دلالات “الأنف” عند “غوغول” وشعوب العالم

سلمى هشام فتحي – التقرير

تختلف دلالات الأشياء من ثقافة إلى أخرى، كما تتباين العادات والتقاليد، ويتضح ذلك مثلا من حادثة ضرب الصحفي العراقي منتظر الزيدي للرئيس الأمريكي الأسبق “جورج بوش الابن” بالحذاء عام 2008، والتي أفردت لها الصحافة الأجنبية الصفحات في محاولة للتوصل إلى مدلول الحذاء في الثقافة العربية.

لذا فقد حاولت البحث عن مدلول “الأنف” وربط معانيه المتشابهة في أكثر من ثقافة في محاولة لتفسير سبب شعبية رواية “الأنف” (1836) لـ”غوغول”، وتناولها من خلال النقد وفي أكثر من فيلم بطرق وأساليب ورؤى مختلفة.

يقول الكاتب الروسي “نيقولاي غوغول” في روايته:

  • روسيا بلد مليء بالغرائب

لذلك ربما لا نشعر بالغرابة حين نرى أنفًا يتجول في شوارع مدينة “بطرسبرج” وهو يرتدي البزة العسكرية الكاملة لمستشار دولة! إذ فقد بطل الرواية الرائد “كوفاليف” أنفه التي تعبر عن مكانته الاجتماعية وغطرسته وسطحيته، وكلها من السمات المميزة للحياة البيروقراطية في روسيا القيصرية.

لكن السؤال الأهم هنا هو لماذا اختار “غوغول” الأنف؟

1

يبدو الأنف رمزًا عالميًا على الغرور والغطرسة، وهو يعبر في أفضل الأحوال عن “الأنفة”، أي العزة والكبرياء، واللتان يفصلهما خيط رفيع عن الغرور، وكذلك إذا قلنا “يأنف المرء شيئًا” أي يعافه ويكرهه ويتنزه عنه. إذن فالأنف في العربية لها دلالات مشابهة لتلك الدلالات التي أرادها “غوغول” في روايته المكتوبة بالروسية.

وقد أورد فيديو لبرنامج “رشفات” على قناة “روسيا اليوم” الناطقة بالعربية بيتًا طريفًا من الهجاء لابن الرومي يقول فيه:

لك أنفٌ يابن حربٍ…أنِفت منه الأنوف

أنت في القُدسِ تصلي…وهو في البيت يطوف

 

وهكذا تبدو لنا مكانة الأنف لدى العرب فبلادنا تمتليء بالغرائب أيضًا مثلها مثل روسيا.

وتحوي العربية مدلولا آخر للأنف فحين نقول “يحشر أنفه فيما لا يعنيه” نعني بذلك الفضول، وهو ما يقابله بالإنجليزية صفة nosy، أي فضولي.

إن الرواية التي يفقد فيها الرائد أنفه ثم يذهب للإبلاغ عن فقدها في مركز الشرطة ويضع إعلانًا بالجرائد في محاولة يائسة للبحث عنها تبدو أقرب للخيال، وتنحى الرواية إلى مزيد من العبث حين يعثر “كوفاليف” على أنفه، ويحاول لصقه بأي شكل ممكن، لكن “غوغول” يكسر إيهامنا بتلك الأحداث غير الطبيعية، فيقول في نهاية الرواية وكأنه يعلّق على أحداثها:

  • والآن فقط، بعد تفكير عميق، نرى بأن الكثير من هذه الأحداث في قصتنا مغرق في الخيال ولا أساس له من واقع الحال.

2

وهنا نجد إختلافًا بين “أنف” “غوغول” و”المسخ” لـ”كافكا”، واللتان يضعهما البعض في جعبة “أدب التحول والمسوخ”، فالأخيرة لم تنته بكسر ذلك الإيهام وإنما ظل “غريغور سامسا” حشرة إلى النهاية. أما الاختلاف الآخر، والذي يميز الكتاب الروس الأوائل وأولهم “غوغول” بالطبع، فهو ذلك النَفس الساخر الذي يختلف عن سوداوية “كافكا”، ونجده أيضًا في مسرحية “المفتش العام” (1836) لـ”غوغول” وقصص “أنطون تشيخوف” وغيرهما.

ويؤكد المترجم المصري “أبو بكر يوسف” أن “غوغول” (1809-1852) كان في طليعة من كتبوا “الواقعية السحرية” و”الواقعية الخيالية” قبل أن يطرق أبوابها كتاب أمريكا اللاتينية بنحو 100 عام، وترجم له الرواية القصيرة “المعطف”، كما عكف على ترجمة العديد من القصص القصيرة لـ”أنطون تشيخوف”.

أما رواية “الأنف” التي بين أيدينا فترجمها الروائي العراقي غائب طعمة فرمان، المتوفي في موسكو عام 1990، والمترجم البحريني د.محمد الخزاعي، والذي صدرت ترجمته لـ”الأنف والمعطف” عن وزارة الثقافة البحرينية عام 2013.

واقتبس رواية “الأنف” العديد من صناع الأفلام مثل المخرج الروسي “رولان بيكوف” الذي أخرج فيلم “الأنف” عام 1977 وهو إنتاج ضخم، ويبدو ألطف الأفلام التي خرجت من عباءة “الأنف”، الذي أخرجه الأمريكي “مردخاي جرستاين” ومزج فيه بين الممثلين والرسوم المتحركة، بيد أن الفيلم الذي أنتج عن نفس الرواية عام 1963 وأخرجه الروسي “ألكسندر ألكسييف” والأمريكية “كلير باركر” بدت تقنيات الرسوم المتحركة به – في رأيي – سوداوية إلى حد كبير، ولا تتفق مع الروح المرحة والساخرة لرواية “الأنف”.

3

وكما حاولنا التوصل إلى مفهوم الأنف في الثقافات المختلفة اقترح البعض تفسير ذلك العضو المهم في جسم الإنسان تفسيرات جنسية أو دينية، فأي تلك الرؤى الأقرب إلى تفسيرك؟، قبل أن تجيب عن السؤال أقرأ الرواية التي ترجمها د. الخزاعي فيما لا يزيد على 50 صفحة.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات