حول الخطاب الديني في الفضائيات العربية

حمزه ياسين – التقرير

نتحدث في هذا المقال عن كتاب الخطاب الديني في الفضائيات العربية للباحث في الإعلام والاجتماع يحيى اليحياوي، قدم فيه شبكة ممتازة ﻷشكال الخطاب الديني القائمة، وأبرز الظواهر التي رافقت بروز هذه الخطابات ومهدت السبل لصعوده على شاشات التلفاز، بالإضافة إلى التجاذبات بين كل من الحقل الإعلامي والحقل الديني، وكيف يؤثر ويتأثر كلاهما بالآخر، ويفصِّل في أنماط التدين الجديدة التي أنتجها الخطاب الديني وعلاقتها بالخطاب الديني للدعاة الجدد.

*** *** ***

ويعتبر الباحث، أن صعود الإعلام الديني في الوطن العربي يعود لجانبين أساسيين، من جهة أولى فهو يجاري الطبيعية والتلقائية في تطور الإعلام بشكل عام، كمجموعة وسائط وخدمات ومضامين، ومن جهة أخرى فهو محاولة للاستجابة للتطورات المجتمعية باعتبارها متحركة باستمرار، ما يستوجب التجديد والتجاوب مع حاجات الأفراد والجماعات.

وبالرغم من تشبث البعض بضرور إبقاء الدين خارج دائرة الصراعات والتنابذات التي يفرزها الإعلام واستديوهات التليفزيون، إلا أن هذا الموقف انهار وتقوض بفعل عدة ظواهر كان لها أثر كبير على الموقف القائل بإبقاء الدين خارج الإعلام، ويشخص الباحث هذه الظواهر كالتالي:

  • الظاهرة الأولى: وهي ذات طبيعة تكنولوجية، وهي تشير إلى التطور التقني الذي أسس لاتساع رقعة الإعلام وأدواته وسهَّل الوصول إليها، وتجاوز حالة الندرة التي كانت تسود هذا النوع من الأدوات التقنية، بسبب اتساع فرصة الدخول إلى عالم التليفزيون بمجرد من تحصل لديه بعض المال.
  • الظاهرة الثانية: وهي مرتبطة بما يسمى في علم الاجتماع الديني بـ”عودة الأديان”، أي “انفجار البعد الروحي لدى الأفراد والجماعات”، وهو ما يمكن الاستدلال على وجوده بالعدد الهائل من الكتب والدراسات التي رصدت هذا الأمر وأسست له ونقدت بناءً عليه المقولات التي تبشر بنهاية الأديان، كما يمكن التدليل عليها بصعود أشكال مختلفة من الخطاب الديني، التقليدي والإصلاحي على حد سواء، والتي حاول التفاعل مع عدة أطياف مجتمعية.

وجاءت عودة الأديان هذه في صيغة الحاجة للدين في سياق مد الفردانية والنزعة الاستهلاكية الذي انتشر مع عاصفة العولمة.

  • الظاهرة الثالثة: بروز الحركات الإسلامية في نهاية القرن العشرين وفرض نفسها كأيدولوجيا قائمة وبديلة عن السقوط المتوالي للأيديولوجيات القومية واليسارية السابقة، وحاجة هذه الحركات لمنابر إعلامية للتعبير والدفاع عن مواقفها.
  • الظاهرة الرابعة: تأجيج النعرات المذهبية التي ازدادت عقب الحرب الأمريكية على العراق، وبالتالي بروز خطاب يعبر عن هذه النعرة ويدافع عن المكون المذهبي الذي ينتمي إليه.
  • الظاهرة الخامسة: تزايد الخطابات المعادية للإسلام والمسلمين، سواءً أكان ذلك في الغرب أم العالم العربي، وهو ما دفع بعض الفضائيات العربية لتقديم خطاب ديني يعكس صورة جديدة عن الإسلام والمسلمين.

ولكن كيف تأثر حضور الدين عبر الوسائط الإعلامية الجديدة؟، أي ما أثر هذه الوسائط على الدين والتدين، خاصة إذا ما علمنا أن الفضاء الإعلامي له شروطه ومحدداته التي تخضع لها المدخلات التي تتخذه وسيلة لها؟، على اعتبار أن الإعلام الديني يسعى لتأدية وظيفتين هما عكس تموجات الدين على أرض الواقع، أي التعبير عن مجريات الفعل الديني الذي يتمظهر في حياة الأفراد والجماعات، والتطلع إلى إعادة البناء الاجتماعي للدين، أي تشكيل المجتمع بالارتكاز على البعد الديني.

وتبرز الحاجة لمثل هذا النوع من التساؤلات للتجاذبات القائمة بين الحقلين الإعلامي والديني، فحقل الإعلام يوجه عتابه للحق الديني لعدم تمثله لإكراهات الأول، خاصة فيما يتعلق بنسب المشاهدة، ومختلف الأمور المتلقة بطبيعة العرض ومعاييره الإعلامية، أما الحقل الديني فيعاتب الإعلامي في جوانبه التسطيحية التي تؤدي إلى تجاوز التأني والتركيز والمناقشة الهادئة، كما يعاتبه على التركيز على الجوانب المتعلقة بالإثارة واختيار المواضيع بناءً على هذا الجانب.

كما تبرز جوانب جديدة لهذه التجاذبات عندما نُدرك أن البناء التليفزيوني للمادة الدينية يجب أن تخضع لمجموعة العوامل، كالوضعية النفسية للمتلقي، الطبيعة الشخصية للملقي، والظروف العامة التي تصاغ وتصمم وتقدم فيها الرسالة.

الدعاة الجدد أو علمنة التدين

أسهم انتشار القنوات الفضائية الدينية في بروز أنماط جديدة من التدين، وبالتحديد نحو ما يُطلق عليه بـ”علمنة التدين”، والمقصود بها هو “تحويل الدين من رؤية مؤسسية إلى أخرى فردانية، تتأسس فيها علاقة فردية صرفة بين الإنسان وبين المعاني الدينية، وتأخذ هذه العلاقة الفردانية شرعيةً وقبولا اجتماعيا يؤدي في النهاية إلى القطع مع المؤسسية الدينية أو الرؤية المؤسسية للدين”.

وهو ما يعني أن المتلقي للمادة الدينية تتحول طريقة تعاطيه مع الدين إلى علاقة من الاختيار والمقارنة والتفضيل بين ما هو معروض من خطابات دينية، وبالتالي فإنه يتعامل مع التدفق الديني الحاصل بنطق فرداني خاضع لمعايير استهلاك فردية خالصة.

كما تبرز علمنة التدين في حالة نقل النقاش حول الدين إلى الفضاء العام، وعدم ترك العلماء والفقهاء والمتخصصين يستفردون به شكلاً ومضموناً.

بمعنى آخر فإن علمنة التدين تعني انتقال التعاطي مع الدين من المجال الجماعي إلى المجال الفردي، هذا الأمر يقتضي تغير علاقة المشاهد مع الدين والتعامل معه بشل استهلاكي، “فيختار منه العرض الديني المناسب له من خلال مقاييسه الخاصة، بحيث يختار من الدين الحيز المريح وغير الإجباري بعيدا عن أي نظام قيمي يحمل في طياته الإجبار”.

ولعل أبرز أشكال هذا النوع من الخطاب الذي يساهم في هذه العلمنة من التدين هو خطاب الدعاة الجدد، الذي يتوافر على القابلة لمسايرة واقع المجتمع الذي تتسع فيه رقعة العولمة، فهذا الخطاب يبين أن هذا الخطاب يبين أنه لا تناقض بالمرة بين أن يمارس المرء تدينه وأن يستفيد من الآن ذاته من المتع التي يوفرها نمط الاستهلاك الجاري”.

ولا يختلف الدعاة الجدد عن سابقيهم بمضامين الخطاب فقط، وإنما في الصورة الظاهرة وأدوات الخطاب والسمات العامة لهم، فهم يختلفون مثلاً عن الدعاة الأزهريين الذين يلتزمون بالزي التقليدي وبلغة الخطاب التراثية القديمة، كما أنهم ليسوا الدعاة السلفيين الذين ينتشرون في الأحياء الشعبية بصورة لحية وثوب وخطاب مليء بالجزر والتخويف وبمعاداة مظاهر الحياة الحديثة.

فالداعية الجديد عادة ما يكون شخصا تلقى تعليمه الديني خارج المؤسسة الدينية الرسمية، ويعتمد في ثقافته الدينية على التعلم المباشر أو التثقيف الذاتي أو تلقي العلم من أحد الشيوخ في المنازل، وعادة ما يكون رجل مهني ناجح وصاحب عمل مستقل، ويقدم خطابا يرتبط بالدين والحياة والمشكلات الاجتماعية.

وجمهور هذا الداعية “يبدون في حاجة إلى تدين لا يحرمهم من مباهج الحياة التي يملكونها بالفعل، وفي الوقت نفسه يمنحهم الداعية نوعا من الدعم الروحي”، وغالبا ما يكون موجها إلى الشرائح الراقية من المجتمع من رجال الأعمال والموظفين، والذي يبدون رغبة في التعرف على تدين يضيف لهم ولا يخصم منهم شيئا مما اعتادوا عليه في نمط حياتهم”

ومن رموز هذا النوع من الدعاة: ياسين رشدي وعمر عبد الكافي وعمرو خالد وأحمد الشقيري وغيرهم.

لكن من الملاحظ أن خطاب الدعاة الجدد فقد جانبا كبيرا من وهجه، وهذا عائد إلى أسباب وجيهة أهمها فقدان الشباب ثقتهم بهم بعد الربيع العربي وخذلان مجموعة من هؤلاء الدعاة لموجات الاحتجاج بسبب طبيعة مواقفهم، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الثورة التقنية التي ظهرت مع مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في إعادة ترتيب مواقع كل من الدعاة والمستمعين، وخاصة مع الإمكانية التي تتيحها من التعبير عن الرأي مع تجاوز أشكال السلط المعرفية القائمة، وبالتالي الشعور بوهم الاستقلالية عن مختلف أشكال الخطابات السائدة والبحث عن معبرين جدد عن الدين والتدين.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات