلية التي ستسددها المملكة على مجمل المبالغ المقترضة 2.588 في المئة لخمس سنوات، و3.407% لـ10 سنوات، و4.623% لـ30 سنة.

وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال»، إن أول عملية اقتراض للسعودية بعد طرحها أسعار سنداتها الدولية استقطبت طيفًا واسعًا من المستثمرين الأجانب حول العالم، وبحسب خبراء ماليين، شارك في «الصفقة السعودية»، كما تصفها الصحيفة، مستثمرون من خارج نطاق المتابعين التقليديين لتلك العمليات في سوق السندات الدولية، ليشمل ذلك بنوكًا مركزية آسيوية وصناديق استثمار أوروبية إلى جانب بنوك من منطقة الشرق الأوسط أيضًا.

ويختلف هذا الوضع، حسب وول ستريت جورنال، عما جرى عندما باعت قطر سنداتها الدولية بقيمة 9 مليارات دولار مطلع هذا العام، باستئثار المستثمرين الأمريكيين والأوروبيين حينها.

المصرفية العالمية الإسلامية

«تقدم جميع المصارف السعودية الـ12، والعديد من فروع المصارف الأجنبية العاملة في السعودية، منتجاتٍ تمويلية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، وتشكل المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية معظم قطاع المصرفية السعودية للأفراد، ونلاحظ نموًا كبيرًا في هذه المنتجات في قطاع الشركات».. هكذا وصف محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي، أحمد الخليفي، المصارف الإسلامية في المملكة العربية السعودية.

واعتبر الخليفي، في المؤتمر العالمي الـ23 للمصرفية العالمية الإسلامية، الذي استضافته البحرين، أن المصرفية الإسلامية أظهرت خلال العقدين الماضيين مستوى مرونة أعلى بكثير من المصرفية التقليدية خلال الأزمات المالية العالمية، مذكرًا بأن تقديرات نمو التمويل الإسلامي حول العالم تشير إلى معدل يزيد عن 10% سنويًا، ما يدل على أن لديها «إمكانيات أكبر من مجرد تلبية احتياجات أكثر من 1.5 مليار مسلم».

وأوضح أن المصرفية الإسلامية لدىها إمكانات تلبية احتياجات تتجاوز ما تحتاجه الشعوب الإسلامية لتطال العالم الأوسع، كاشفا أن السعودية تحوي 19% من إجمالي الأصول العالمية المتوافقة مع الشريعة، كما دعا القائمين على الصناعة إلى تحقيق التوازن المطلوب بين التأويلات المختلفة للنصوص الشرعية والخلافات الفقهية.

انتشار المصارف بالمملكة

وشدد المسؤول المالي السعودي على أن مخاطر المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية «تقام وتُدار باستخدام المبادئ ذاتها المتبعة في تقييم وإدارة مخاطر المنتجات التقليدية»، مؤكدًا أنّ الأصول المتوافقة مع الشريعة الإسلامية نمت نموًا كبيرًا في المملكة العربية السعودية خلال العقد الماضي، حيث شكلت الأصول المتوافقة مع الشريعة الإسلامية نحو 51% من إجمالي أصول النظام المصرفي السعودي، و67% من إجمالي مطلوباته في يوليو 2016″.

وتابع: «هذا أعلى مستوى مسجل بين الدول التي تنتشر فيها على نطاق واسع الخدمات المصرفية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية والخدمات المصرفية التقليدية. كما تستحوذ المملكة العربية السعودية على نحو 19% من إجمالي الأصول العالمية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، ومن المرجح أن تصل النسبة إلى ما لا يقل عن 25% بحلول العام 2030».

وحدد الخليفي مجموعة من التحديات أمام المصرفية الإسلامية أولها تطوير رأس المال البشري، إلى جانب توحيد المعايير بما سيسمح لقطاع المصرفية الإسلامية بالنمو والتنافس العادل دون خلق مخاطر نظامية، ولكنه كشف أيضا وجود تحد ثالث يتمثل في «تحقيق التوازن المطلوب بين التأويلات المختلفة للنصوص الشرعية والخلافات الفقهية وصولًا إلى مزيد من الاتساق بين الهيئات الشرعية».

واعتبر الخليفي، في هذا السياق، أن ضرورة وجود جدوى اقتصادية للمنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية تتطلب ألا يقتصر العلماء الشرعيون في خبرتهم على الفقه الإسلامي فقط، بل يجب أن يكون لديهم إلمامٌ كافٍ بالجوانب القانونية، والمحاسبية، والهياكل المالية التي تقوم عليها المنتجات والأدوات المالية الإسلامية، وفق تأكيده.

التجار السعوديون

وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ الاقتصاد الإسلامي المعروف، الدكتور محمد بن سعود العصيمي، أن أحد أهم أسباب انتشار البنوك الإسلامية في العالم هم تجار الخليج، ولا سيما السعوديون منهم، وهؤلاء بالذات لم يجدوا مناخا ملائما في المملكة مع بدايات المصرفية الإسلامية قبل نحو 30 عاما، لكن الوضع بدأ يتحسن في السنوات الأخيرة، وإن كان هناك نقص في الجانب التشريعي والرقابي، حيث لا يوجد نظام خاص بالبنوك الإسلامية لدى مؤسسة النقد «ساما»، وإنما هو نظام عام يشمل جميع أنواع المصارف.

ولفت رئيس المجموعة الشرعية في بنك البلاد، إلى أن أصول المصارف الإسلامية بالمملكة في تزايد، نظرا لوجود 3 مصارف إسلامية بالكامل، في حين أن البنوك الـ8 الباقية لديها عمليات متوافقة مع الشريعة بنسبة ممتازة في قطاع تمويل الأفراد خصوصا، وعما إذا كانت المصرفية في السعودية متجهة نحو الأسلمة الكاملة، قال العصيمي «أكاد أجزم أن هذا الأمر سيصبح واقعا خلال وقت قريب، وأنا هنا لا أتكلم عن البنوك فقط بل عن جميع المؤسسات المالية».

كما أوضح أنه يبني رؤيته على عدة مرتكزات أهمها نمو الطلب على المنتجات الإسلامية، والذي لا بد أن يواكبه تطور ونمو مماثل في تقديمها، إضافة إلى ثقة أرباب الأموال بهذه المنتجات نظرا لمعقولية مخاطرها مقارنة بأرباحها، مؤكدا أن السبب الأكثر أهمية هو أن قناعة البنوك العالمية بالمصرفية الإسلامية ومزاحمتها في هذا المجال، أجبر البنوك المحلية على تبني نفس النموذج، حتى ولو كان بعض هؤلاء غير مقتنع به.

أمر واقع

وكشف العصيمي في حديثه لـ«الأسواق نت» عن معلومات تفيد بتوجه جاد لدى الحكومة، لجعل توافق جميع المؤسسات المالية مع الشريعة أم واقع، بما في ذلك المصارف وشركات التأمين وحتى البنك المركزي «مؤسسة النقد»، مضيفًا: «أن هذا النظام على وشك الصدور».

وتابع العصيمي، واصفا هذا التوجه نحو أسلمة المؤسسات المالية في السعودية، أنه الشيء الطبيعي والمنتظر من المملكة لدى عموم مسلمي العالم، نظرا لمكانة بلاد الحرمين ودورها، وهذا ما قد يفسر إقبال البنوك العالمية على افتتاح فروع لها في المملكة، بقصد أن تكون مجازة من بلاد الحرمين أولا، إضافة لسعيها نحو استثمار السيولة العالية.

ونبه الفقيه الاقتصادي بأن مسألة تصدر السعودية لعالم المصرفية الإسلامية في ظل هذه التوقعات والخطوات، تحتاج لبحث مستفيض نظرا لقلة عدد البنوك العاملة في المملكة أصلا، أما إذا كان الحديث عن المؤسسات المالية عامة فإن السعودية يمكن أن تكون إحدى أهم أسواق المصرفية الإسلامية العالمية، شرط وجود بيئة شفافة وقوية إلى جانب نظام قضائي متطور، مع ضرورة الابتعاد عن البيروقراطية لتوفير المرونة الكافية.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات