سقوط بغداد وبداية العصر الحجري في العراق

ميديل إيست مونيتور – التقرير

قبل أربعة عشر عاما على وجه التحديد، أعلنت الولايات المتحدة انتصارها بمعركة العاصمة العراقية بغداد، وبدأت احتلالا عسكريا رسميا بها. وعلى الرغم من الإطاحة بتمثال الرئيس صدام حسين في ميدان الفردوس بوسط بغداد قبل أيام قليلة من يوم التاسع من أبريل، استمر القتال في العديد من المناطق، وذلك حتى بعد إعلان النصر، كما بدأ تشكيل المقاومة العراقية ضد الاحتلال غير المشروع.

وعندما قامت الولايات المتحدة بقيادة “تحالف الراغبين” في الغزو غير القانوني للعراق في عام 2003، كانت تضع عدة أهداف في الاعتبار. وبصرف النظر عن توسيع وتعزيز وجودها وهيمنتها بالمنطقة، فقد اهتزت إدارة جورج دبليو بوش نتيجة الهجوم واسع النطاق ضد الولايات المتحدة قبل عامين من ذلك الوقت في أحداث هجمات 11 سبتمبر، وقاموا بالسعي لفرض قبضتهم على كل من سعى لمعارضتهم، كما أرادوا أن يبعثوا برسالة لجميع القادة العرب والإسلاميين الحاليين والمستقبليين، مفادها أن يتخذوا عبرة مما حدث للعراق وصدام، وإلا سترسلهم أمريكا إلى غياهب النسيان.

العصر الحجري الجديد بالعراق

فالواقع، هذا يذكرنا كثيرا بمحاولة أخرى عسكرية أمريكية فاشلة، وهي حرب فيتنام، فبعد أن قامت الولايات المتحدة بغزو وتدمير العراق وشعبه وأية فرصة يمكن أن يحظى بها للحصول على دولة مستقرة وآمنة ومدنية، واستخدمت الولايات المتحدة مظاهر القوة الصارخة لتهديد أولئك الذين لا يتبعون خطاها بشكل كامل وصريح.

وفي منتصف هزيمة حرب فيتنام، قام قائد سلاح، نشر قائد سلاح الجو الأمريكي كورتيس ليماي في سيرته الذاتية في عام 1965، أن رده على الفيتناميين الشماليين سيكون “بقصفهم مرة أخرى إلى العصر الحجري”. وعلى الرغم من أنه ادعى في وقت لاحق أنه كان يعني فقط أن الولايات المتحدة يمكنها “قصف” الفيتناميين بشدة بحيث لا يبقى شيئا من زخارف الحضارة المعاصرة، وقد تمت الإشارة إلى أنه في عام 2006، وبعد ثلاث سنوات من تدمير العراق، ولضرب مثال لما يمكن أن يحدث إذا قام أحد باعتراض أمريكا، هدد بوش بقصف باكستان وإعادتها مرة أخرى إلى العصر الحجري.

يذكر أن هذا بالضبط ما حدث للعراق من عدة نواحي. وعلى الرغم من أن الدمار الشامل الذي أصاب مدن مثل الرمادي وتكريت والفلوجة والموصل جاء على أيدي الحكام العراقيين الجدد في السنوات الأخيرة كرد فعل مفرط على تنظيم الدولة، إلا أن الولايات المتحدة أمضت أكثر من عقد من الزمان منذ عام 1991 في تدمير وتفكيك العراق بشكل منهجي، حتى أنها قامت بتسميم تربتها الفريدة والغنية والخصبة بالأسلحة المشعة.

وعلى سبيل المثال، فمن الحقائق الراسخة أن الولايات المتحدة قامت بسحق الفلوجة في عام 2004 واستخدمت الذخائر الفسفورية بشكل غير قانوني، والتي تسببت حرفيا في إحراق الناس. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والدمى الجديدة التابعة لها في بغداد، والتي كان يسحب سلاسلها كل من واشنطن وطهران، كانوا يستشهدون بالقاعدة كحجة لتدمير الفلوجة وإخلائها،  إلا أنهم تجاهلوا ذكر أن القوات الأمريكية أطلقت النار بشكل عشوائي على الحشود المحتجة على الاحتلال الأمريكي وذلك في عدة مناسبات، وذلك وفقا لما قامت منظمة هيومن رايتس ووتش بتوثيقه في عام 2003. وفي حين كان العراق نموذجا للمتابعة الدولية، فتدمير الفلوجة كان للاستهلاك المحلي، والمقاومة غير مجدية.

وخلال عملية “عاصفة الصحراء” عام 1991 لطرد القوات العراقية من احتلالها للكويت المجاورة، قام التحالف بقيادة الرئيس جورج بوش الأب باستخدام ذخائر اليورانيوم المنضب على نطاق واسع وذلك لاختراق الدروع والمدرعات العراقية السوفيتية الصنع والتي عفا عليها الزمن فعليا. واستمر استخدام اليورانيوم المنضب طول الحرب وفي غزو عام 2003، وكانت الآثار الإشعاعية شديدة لدرجة التسبب في عيوب خلقية للمواليد في العراق والتي قد أصبحت أٍسوأ من تلك التي أعقبت القصف النووي لليابان في عام 1945.

وبجانب الخراب الذي أًصاب بنيتها التحتية، ولد أطفالها بعيوب تسببت إلى حد كبير في ضعف بطبيعة حياتهم وتقليص أعمارهم، كما أن الفئة العراقية المثقفة والرائدة بالمنطقة دمرتها الاغتيالات المستهدفة من قبل المليشيات المدعومة من إيران، مما تسبب في هجرة الأشخاص شديدي الذكاء من البلاد وأصبح من السهل بما يكفي الجدال حول دخول العراق في عصر حجري جديد. والبلاد الآن يدمرها العنف، وأصبحت بغداد حاليا قشرة من مجدها السابق، وذلك بجانب عيش شعبها الأبي في مياه المجاري بسبب البيئة السياسية الفاسدة التي من شأنها أن تخطط لأرباح القادة السياسيين والعسكريين الأقوياء من الذهب بدلا من اهتمامهم بالبنية الأساسية للرصف الصحي الخاص بها.

هل انتهى الأمر تماما بالنسبة للعراق؟

يذكر أن “تحالف الراغبين” لم يكن أكثر من مجرد مجموعة من القوى الغربية المتمسكة إلى حد كبير بذيل أمريكا، وتسويتهم المعنوية مع المستضعفين العرب والمسلمين بالمنطقة، شاركوا في حرب العدوان المطلق بسبب الادعاءات المزيفة والمفبركة فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل. والقوات التي عصفت العراق ككل، وليس فقد النظام البعثي البائس، كانت بالتأكيد “مستعدة” لخرق القانون الدولي في غزوها غير الشرعي، ولكن لم تكن على استعداد لتنظيم ما تسببت فيه من فوضى. ولم تجلب لهم تلك الفوضى الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان تحت ظل “الديمقراطية” الجديدة في العراق فحسب، ولكنها تسببت أيضا في تهيئة الظروف لمجموعات مثل تنظيم الدولة والجهاديين الشيعة المدعومين من قبل إيران لكي يتوحشوا.

ومع إعلان الأكراد العراقيين أنهم سيجرون استفتاء على الاستقلال غير ملزم في وقت لاحق من هذا العام، وزيادة الدعوات المطالبة بإقامة منطقة اتحادية سنية يهيمن عليها العرب، وفقا للدستور، فهل سيتم تفكيك العراق في النهاية إلى ثلاثة مناطق منفصلة، للأكراد السنة والعرب السنة والعرب الشيعة؟ في حين لا يزال هناك الكثير من العراقيين لا يريدون ذلك.

جدير بالذكر أن بعض العرب السنة قد يؤيدون إنشاء منطقة اتحادية سنية ليس لأنهم انفصاليون، ولكن لأن النظام السياسي الذي قامت الولايات المتحدة بتنصيبه وإيران برعايته والمستبعد من المنطقة الخضراء في بغداد قد اتركب انتهاكات ضدهم على مدار ما يقرب من عقد ونصف. ولقد تعرض العرب السنة للتهميش السياسي والتعذيب في السجون السرية والرسمية متهمين إياهم بأنهم إرهابيون أو في أحسن الأحوال يتم اتهاماهم بالتعاطف مع الإرهاب، وقد عانوا بشكل عام من هجمات مفجعة شكلت تهديدا وجوديا على استمرارهم كمجموعة عرقية دينية مستقلة تسعى للحصول على السلام والأمان والرخاء الذي يرغب فيه جميع البشر.

وإذا أوقفت الأحزاب الموالية لإيران والمسيطرة على العراق اضطهادها الطائفي للسنة، وبذلت جهودا حقيقية لمد يد الوحدة الوطنية للعرب السنة وتكافؤ الفرص للجميع، فهل هناك شك في أنهم سيفضلون عراق موحد على آخر ممزق؟ بالطبع لا. وإلى أن يتم السيطرة على التدخل الأجنبي الذي بدأ بالولايات المتحدة واستولى عليه الإيرانيون من المشهد السياسي العراقي، للأسف لا يسعنا إلا أن نتوقع استمرار العراق في التدهور وحصاره داخل العصر الحجري الذي فرض عليه منذ عام 2003.

يذكر أن بغداد كانت في وقت ما مركزا للمتطلعين على العلم والمثقفين والمتحضرين في جميع انحاء العالم، ويمكنها أن تعود إلى عهدها هذا مرة أخرى إذا تم تركها تحت رعاية شعبها الذي يمتلك الأصل الحضاري الذي لا مثيل له في تاريخ البشرية. ولا يمكن لأي قدر من الدمار الأمريكي أو الإمبريالية الإيرانية أن يغير ذلك.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات