حول أزمة جماعة الإخوان في الأردن – قراءة في كتاب الأستاذ حسن أبو هنية

حمزه ياسين – التقرير

تعيش جماعة الإخوان المسلمين في لحظة حرجة من تاريخها كأهم حركة ناشطة في المجال الاجتماعي والسياسي العربي، وبالرغم من الظروف الخارجية التي أدخلت الجماعة في هذه الحالة الحرجة، وأعني هنا عجرفة الأنظمة العربية وإعلانها الحرب على تنظيم الجماعة، وهو ما يولد إنسداد أفق الإصلاح السياسي عن طريق بنى سياسية ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية، وينعكس بالتالي على بروز الخيار الجهادي؛ بالرغم من كل ذلك إلا أن أزمتها ذات أسباب داخلية لا تقل أهمية عن تلك الخارجية.

ومن المهم في هذا السياق الاعتناء بالأطروحات التي حاولت فك شيفرة إشكاليات الجماعة ومحاولة بسطها وربطها بما هو مفيد لفهم الجماعة لنفسها ومن قبل الباحثين والفاعلين المهتمين بالواقع العربي والإسلامي.

وكما عودنا الأستاذ حسن أبو هنية في أطروحاته البارعة في رصد تحولات الحركات الإسلامية، يطل علينا هذا العام بكتاب جديد يتناول فيه أزمة الإخوان المسلمين في الأردن، ضمن عنوان فرعي يعبر عن طبيعة هذه الأزمة، وهو جدل الديني والسياسي في سياق وطني، وسنعمل في هذا المقال على تحليل أهم ما جاء به مركزين على الطروحات النظرية ذات الفائة في فهم طبيعة كل من الجماعة والأنظمة العربية.

الإخوان المسلمين والدولة الوطنية في العالم العربي ومواضع الالتباس

شكلت جماعة الإخوان المسلمين تحديًا لأسس الدولة الوطنية، بالرغم من تأكيد الجماعة التزامها بالديمقراطية والتعددية والمواطنة، إلا أن سلوكها كان يثير مخاوف الأنظمة شبه السلطوية، ذلك أن “مسارات تحول الجماعة من حركة إحيائية دينية إلى حزب سياسي مدني كانت ملتبسة ومتداخلة، كما أن السلطة المرجعية الفكرية كانت تتأرجح بين التقليد والتحديث”، هذا الأمر دعا الأنظمة العربية إلى وصف الجماعة بالنفاق والانتهازية، في عين دعا الجماعات الجهادية إلى نعتها بالكفر والعمالة!

وقد راوحت علاقة الجماعة بالدولة الوطنية العربية بين الاحتضان والتحالف حينًا، والعداء والاستئصال أحيانًا أخرى، من دون أن تكون شريكة حقيقية، إلى أن جاءت الانتفاضات العربية التي أعقبها تحول في العلاقة مع الجماعة أكثر عدائية وحدة وأشد تباينًا، فتبنى النظام المصري نهج الاستئصال، مع وضع الجماعة تحت قائمة “الإرهاب” مدعومًا من بعض دول الخليج والسعودية، وتبنت المغرب نهج الإدماج، في حين أخذت الأردن موقفًا وسطًا بين النهجين يقوم على شمولية الاستيعاب الجزئي للاعتدال واستبعاد التطرف، عن طريق استراتيجية صبورة ومتدرجة تدعم آليات الفرز والاستقطاب وتنتهي إلى الحظر والتفتيت.

تبرز مشكلة الإدماج بين جماعة الإخوان المسلمين والدولة الوطنية ما بعد الاستعمارية بسبب اختلاف السلطة المرجعية بينهما، فمشروع الجماعة يتمحور حول أسلمة الدولة الوطنية على أسس الخلافة التقليدية، في حين تتمثل الدولة الوطنية شروط الوضعانية والحداثة بحكم طبيعتها الحديثة، وتبحث عن مشروعيتها من المصادر القومية العلمانية في الفكر والمؤسسات، وهو ما يجعل دخول الإسلاميين في هذه المنظومة تكيفًا وخضوعًا من طرف واحد.

وبغض النظر عن التنويعات الأيديولوجية للدولة الوطنية في العالم العربي، بين القومية والديمقراطية الليبرالية، إلا أنها كانت مترددة بين السلطوية أو شبه السلطوية.

أزمة الإخوان المسلمين في الأردن وسياقاتها

تعاني جماعة الإخوان المسلمين في الأردن من أزمة مزدوجة وغير مسبوقة على مستويين داخلي وخارجي، أو ذاتي وموضوعي، فعلى الصعيد الداخلي تعاني الجماعة من أزمة في إدارة التكيف الأيديولوجي والتنظيمي الملتبس داخلها، وعلى الصعيد الخارجي المتعلق بتدبير العلاقة مع النظام السياسي شبه الديمقراطي، وهي أزمة متصلة بأزمة الجماعة اﻷم في مصر، ومتصلة بأزمة “الدولة الوطنية العربية السلطوية”.

فمع بداية الموجة الديمقراطية التي حدثت في الأردن بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، أدت الموجة إلى مجموعة من التحولات التي طالت كل من الإخوان والنظام، فقد ساهم انفتاح النظام السياسي الجزئي لتحوله إلى نظام ديمقراطي مقيد شبه سلطوي، الأمر الذي أدى إلى تغيير الجماعة من جماعة إحيائية دينية إلى حركة شبه سياسية.

لكن هذا التحول يؤدي إلى نوع من الالتباس، فمقاربة إدماج الإٍسلاميين المعتدلين تكون واضحة في سياق الأحزاب السياسية التي تنخرط في النظام الديمقراطي، أما في حالة الأنظمة شبه السلطوية التي تتراوح بين الديمقراطية والسلطوية فهي بالضرورة تنتج أحزابًا شبه سياسية، وهو ينطبق على الجماعة التي استهلت نشاطها كحركة هوياتية إحيائية، لكنها دخلت مبكرًا في العمل السياسي كاستراتيجية لأسملة الدولة والمجتمع، وبالتالي فهي “تتجاوز المعنى التقليدي للأحزاب السياسية في الأنظمة الديمقراطية”.

كما أدى هذا التحول إلى خلق نزعة تسييسية لدى الجماعة للتكيف مع التغيرات السياسية التي رافقتها مكاسبة ظاهرة للجماعة، لكنه أدى في المقابل إلى خلافات وانقسامات داخل الجماعة على مستوى هويتها الأيديولوجية ودورها وأهدافها، وهذا التسييس أدى إلى تنازل وابتعاد الجماعة عن النظر الأيديولوجي وأن تناساق في المقابل إلى تعديل خطابها ومواقفها بما يتلائم مع التكيف مع التحولات السياسية.

ويضيف أبو هنية مدخلاً آخر لفهم أزمة الجماعة، وهو المتعلق بالمنافسة بين الجماعة والدولة على تمثيل الإسلام والهوية الدينية، فالدول العربية هي دولة مشتبهة – بحسب تعبير طه عبد الرحمن -، بمعنى أنها تتغول على الشأن الديني وتسعى لاحتكاره وتمثيله ضمن تأويل معين، والذي ظهر في تبني الدولة لنمط من التدين الصوفي الأشعري – كما في مصر والأردن – أو السلفي التقليدي – كما في السعودية – وعلمت على دعمها وتمثيل هويتها الدينية، في مقابل منع تيارات الإسلام السياسي من تحقيق هذا التمثيل.

وعودًا على الدولة شبه السلطوية، فقد برهنت هذه الأنظمة على مدى عقود من علاقتها مع الإسلام السياسي على استحالة وصول الإسلام السياسي للسلطة، “ذلك أن شرط المشاركة الضمني هو عدم إجراء أي تغيير جوهري يمس طبيعة النظام السياسي”، وف يحال فازت الحركة الإسلامية في الانتخابات، فإن الأمر ينتهي بانقلاب عسكري أو حرب أهلية أو مجرد تزوير الانتخابات.

موقع الجماعة من ما بعد الإسلام السياسي

يؤكد أبو هنية على البتاس المرجعية الفكرية للجماعة وازدواجيتها، فهي تقدم في أفكارها تصورات عامة تندرج في إطار “ما بعد الإسلام السياسي”، بينما يصر قادتها على البقاء في أفق الإسلام السياسي، ويدعو أبو هنية إلى ضرورة حسم الجماعة لخياراتها الأيديولوجية باتجاه ما بعد الإسلام السياسي، كما فعل حزب العدالة والتنمية التركي والعدالة والتنمية المغربي وحركة النهضة التونسي.

لكن حتى تكون مقاربة ما بعد الإسلام السياسي ممكنة فلا بد من وجود بيئة سياسية مفتوحة ونظام ديمقراطي ومجتمع مدني قوي، وهو ما يتطلب قناعة من قِبل كل من حركات الإسلام السياسي والأنظمة شبه السلطوية.

ولعل أهم تعريف لما بعد الإسلام السياسي هو الذي قدمه آصف بيات باعتبارها “مشروعًا” وليست “حالة”، “فمرحلة ما بعد الإسلام السياسي بحسب بيات ليست معادية للإسلام ولا هي علمانية، بل تُمثل محاولة لدمج التدين والحقوق، الإيمان والحريات، الإسلام والحرية”، والتأكيد على التعددية بدلاً من الصوت الواحد، والمستقبل بدل الماضي.

استراتيجية تفتيت الجماعة في الأردن

باتت الجماعة تشكل تهديدًا لبنية النظام بعد ثورات الربيع العربي، فلم تعد الجماعة قادرة مزيد من الإدماج في نظام شبه سلطوي بأدوار هامشية، وهو ما دعا النظام الأردني إلى تبني مقولات “الحزام الناقل”، أي اعتبار الجماعة محطة انتقال ميسرة للتطرف والعنف والإرهاب.

في حين كانت الحكومة تاريخيًا تتبنى نظريات “جدار الحماية” و”اشتمال الاعتدال”، التي تقوم على التعامل مع الجماعة كجدار حماية ضد المخاطر التي شكلتها الحركات والأيديولوجيات اليسارية والقومية الراديكالية خلال الحرب الباردة، وكجدار واقي أمام الحركات الجماعات الإسلامية الراديكالية.

اتخذت الدولة استراتيجية صبورة تقوم على تفتيت الجماعة عن طريق إضعاف التيار المتشدد من “الصقور” وتشجيع تيار المعتدلين على التكيف في الأوضاع السياسية الجديدة والتمرد على قيادة الجماعة الموسومة بالجمود والتصلب، وقد أسفرت هذه الأمور عن بروز توجهات أخذت بالاقتراب أكثر من الدولة وتبتعد عن الجماعة.

وكانت أولى بوادرالإنشقاق مع إعلان مجموعة صغيرة من قيادات الإخوان مثل رحيل غرايبة ونبيل الكوفحي مع عدد محدود من شباب الجماعة وبالتنسيق مع رموز سياسية أخرى عن تأسيس “المبادرة الأردنية للبناء” في نوفمبر ٢٠١٢، والتي اشتهرت بمبادرة زمزم، والتي أكدت على كونها مبادرة إصلاحية للخروج من الأزم الداخلية للجماعة والأزمة الخارجية مع الحكومة، وهو اﻷمرالذي دفع الجماعة إلى فصل القيادات المؤسسة للمبادرة، لكن المبادرة اتخذت قرارات أشد وضوحًا بالانفصال عن الجماعة عن طريق الإعلان عن تأسيس حزب سياسي.

كما دفعت استراتيجية التفتيت أيضًا إلى قيام القيادي في الجماعة عبد المجيد الذنيبات إلى ترخيص جمعية الإخوان؛ تمهيدًا لنزع الشرعية عن الجماعة التاريخية بحجة عدم قانونيتها، وانتقلت الاستراتيجية إلى إغلاق المقر الرئيسي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن بتاريخ ١٣ أبريل ٢٠١٦.

لم تتعامل الجماعة مع الإجراءات الحكومية بجدية، بل راهنت على الصمود دون تقديم مبادرات تُفشل مسار التفتيت، فقد جاءت قراراتها متأخرة دومًا لترميم العلاقة بين الجماعة والحكومة، إضافة إلى لجوئها إلى خطاب المحنة والابتلاء، “وهي تعتصم بالجماعة كحركة دينية إحيائية وتبتعد عن الخطاب السياسي، كستار يحجب الحقائق السياسية والأسباب والشروط الموضوعية للأزمة، وتدخل في حالات إنكارللتغطية على مسارات فشل تدبير العلاقة مع الحكومة”.

أدت الانشقاقات التي مرت بها الجماعة إلى تفاقم الأزمة الذاتية الداخلية، فقد توسعت شقة الخلاف حول طبيعة العلاقة مع النظام السياسي وآليات المشاركة والمقاطعة، بين الاتجاه الديني والاتجاه السياسي، فقد كان المعتدلون (الحمائم) أكثر ميلاً نحو المشاركة السياسية والانخراط في بنية الدولة الوطنية، في حين كان المتشددون (الصقور) أقرب إلى المقاطعة والعزلة والتزامًا بالهوية الدينية ومفهوم الأمة الإسلامية.

كان مفهوم الصقور والحمائم يشير قبل عقد التسعينيات إلى التوجهات الإصلاحية والراديكيلية للمنظومة الفقهية الخاصة ببنية الجماعة، وقد أصبح يشير اليوم كذلك إلى طبيعة التعامل مع النظام السياسي، بين نهجي الأيديولوجي والبراغماتي.

ويعود تيار الصقور إلى المحافظة على خط سيد قطب من خلال تطبيق مفاهيمه المتعلقة بالدولة والمجتمع ونزع الشرعية عن النظام الحاكم وتكفير الديمقراطية، ومن أبرز مثليه في الأردن: د. محمد أبو فارس، د. همام سعيد، د. عبد الله عزام، د. عبد المنعم أبو زنط.

وقد أعادت هذه الأزمة بروز سؤال الهوية الوطنية الذي ظهر عام ٢٠٠٩ إثر تنامي تيار “أردنة الجماعة” لمواجهة التيار الفلسطيني الحمساوي، خاصة مع سياسيات الهوية التي عملت عليه الحكومة من استقطاب الإخوان الشرق أردنيين لخلق حالة من الفرز والاستقطاب.

يختم الأستاذ حسن أبو هنية كتابه بالدعوة إلى ضرورة انتقال حركات الإسلام السياسي إلى أفق ما بعد الإسلام السياسي، وأن الخروج من الأزمة التي يعيشها إخوان الأردن مع النظام يتطلب شجاعة وإيمان من الحكومة والإخوان، وبالتالي إعادة النظر في مقولة اشتمال الاعتدال بدلاً من مقولات الحزام الناقل، للدخول في أفق الاعتراف وترسيخ قيم سياسية تستند إلى مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات