دور الدول الغربية في مد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

الإندبندنت – التقرير

منذ 50 عامًا، وفي اليوم الأول من حرب الستة أيام، زار شلومو غازيت، رئيس قسم تقييم الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، قيادة القوات الجوية، واطلع على التقارير المذهلة بتدميرهم للقوات الجوية المصرية. بعدها بعقد من الزمن، أكد أنه في نفس اليوم شعر بالذعر بسبب الأخبار التي وصلته عن اختفاء ابن أخيه ذي الـ 23 عامًا مع عدد من الطيارين الإسرائيلين.

رغم ذلك، إلا أنه تمكن من وضع مخطط واضح لمستقبل الأراضي التي استولت عليها إسرائيل من القوات المصرية والأردنية والسورية.

أكد غازيت أنه اقترح ألا تهين إسرائيل أعدائها، وأن يتم إنشاء دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. أما المدينة المقدسة التي وقعت في أيدي إسرائيل، بعد أن كانت تحت سيطرة الأردن منذ 1949، فاقترح أن تصبح مدينة مفتوحة مع وضع دولي يشبه الفاتيكان.

أرسل غازيت مذكرته واقتراحاته لكل الشخصيات الإسرائيلية الهامة، ومن بينهم رئيس الوزراء ليفي أشكول، لكن لم يرد أحد. كانت الحكومة حريصة على تجنب الانقسام بين من يريدون المستقبل، مثلما أراده “غازيت”، وبين من أرادوا الحفاظ على الأراضي التي وقعت تحت السيطرة الإسرائيلية بعد الحرب.

لكن تمكنت المجموعة الأخيرة من ملىء الفراغ السياسي الذي خلفه التردد. يعيش اليوم حوالي 600 ألف مستوطن يهودي في 140 مستوطنة في القدس الشرقية المحتلة والضفة الغربية، التي صودرت مساحات كبيرة من أراضيها ومواردها المائية؛ لتفسح المجال أمام المستوطنات.

بدأت عملية الاستيطان حينها، برغم المشورة القانونية التي قدمها ثيودور ميرون، محامي وزارة الخارجية حينذاك، والذي رأى أن الاستعمار للأراضي المحتلة يعتبر انتهاكًا للقانون الدولي. لا تزال وجهة النظر تلك موجودة حتى الآن لدى معظم الحكومات الغربية، ومن بينها بريطانيا.

هذه النسخة المختصرة من جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هي تذكير أن هناك الكثير من الإسرائيلين يرفضون الاحتلال، ويرون أنه مسار خاطىء.

بعد 50 عامًا من الحرب، احتُجز الفلسطينيون في متاهة من نقاط التفتيش والمناطق العسكرية، وحُرِموا من حقوقهم المدنية والسياسية تحت حكم عسكري إسرائيلي. يأتي ذلك بعد حوالي ثلاثة عقود من موافقة ياسر عرفات على إنهاء الصراع في مقابل إنشاء دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

من السهل أن ندين إسرائيل على فشلها في إنهاء الاحتلال، و بلا خجل ستحتفل الحكومة الإسرائيلية اليمنية بما ترى أنه تحرير للضفة الغربية، بعد بناءها المستوطنات. لم يظهر أي اهتمام بحل الدولتين، والذي اقترحه غازيت منذ نصف قرن، ودعا إليه المجتمع الدولي.

لكن الشعوب الغربية التي تحتشد ضد إسرائيل بسبب فشلها في إنهاء الصراع، تعاملت بـ”مرونة” تجاه حكوماتهم، التي تجاهلت اتخاذ أي خطوات نحو إجبار الطرفين على قبول حل الدولتين.

في كتابه “اللغة الوحيدة التي يفهمونها”، عبّر الكاتب نيثان ثرال عن الأمر الواضح طوال كثير من السنوات، وهو أن الأمل سيظل منعدمًا حتى يتم إجبار الطرفين على القبول بحل الدولتين. بالطبع ينطبق “الإجبار” على الطرف الإسرائيلي الأقوى والذي يرغب في استمرار الوضع كما هو عليه.

في الوقت الذي تقدم فيه أمريكا ما يقرب من 2.3 مليار دولار سنويًا كمساعدة عسكرية، وينفذ الاتحاد الأوروبي اتفاقيات تجارية تستثني فقط بعض المستوطنات من أحكامها، يعتقد بنيامين نتنياهو أنه يمكنه الحفاظ على الاحتلال بدون عقاب، سواء يريد ترامب تحقيق اتفاقية الدولتين بين إسرائيل وفلسطين، فلن يحقق ذلك إلا بوضع ضغوط على نتنياهو وهو ما يرفضه.

يري ثرال أنه من غير المنطقى موافقة إسرائيل على الاتفاق مع فلسطين، وتحمل تكلفة ذلك إلا بوجود بديل أكثر سوءًا – خوفًا من ردود الافعال والاضطرابات الداخلة من سحب المستوطنات -، لكن يبدو أن ثرال يبالغ في التكلفة التي ستدفعها إسرائيل مقابل المكاسب التي ستجنيها، ومن أبرزها عوده العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية الكاملة مع العالم العربي، وإنهاء صورة إسرائيل كدولة فصل عنصري.

يعتقد ثرال أن حل الدولتين لن يتم حتى تضع أمريكا والدول الأوروبية ضغطًا على إسرائيل. كما يشير إلى أن فرض عقوبات على البنوك وشركات البناء والاتصالات، التي تستفيد من المشاريع مع المستوطنات، سيكون له أثر سلبي وسيمثل ضغطًا قويًا.

سواء قام ترامب بأي تحرك للضغط على إسرائيل أم لا، فلا يجب على الفلسطينيين والإسرائيليين فقط التفكير في أثار أطول احتلال في التاريخ الحديث. حان الوقت للقوى الغربية لمعرفة دورهم في إطالة أمد الصراع، والذي لن ينتهي أبدًا من تلقاء نفسه.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات