سودان ما بعد الانقسام.. لم يربح أحد

الجزيرة الإنجليزية – التقرير

كاجو كيجي، جنوب السودان- بوجوههم وملابسهم المغبرة بعد رحلة طويلة وشاقة بالحافلة، نحن في استقبال العشرات من المتمردين الجياع والمُتعبين في مخيم بالقرب من الحدود بين جنوب السودان وأوغندا.

يحملون بنادق قاتلة من طراز “AK-47″، مناجل، قاذفات القنابل اليدوية، وحتى الأقواس والسهام، فالمتمردين، الذين تم إحضارهم كتعزيزات عسكرية، ليس لديهم وقت للراحة، وعليهم الاستعداد للخطوط الأمامية سريعًا.

قادتهم غير مرتاحين لقرب القوات الحكومية، التي لا تبعد سوى 15 كيلومترًا.

هؤلاء المتمردون ينتمون إلى جماعة الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي الجماعة المتمردة الرئيسية في البلاد، والتي تقاتل ضد الجنود الحكوميين المعروفين أيضًا باسم الجيش الشعبي لتحرير السودان.

تاريخيًا، فالجيش الشعبي لتحرير السودان قوة تحريرية شُكِّلت في الثمانينيات؛ لمحاربة حكومة السودان. كما ساعدت على استقلال الجنوب عام 2011، لتندلع حرب أهلية بعد ذلك بوقت قصير، تحديدًا عام 2013. اندلع الصراع عندما اتهم الرئيس سلفاكير، الذي ينتمي إلى جماعة دينكا العرقية، نائبه آنذاك رياك مشار، أحد زعماء قبيلة النوير، بالتآمر ضد حكومته والانقلاب عليه.

أخيرًا تم التوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين في أوائل عام 2016، ليعود مشار إلى منصب نائب الرئيس. إلا أن هذا لم يدم. عشية احتفالات الاستقلال في يوليو الماضي، اندلع القتال مجددًا بين الموالين للاثنين المتصادمين في العاصمة جوبا؛ مما أدى إلى موجة أخرى من العنف أفضت إلى نزوح الملايين من جنوب السودان.

هذا هو وضع كاجو كيجي، وهي مقاطعة تضم أكثر من 200 ألف شخص، وفقًا لتعداد عام 2008، وعَلِقت في القتال.

فر أكثر من 100 ألف شخص من تلك المنطقة إلى أوغندا المجاورة، بجانب إقامة آخرين في مخيمات للنازحين في جنوب السودان بالقرب من الحدود.

في واحدة من هذه المخيمات التقينا جنيفر بيتا. كانت تصنع حساء الفاصوليا لتسع أطفال.

عندما يصبح الطعام جاهزًا، تُقدم لهم قدرًا ضئيلًا. أنا أعلم على وجه اليقين أنه بالكاد يكفي لجميع الأطفال، لكنها تقول إن عليهم تناول ما لديهم.

قالت لنا جينفر إن ابنها الأكبر قُتل في يناير على أيدي رجال يرتدون الزي العسكري. لم تكن قادرة على دفنه لأنها تحتم عليها أن تأخذ أطفالها وتركض هربًا.

“هذا أكثر ما يحزنني، بجانب حقيقة أنه كان يساعدني في الحصول على الطعام، والآن عليّ أن أفعل كل شيء بنفسي”.

في اليوم الذي قمنا فيه بزيارتها، كان قادة المتمردين والقادة الإداريين -الذين سيطروا على المنطقة في ديسمبر- يجتمعون مع المجتمع المحلي. تم استقبالهم بالأغاني والهتافات المُرحبة بهم. سَألت جنيفر، التي لم تشارك في الاستقبال الحافل، أيهما تدعم الحكومة أم المتمردين؟ كانت إجابتها هي ما جئت لسماعها عبر الكثير والكثير من جنوب السودان.

“المشكلة أنك تُصنفنا إلى اتجاهين مختلفين، إما أؤيد الحكومة أو المتمردين، إذا جاء الجنود الحكوميون إلى هنا سيقتلوننا لأنهم يعتقدون أننا متمردون، وسيحدث الشيء نفسه إذا أخذ المتمردون الأراضي وسيطروا على الحكومة. لا نختار من يأتي إلى مناطقنا ليتولى حياتنا، بل علينا أن نتعايش معهم، ونأمل أن يعيشوا معنا في سلام”.

يقول قادة المتمردين الذين تحدثنا إليهم إنهم يكافحون من أجل حقوق المواطنين العاديين مثل جنيفر. كما يعتقدون أن الرئيس وإدارته أبعدوا القبائل الأخرى من جنوب السودان في سبيل الدينكا، الذين يقولون إنهم يسيطرون على الدولة.

لا يبدو أن هناك فائزين في هذه الحرب. فالرئيس وحكومته يجلسان بشكل غير مريح في جوبا، ويحكمان أمة منقسمة بشدة وتواجه عنف متزايد ومجاعة مدمرة واقتصاد متداعي باستمرار، والمجتمع الدولي الذي يتضرر ويبدو كأنه دولة فاشلة.

أما الحركة الشعبية لتحرير السودان فهي ليست أفضل بكثير، حيث تواجه الحركة صراعات داخلية تؤدي إلى الانشقاقات. كما أن الجناح المُسلح أوشكت أسلحته وذخيرته أن تنفد. كذلك يشعر أعضاء الحركة بخيبة أمل متزايدة في غياب زعيمهم رياك مشار، الذي يعيش في المنفى بجنوب أفريقيا.

نترك المقاتلين المتمردين في مزاج متفائل. كانوا يستعدون للعيد، والشراب، ثم التوجه إلى الخنادق. يخبروننا أن معنوياتهم عالية والانتصار قادم.

بعد أسبوع من زيارتنا، تلقيت مكالمة من أحد القادة الإداريين، الحاكم فرانك ماتاتا. تقدمت القوات الحكومية وحاولت أن تأخذ الثكنات التي كنا فيها.

إذا حدث ذلك، فقد يعني ذلك أنباء سيئة للمدنيين الذين يعيشون في المنطقة، الذين قد يُجبرون على اللجوء إلى أوغندا بعد أن يمضوا وقتًا طويلًا في بلد لا يرغبون في مغادرته.

اقتُلع حوالي 3.5 مليون سوداني جنوبي من ديارهم. كما لا تزال أسر الآلاف الذين ماتوا ينزفون ويبحثون عن إجابات. كثير من الناس يتضورون جوعًا لأنهم لا يستطيعون الذهاب إلى مزارعهم. الأطفال لا يذهبوا إلى المدرسة.

هؤلاء هم أكبر الخاسرين في حرب جنوب السودان، هذه هي الحقيقة المُحزنة.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات