سقوط أول قتيل في رحلة البحث عن عمل في تونس

ميدل إيست آي – التقرير

تلاميذ يرمون الألعاب النارية ويلعبون أمام المدرسة الثانوية في المدينة، فيما يحزم السكان المحليون مشترياتهم المحلات التجارية استعدادًا لشهر رمضان. أما الرجال، فيحتشدون على المقاهي مقر التجمع في الصباح الباكر.

لكن وراء هذه الصورة من الحياة اليومية تقبع ندوب الاحتجاج في تطاوين. قبل أيام فقط، في الثالث والعشرين من مايو، أُحرقت إطارات السيارات المتناثرة في الشوارع، والتي لا تزال علاماتها الحارقة مرئية، وما زالت معسكرات الاحتجاج المحيطة بمصفاة النفط المحلية قائمة، لم يغادرها سوى سكانها الآن.

أسفر يومان من المواجهات بين المتظاهرين والشرطة عن مقتل رجل واحد، وسقوط عشرات الجرحى. في تطاوين، رغم أن الحياة على ما يبدو عادت إلى وضعها الطبيعي، ما زالت المعارضة والإحباط فقاعة تحت السطح، وما زالت التوترات الأصلية وراء الصراع باقية.

tunisia 1

مقر رئاسة المحافظة فارغ عمليًا، حيث استقال المحافظ الأسبوع الماضي، بعد شهرين فقط من منصبه. ينتشر عدد قليل من الجنود أمام المباني الرسمية، لكن لا توجد شرطة بزيي رسمي مرئية.

منذ تظاهرات يوم الاثنين الماضي، التي أسفرت عن مقتل واحد وإصابة العشرات، حاولت تطاوين استعادة الهدوء، رغم التوترات الواضحة منذ جنازة محمد أنور السكرافي البالغ من العمر 23 عامًا.

يوم من العنف

“تطاوين تنادي أبنائها، متى ستأتون إلينا؟” هكذا كتب السكرافي، آخر مرة، في منشور عبر الفيسبوك نُشر في 21 مايو. كان سيكرافي، من قرية البئر الأحمر، على بعد حوالي 20 كم من تطاوين، يحاول تشجيع سكان المدينة على ممارسة الضغط على الحكومة.

أثناء الليل، قام هو وغيره من شباب الكامور باعتصام يدعو إلى إغلاق الصمامات في موقع استخراج النفط. رغم المواجهات مع الشرطة، الذين جاءوا إلى الموقع لإعادة فتح الصمام أثناء الليل، قضى السكرافي الليل في الاعتصام مع ابن عمه مصطفى.

في الثامنة صباحًا من اليوم التالي، 22 مايو، حاول السكرافي ومحتجون آخرون التفاوض على إغلاق الصمام مرة أخرى. بحسب الشهود، أُرسلت حوالي 15 سيارة تابعة للحرس الوطني، من ثكنة أوينا في تونس، وبدأت تحيط بالمتظاهرين.

بمجرد وصول الحرس الوطني، بدأ التوتر يرتفع بين الشباب والشرطة والجيش في موقع النفط. في العاشر من مايو، أصدر الرئيس التونسي السبسي أمرًا بنشر الجيش لحماية مواقع إنتاج النفط.

في الوقت نفسه، في بلدة تطاوين المجاورة، ارتفع الغضب أيضًا، حيث توجّه عدد من المتظاهرين إلى مقر المحافظة. في حوالي التاسعة صباحًا، ومع استمرار تدهور الوضع في الكامور، أصيب الزجاج الأمامي لسيارة منصف خبير، بقنبلة غاز مسيل للدموع، أثناء قيادته باتجاه مبنى المحافظة.

tunisia 2

كان شقيقه أحد المتظاهرين في الكامور، وواصل مراسلته بالمستجدات بانتظام. في حوالي العاشرة صباحًا، أصيب مصطفى السكرافي، ابن عم محمد، بالحجارة التي ألقتها سيارة الشرطة في الكامور. نُقل مصطفى إلى المستشفى في تطاوين، وأثناء وجوده في سيارة الإسعاف، عَلِم أن ابن عمه محمد أنور مات.

“أضعته بين حشود جماهير المتظاهرين في الصباح” كما يقول مصطفى، متحدثًا من البئر الأحمر.

في الوقت نفسه، عندما وصلت الأنباء إلى خبير أن متظاهرًا مات، في 11.30 صباحًا، رأى متظاهرًا آخر، عبد الله، 39 عامًا، يقع أمام عينيه أمام مبنى محافظة تطاوين.

أصيب عبد الله في العين بقنبلة غاز مسيل للدموع. نقله الخبير، وهو لا يزال فاقد الوعي، إلى مستشفى تطاوين، قبل أن يُنقل إلى مستشفى جامعة صفاقس.

Mourners carry a coffin with the body of a young man hit by a police vehicle on Monday during protests over jobs in Tatouine, Tunisia May 23, 2017. REUTERS/Zoubeir Souissi

في كامور، أصيب متظاهر أخرى، خليفة بوحوش، 28 عامًا، بجروح في ساقه. عند الظهيرة، انتشر خبر وفاة محمد أنور حول الكامور.

قرر البعض مواصلة المظاهرات في تطاوين، في حين طلب الجيش من الشرطة الانسحاب من المنطقة العسكرية، وعدم إطلاق النار على المتظاهرين.

تواصلت الاشتباكات في تطاوين، ومُنع المتظاهرون من دخول مبنى المحافظة. على أية حال، كان المحافظ في العاصمة تونس.

يقول خبير: “في حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، بدأ الوضع في التهدئة. ذهب بعض المتظاهرين إلى المستشفى الإقليمي لتلقي العلاج من الأضرار الناجمة عن الغاز، بينما عاد آخرون إلى منازلهم”.

ينفي خبير الأنباء القائلة إن المتظاهرين كانوا المسؤولين عن حرق مركز الشرطة ومكتب الحرس الوطني، الواقع بالقرب من مبنى المحافظة. مؤكدًا أن هذا لم يكن عمل المتظاهرين.

يقول: “رأينا سيارات متوقفة هناك بدون لوحات ترخيص، في حين يبدو أن آخرين مسجلين في ليبيا، ولم يكونوا من تطاوين”.

في الوقت نفسه، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية مقتل أنور في “حادث” تصادم مع سيارة شرطة. أصيب المواطنون في جنوب تونس بصدمة قلب الأحداث، وبدأوا التجهيز لجنازته.

يقول الناشط المصاب بوحوش، بينما كان مستلقيًا على سريره فيما تقبع نصف ساقه في الجبس: “كنا ملتزمين بالمظاهرات التي ظلت سلمية منذ البداية، حتى عندما عرفنا بشأن وفاة محمد أنور، لم نتجاوب مع العنف”.

شرور البطالة وحلم النفط

في خضم التوتر، بدأت العديد من الروايات المتضاربة في التداول، بأن عدة وفيات حدثت، وأن العنف كان يجري التلاعب به، وأن الميليشيات الغامضة كانت تفرض حصارًا على المدينة.

لكن نقطة الاتفاق الوحيد الذي اجتمع عليه الجميع في المنطقة أن البطالة كانت منذ فترة طويلة مصدر قلق بالغ بالنسبة لهم.

يقول يوسف زرقي، الناشط البالغ من العمر 29 عامًا، والذي درس الأدب الإنجليزي والحضارة، وعاطل عن العمل خلال السنوات السبع الماضية: “في تطاوين، وُلدنا جميعًا بدون وظيفة”.

يوضح زورقي، وهو من سكان البئر الأحمر، أنه أطلق صفحة على الفيسبوك عام 2013، باسم صوت البئر الأحمر؛ من أجل “مناقشة كل ما يحدث، بدءًا من الأحداث الثقافية وحتى الحركات الاحتجاجية”.

كانت صابرين وافي، التي ترأس منظمة نسائية محلية، تدعم أيضًا نشطاء الكامور.

“في البداية لم يكونوا يريدونني هنا لأنهم كانوا خائفين من وصف جمعية. لكن بعد ذلك، كما رأوا أنني كنت هناك للمساعدة، سمحوا لي بحضور الاعتصام. الأغلبية العظمى منهم كانوا يطلبون العمل فقط” كما توضح بصوت مكسور.

تقول: “هؤلاء الشباب يمثلون جيلًا ضجر من الاضطرار إلى طلب المال من والديهم؛ للحصول على السجائر أو الذهاب إلى مقهى”.

burning tunisia

وفقًا للأرقام التي قدمتها المحافظة المحلية، يوجد حوالي 12 ألف شاب عاطل عن العمل بين السكان البالغ عددهم 150 ألف نسمة.

يبلغ عدد الخريجين العاطلين عن العمل 9644 خريج، وفقًا لاتحاد الشباب العاطلين عن العمل، في حين تقول رابطة غير المؤهلين والعاطلين عن العمل، إن عدد الشباب العاطلين الذين لم يُكملوا شهادة الثانوية العامة يصل إلى 7 آلاف.

في المحافظة، أصر مندوبو المنطقة، الذين لم يرغبوا في الإفصاح عن هوياتهم، على أن بطالة الشباب أصبحت مرض المدينة الرئيسي منذ الثورة.

يعتبر معدل البطالة – 58% بين الخريجين و27% بين الشباب – من أعلى المعدلات في البلاد.

bir ahmar

يقول أحد الشباب: “هناك من سافروا إلى الخارج، وأولئك الذين بقوا هنا كان معظمهم بدون عمل”.

لم يتمكن محمد أنور، الذي درس الرسم والتصميم الداخلي، ولا خليفة، الذي درس العلوم الإسلامية والحضارة، ولا يوسف، من العثور على عمل بعد إتمام دراستهم.

مصطفى السكرافي، ابن عم أنور، عاطل أيضًا عن العمل، ويقسم وقته بين منزله والمقهى. كان يقضي أيامه على الإنترنت متصفحًا الفيسبوك أو مشاهدة كرة القدم، ويعيش على مصروف 400 دينار فقط (164 دولار) شهريًا من عائلته.

بعد بضعة مظاهرات أولية في أبريل، انضم مصطفى السكرافي إلى اعتصام كامور، ووجد إحساسًا جديدًا بالأمل كجزء من هذا المجتمع الناشط.

يضيف: “هناك اعتقدت حقًا أننا سنحصل على ما طلبناه وأننا سنُسمع”.

هناك الكثير منهم لا يتذكرون متى بدأ الاعتصام ولا لماذا. ربط بعض الأشخاص الاعتصامات بزيادة عدد حالات التعيينات في شركات النفط، والإحساس العام بالسخط في قرى وأحياء تطاوين.

Locals stage a sit-in outside el-Kamour petroleum pumping station in Tunisia's southern state of Tatatouine on May 16, 2017. Since April 23, 2017, hundreds of protesters have blocked traffic on the road leading to the oilfields in Tataouine and erected tents at a sit-in outside el-Kamour, demanding the allocation of 70 percent of jobs in the petroleum sector for residents of the state and 20 percent of the petroleum income. / AFP PHOTO / FATHI NASRI

بالنسبة لخبير، فمطالب الشباب أكثر تعقيدًا وترتبط بـ “إقليمية مشروعة إلى حد ما”.

يضيف: “يُدرك الشباب أيضًا أن هذه الشركات لا تملك القدرة على توظيف الكثير من الأشخاص، الذين يتراوح عددهم بين 400 و500 موظف، إلّا أن المتعاقدين من الباطن لديهم إمكانات عمل أكبر، لكن ليس هناك الكثير من الناس من تطاوين يعملون هناك”.

يقول مصدر من المحافظة: “هناك مشكلة حقيقية، لأن لدينا ميزانية تنموية تقدر بحوالي 60 مليون دينار، لكنها لا تُترجم إلى فوائد مباشرة للبيئة المحلية”.

يضيف: “الشيء الإيجابي الوحيد الذي حصلنا عليه العام الماضي، هو مِنح القروض الصغيرة التي خلقت 500 وظيفة، لكنه رقم صغير جدًا، بالمقارنة مع الآلاف من العاطلين عن العمل”.

في محاولة لمعالجة هذا الوضع، سيطر الشباب مؤقتًا على مِرفق الذهب الأسود الثمين؛ على أمل سماع أصواتهم في تونس.

يقول خبير، الذي كان ينتظر إجراء مفاوضات مع الحكومة ووزارة العمل والتدريب المهني: “لم نر قط شيئًا من أموال المسؤولية الاجتماعية التي تملكها الشركات الأجنبية”.

فيما يقول بوحوش: “رسالتنا هي أننا نريد مساعدة البلاد. هدفنا من الاحتجاج ليس كسر البلاد؛ لهذا السبب نظمنا منذ البداية، في لجان صغيرة، اعتصامات ونريد حقًا التفاوض وإيجاد حل”.

على مدى السنوات القليلة الماضية، حققت شركات النفط الأربع التي استقرت في المنطقة، ومقاوليها من الباطن، أحلام العديد من سكان تطاوين.

يقول أحد المسؤولين في المحافظة: “يرى الشباب أن العامل البسيط يمكن أن يجني حوالي 1200 دينار في شركات النفط، ويكسب أربعة أضعاف الحد الأدنى القانوني للأجر التونسي، وهو حوالي 300 دينار”.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات