خالد.. ونحن لا نمسك إلا الأسماء

تذكرت بيت الشعر الذي استوحى منه إمبرتو إيكو عنوان روايته (اسم الوردة) (كانت الوردة اسمًا،، ونحن لا نمسك إلا الأسماء…) وإن كان مقصد إيكو من هذا البيت معاني دلالية وانفتاح تأويلي يطيل في شرحه فيما بعد لكن البيت بمعناه البسيط الذي يشرح طريقة تعاطينا مع الأسماء، أحيانًا حتى مع تلك الأسماء التي نؤمن بها كجزء من التزامنا رافقني وأنا ابحث عن سيرة خالد النزهة نحن لا نملك إلا الاسم، والأسى الحقيقي هنا أن حتى أغلب المطلعين على تاريخ الحركة العمالية أو تضحيات الأحزاب اليسارية الشيوعية لا يعرف إلا الاسم خالد النزهة اعتقل عام 1983 م ومات تحت التعذيب وتنتهي الحكاية وأُعيد إحياء اسم خالد وهنا مرة أخرى الاسم فقط عام 2011 م عندما أهدى إسحاق الشيخ يعقوب كتابه (المساءلة) لروح النزهة.

وكسرًا للعادة السردية عند الحديث عن أي يساري في الستينات أو السبعينات التي تكون بصيغة وقد تأثر فلان… بالحركات اليسارية والمشاعر القومية التي اجتاحت المنطقة نتيجة تداعيات دولية، في محاولة لتفسير ما حدث من حراك بأنه مجرد تأثر عاطفي وانجراف بلا وعي مجرد تيار يواكب موضة جارفة ويردد شعارات روح عصر وأراد ركوب موجتها.

وحتى لا أستمر على هذا الخطّ غير المنصف بحقّ النزهة، وذكره كاسم مختصر مُفرغ من ما وراء هذا الاسم من فكر وأعمال، أضع هنا شيء عن النزهة وعرض لمقالاته لإظهار من أجل ماذا كان يقاتل النزهة ولماذا اعتقل!

الاسم هو خالد محمد عبدالكريم النزهة من مواليد حائل نشأ في مدينة الدمام. تخرج من جامعة البترول والمعادن بشهادة البكالوريوس هندسة كيميائية عام 1979 م، عُرف أتناء فترة الجامعة باهتماماته السياسية والثقافية والأدبية ومساهمته في النشاطات الطلابية. ومن خلال تلك النشاطات بدأ يخف لديه الاهتمام الأدبي في مقابل ازدياد التوجه السياسي. التحق النزهة باتحاد الشباب الديمقراطي في سنوات دراسته الأخيرة وبعدها أصبح عضو في الحزب الشيوعي في السعودية.

 بعد التخرج عمل مهندس بالمؤسسة العامة للبترول والمعادن “بترومين” تم اعتقاله بعد عودته من فترة تدريب قضاها في أمريكا ومات عن عمر 28 عاما فقط تحت التعذيب.

هذا ما خلف الاسم ولكن ما خلف التضييق والاعتقال لم يكن بسبب معارضة تقليدية للسلطة، أو مجرد تأثر بأفكار ثورية قومية بل كانت تلك الشدّة في القمع ردّة فعل توازي جرأته في انتقاد أداء القطاعات الحكومية ووعيه بمجال السياسة والاقتصاد الذي يظهر في كتاباته المُغيّبة خاصة المقالات التي نشرها في مجلة نوفمبر مثل مقال (قضايا اقتصادية -السكان والنشاط الاقتصادي في بلادنا) عام 1982م يتحدث فيه عن إحصائية صدرت أواخر السبعينات عن السكان ويقدم النزهة من خلال المقال قراءة لمدلولات هذه الأرقام وأنها رد على التهويل الإعلامي عن النهضة التعليمية وتبين مستوى التعليم المتدني خاصة للمرأة.

لم تغب ثروة البلاد الكبرى عن كتاباته، فكتب حول النفط عدّة مقالات أشهرها مقال (الاحتياطي النفطي في السعودية ومستقبل الطلب على الطاقة) يتحدث فيه عن رعب الدول الامبريالية من توجه الدول المصدرة للسيطرة على ثرواتها النفطية وينتقد تناقض الأخبار عن قيمة احتياطي النفط بين تصريحات احمد زكي يماني وزير النفط وقتها وتصريحات ارامكو، كما ينتقد دور السعودية السلبي في (أوبك) وأنها تستخدم النفط استخداما سياسيا وليس تنمويا فهي تقوم في (الأوبك) بدور المخرب غير مبالية بإرادة ومصالح الدول المشاركة. ويدلل على ذلك بتصريحات زكي يماني في أحد اجتماعات (أوبك) عندما قال “إن السعودية سوف تتصرف بحكم مصالحها وليس بضغط من أعضاء (الأوبك )الآخرين”.

وكذلك ينتقد وعود الوزير يماني عام 1980 م للغرب، بان يضع مليون برميل يوميا عائما في السوق. ويستطرد النزهة بأن هذا الفائض مكن الدول الرأسمالية من تكوين مخزون استراتيجي من البترول يكفي استهلاكها لمدى طويل. كما ساهم هذا التصرف بالضغط على الدول المصدرة الأخرى في عدم رفع سعر بترولها، وإن ممارسة السياسة السعودية النفطية هذه جريمة ليس فقط بحق شعبنا ولكنها تُعيق أيضا قدرات ونضال الشعوب في مواجهة الجشع الإمبريالي.

وما يدل على شجاعة النزهة وكتابته عن دراية انه انتقد الشركة التي يعمل بها في مقال بعنوان (دور بترومين في تنفيذ السياسة النفطية) يبدأه بأنه بترومين منذ إنشائها، لم تستطع تكوين صناعة نفطية حقيقية، أو بلورة كادر سعودي مؤهل.والأسوأ انه لا يوجد خطط مستقبليه واضحة بالرغم من التطبيل الإعلامي، وفي هذا المقال ناقش النزهة عدّة نقاط منها مدى جديّة السُلطة في توطين الشركة، وتلاشي تلك الجديّة أمام حقيقة الإفساح للشركات والاحتكارات الأجنبية لنَهْب المزيد من ثروات الوطن، حيث عزّز النزهة هذه الفكرة بتسليطه الضوء على شركات صغيرة انبثقت عن شركة بترومين، يعمل بها بعض الأجانب تحت غطاء خدماتي وتقني، يكثر فيها التلاعب والمشاريع الوهمية، يتم إنشائها بعد أن تتكفّل الدولة بما يقارب ثلاثة أرباع رأسمالها، ليتمّ تقاسم الأرباح فيما بعد مناصفةً مع الشريك الأجنبي.

وكذلك للنزهة مقال ينتقد أحد أكبر الشركات السعودية (سابك )بعنوان (ملاحظات حول ما يسمى بشركة الصناعات الأساسية “سابك”) يقول فيه أن المؤسسة أنشئت عام 1974 م والهدف منها حسب ما تدعيه السلطة إنشاء صناعات بتر وكيميائية، و مصانع للحديد والصلب ولكن الواقع ما هو إلا شراكة بين شركات احتكارية أجنبية وبين (سابك)، تُناصف فيها أرباح استثمار ثروات البلاد من الصناعات الأساسية.

وينهي المقال بقوله (كان الموعد المحدد لإنتاج هذه المصانع هو عام 1980 م ثم أُجل إلى عام 1982م ثم إلى عام 1984م، فلما هذا التأجيل لتشغيل المصانع وعلى حساب من !)

آخر مقالات كتبها النزهة كانت سياسية عن سياسة الخليج بشكل عام منها مقال (التخلف السياسي في هيكل السلطة السياسي)ينتقد التركيبة السياسية في دول مجلس التعاون، وأن الفرق أصبح شاسع بين تنامي الوعي الشعبي والاتجاه الرسمي الموغل في المحافظة لحماية مصالحه.

ويعطي أمثلة على ذلك بتزوير الانتخابات البرلمانية في الكويت سنة 1967م وحل البرلمان سنة1976 لمدة أربع سنوات وبعدها عاد البرلمان مرة أخرى في سنة1980 م “بعد أن أصدرت السلطة الكثير من القوانين التي تستهدف من ورائها حريات الناس. والإمارات التي تعيش في ظل دستور مؤقت منذ 1971م مع انه وضع لمدة خمس سنوات فقط، كما أن أكثر القوانين الصادرة في الإمارات أعدت خلال الإجازة الصيفية للمجلس الوطني الاتحادي وذلك لكي تتحاشى الحكومة الدخول في إجراءات العرض والتعديل وما يرافقها. وفي السعودية مازالت تتردد التصريحات عن مشاريع نظام المقاطعات ومجلس الشورى ولم يتحقق شيء.

ومقال (السياسية الدفاعية لدول المجلس وارتباطها بالإستراتيجية الأمريكية) يسرد فيه محاولات أمريكا لإقامة تحالف عسكري بين جيوش الخليج حتى تقدم المساعدة لقوة التدخل السريع الأمريكية. وهدر المال الخليجي تحت بنود التطوير العسكري وصفقات السلاح ويتحدث النزهة بالتحديد عن صفقة الثمانينات الشهيرة(الاواكس)، وأن الإعلام المحلي يضلل الحقيقة حولها فهو يصورها أنها تقوي الجانب العربي في (مواجهته) مع الكيان الصهيوني، وأنها أسلحة ستقاد بعناصر سعودية ولكن المصادر الرسمية الأمريكية تقول العكس، فبحجة عدم وجود كادر سعودي مهيأ ستدار من الجانب الأمريكي على مدى سنوات. وحول ما قيل عن أن الاواكس قد تتمكن من التجسس على المجال الحيوي الإسرائيلي، صرح وزير الخارجية الأمريكي “هيج” انه (بالعكس- ممكن أن تستخدم الولايات المتحدة الطائرات لصالح المخابرات الإسرائيلية).

ويعلق النزهة كما يكتب دائمًا بأن هذه التبعية الاقتصادية للغرب والارتباط بالإستراتيجية العسكرية الأمريكية يجعل مجلس التعاون الخليجي أداة لتكريس التبعية للعالم الرأسمالي، وهو بذلك يصطدم مع طموحات شعوب المنطقة بالوحدة والاستقلال والتقدم.

ما سبق كان محاولة تقديم ما خلف اسم خالد النزهة رحمه الله. وهذا لا يغني عن البحث حول هذا الرجل الذي كتب واعتقل في زمن وهو يعلم انه لا إعلام ولا منظمات وربما لا احد سيعلم انه اعتقل. النزهة اسم سابق لأوانه، عزّزت مصداقيته الأحداث التي شهدتها منطقة الخليج.

النقاش — تعليق واحد

  • عبدالله ناصر مايو 17, 2017 on 7:14 ص

    ما اشبه اليوم بالبارحة؛ ما نقلته الكاتبة من مقالات كتبها النزهة قبل ثلاثون سنة واكثر وكانها كتبت اليوم، تحكي وضعا لم يتغير قيد انملة منذ تلك الفترة؛ انه اﻻستبداد وراء كل ظلم وفساد

    Reply

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات