خالد عياصرة: انسياب النفط الكردي لإسرائيل

لماذا تستغربون رضى الأكراد بتوريد ثلاثة أرباع احتياجات إسرائيل من النفط -حسب تقرير “فايننشال تايمز“-، وتاريخ العلاقات بين الجانبين ذو جذور تاريخية، عميقة؟!

العقل الجمعي للأمتين الإسلاميتين العربية والكردية مرتبط تاريخيًا بإنجازات القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، ذي الأصول الكردية، والذي كان له يد السبق في تحرير فلسطين (القدس) عام 1187م.

الأكراد، مسلمون، ينتمون إلى المذهب السني، لكنهم يقيمون علاقات مع إسرائيل منذ ستينيات القرن الماضي.

في عام 1965، زارها دافيد كمحي -يعد حسب بعض التقارير الممول الفعلي لقناة الجزيرة القطرية- أحد كبار ضباط الموساد آنذاك، بتوجيه من رئيسه المباشر رئيس الموساد في ذلك الوقت مئير عاميت الذي يعد الأب الروحي والمهندس النجيب لهذه العلاقة.

عقد كمجي عددًا من اللقاءات مع المؤسس الكردي الملا مصطفى برزاني، والد الرئيس الحالي لكردستان العراق مسعود برزاني.

عندما عاد إلى إسرائيل، أوصى بتقديم الدعم المباشر للأكراد في إطار ما أسماه (استراتجية الدائرة الثالثة) التي تؤمن بإقامة تحالفات سياسية واقتصادية وعسكرية مع الدول المجاورة للعالم العربي على المدى القصير والطويل، كهدف استراتيجي بالغ الأهمية، لا بد أن تظهر نتائجه فيما بعد.

 شكلت استراتجية الدائرة الثالثة هذه الأهمية لإسرائيل لما لها من دور في تثبيت أركانها؛ لأجل هذا باركها واعتمدها كآلية مؤسس إسرائيل ديفيد بن جوريون، معتبرًا إياها عنصرًا هامًا يصب في صميم الأمن القومي لا يمكن إسقاطه أو التغاضي عنه، ولا بد من استغلاله أيما استغلال قبل انتباه الآخرين له.

في عام 1967، وبعدما هزمت إسرائيل جيوش الأنظمة العربية، المشاركة في الحرب، جلب الملا مصطفى برزاني كبشًا سمينًا، وذبحه ابتهاجًا بهزيمة الجيوش العربية، وباحتلال الضفة الغربية، بما فيها القدس.

اليوم، يطالب الأكراد بالانفصال عن العراق باعتبارهم أمة -حق تاريخي لهم لا مجال للنقاش فيه- ظلمت تاريخيًا، على يد الدولة العراقية، لكنهم لا يعتبرون هذا الظلم، واقعًا عليهم من إيران وتركيا مثلًا، فلماذا العراق وحده دون غيره، أو لماذا هذا العداء الموجه فقط للعرب دون سواهم؟!

البعض يتوقع من المسؤولين الأكراد دعمهم لاستقرار العراق وبقاء الدولة، لكن الحقيقة غير ذلك؛ فحلمهم يرتبط عضويًا بإسرائيل، ويرونها قومية مظلومة شكلت الظروف الدولية حيزًا لها لابتداع دولة من رحم المعاناة، وكذلك الأكراد مظلمون تاريخيًا لا بد من منح هذه القومية دولة أسوة بغيرها من الدول، والنموذج الأقرب لذلك إسرائيل كقومية.

لذا؛ لا نتوقع أبدًا أن يصطف الأكراد اليوم أو غدًا في صف بقاء العراق واستقراره، فحلمهم القومي المدعوم من إسرائيل لا يقوم إلا على تفتيت الجغرافيا، وإعادة اختراعها، بما يخدم مصالحهم العليا بالدرجة الأولى، لا مصالح بقاء الدولة الواحدة، والتبعية لها.

البعض يقول: إن بلادنا العربية عقدت صلحًا وعلاقات مع إسرائيل، وهي بهذا لا تختلف كثيرًا عن الأكراد، إلى هؤلاء نقول إن الفكرة بحد ذاتها تعتمد على الخيانة أولًا وأخيرًا؛ إذ  لا فرق بين خيانة الحكام العرب وبين خيانة الحكام الأكراد.

الشعوب الإسلامية والعربية لا تعترف بهذه العلاقات، وليست مجبرة على ذلك، وهذا ما تحاول إسرائيل جاهدة منذ عقود العمل على اختراقه؛ فالأنظمة مهما طال جبروتها وتعنتها واستبدادها وتفردها، ومهما امتد دورها الوظيفي الخدمي المرتبط عضويًا ببقاء إسرائيل، فإنهم حتمًا سيرحلون، ولتبقى إسرائيل عاجلًا أم آجلًا بمواجهة الشعوب العربية لا أنظمتها، كما يقول المؤرخ البريطاني الأشهر أرﻧوﻟد ﺗوﻳﻧﺑﻲ صاحب نظرية التحدي والاستجابة.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات