حوار مطول مع الروائي الكويتي سعود السنعوسي (1/2)

سلمى هشام فتحي – التقرير

تتناول الرواية الفائزة بالبوكر العربية لعام 2013 “ساق البامبو”، قصة “خوسيه مندوزا”، الشاب الفلبيني الذي سافر إلى الكويت، وطن والده البعيد. وكانت والدته “جوزافين” تزوجت لفترة قصيرة من “رشيد الطاروف”، سليل الأسرة الكويتية، التي عملت “جوزافين” خادمة لديها.

وعلى الرغم من مرور بعض الوقت على حواري مع صاحب الرواية “سعود السنعوسي”، فإن الرواية لم تتلاشى من أذهان القراء. وتحولت هذا الصيف إلى مسلسل تلفزيوني، يناقش مفاهيم المواطنة والهوية والتمييز في الكويت.

1
أندرو ليبر: تحدثنا للتو عن شعورك أن العديد من القراء والصحفيين، الذين أجروا المقابلات معك، يفترضون أن روايتك تتناول بالأساس حقوق العمال المغتربين، وتجاربهم في منطقة الخليج العربي. في رأيك، ما هو الموضوع الرئيسي للرواية؟

سعود السنعوسي: أخشى ألا تُوصف “ساق البامبو”، إلا بتناولها لحقوق العمال المغتربين في دول الخليج.. تمس الرواية هذه القضايا، لكنني لا أريد أن تُسجن في هذا الإطار.ف

الرواية تتناول قضيتين مهمتين، تجمعهما صلة وطيدة: القضية الأولى هي الهوية، والثانية هي نظرتنا إلى “الآخر”.. أردت أن أطرح سؤالا عن كيفية تعريف “الآخر”، ورؤيته في ثقافتنا (سواء الكويتية أو الخليجية أو العربية).

لكنني لم أكن أقصد لدى كتابتها أي “آخر”، فلدينا في الخليج تصنيفات مختلفة للأشياء. هناك “الآخر” الأرقى، أي الغربي الأمريكي أو الأوروبي. نشعر بطريقة ما أنه أفضل، حتى أننا نتغاضى عن كلامه السخيف. فمثلا يتم تصوير العرب ببشاعة في أفلام هوليوود، لكننا لا نهتم لذلك كثيرًا.

في رواية “ساق البامبو”، كان تركيزي بشكل أكبر على “الآخر” الآسيوي أو الهندي، الذين نشعر بوعي -أو حتى دون وعي- بالتفوق عليه؛ لهذا تبدو الرواية وانتقاداتها للواقع صعبة التقبل عند البعض. لكن لو كان البطل نصف أمريكي، لتغيرت النظرة إليه. يكمن السؤال في تفحص الرؤية السلبية لنا من قبل هذا القسم من المجتمع، أي العمال المتواضعون، مثل النادل في المقهى، والخادمات اﻹثيوبيات. وهذا السؤال يُغضب الكثير من الناس في الكويت.

ليبر: كيف خطرت لك فكرة الكتابة عن الفلبين، والسفر إلى هناك أيضًا؟

السنعوسي: كانت الفكرة الأصلية أن أكتب عن الهند، حيث أنها أقرب بكثير إلى الكويت من الفلبين. وبالفعل سافرت إلى الهند، لكن الفكرة لم تختمر هناك، لأن مواطني الخليج العربي لا تبدو ملامحهم مختلفة كل الاختلاف عن الهنود. فعندما كنت في الهند، كان الناس يحادثونني باللغة الهندية، كذلك كانوا يفعلون في لندن.

فإذا كان البطل نصف هندي، لن تحدث له الكثير من المشاكل. ومن المعروف أن الكويتيين، حين كانوا يكسبون قوتهم من الصيد، قبل ظهور النفط، كانوا يذهبون إلى الهند ويتزوجون منها. لذا فالأمر لم يكن مُشكلا بدرجة كبيرة بالنسبة للمجتمع، وهكذا لن يمنح للرواية عقدة مركزية، جديرة بالمناقشة.

لكن التباين يصبح أقوى حين يكون البطل من خلفية شرق آسيوية، فهكذا لا تستطيع إخفاء الصفات المميزة للوجه، مهما اتقنت اللغة العربية أو ارتديت الثوب والغترة والشال، وجميع الملابس التقليدية، فستعاني حتى تشعر بالانتماء.

لهذا السبب شعر “خوسيه” -عندما خرج لصلاة عيد الأضحى- أن لا شيء يلائمه سوى وجهه، رغم ارتدائه للزي التقليدي. وربما تمكنت جدته “غنيمة” من تقبله، لو كان شكله مختلفًا.

2

ليبر: هل تشعر بأن هناك تمييزًا ضد مواطني شرق آسيا على وجه التحديد؟ رأيت هذا بعيني حين كنت أعيش في القاهرة، ونجد ذلك التمييز في روايتك أيضًا.

السنعوسي: التمييز موجود، لكن ليس في كل النواحي. فلو كان شريكك في العمل أو زميلك من الفلبين، فلن يمثل ذلك مشكلة. لكن المشاكل تظهر حين تختلط الدماء بالتزاوج. أنا لا أتحدث عن الجميع في الكويت ولا أعمم، لكن عائلة مثل عائلة “الطاروف ” في الرواية -التي تمثل الكثير من العوائل في الكويت- سترفض هذا الزاوج تمامًا.

كانت العائلة سترفض الزواج بين ابنهم “راشد” والخادمة “جوزافين” في بداية الرواية، لكن الأمر يختلف تمامًا عندما يعود ابنهما للمطالبة بمكانه في العائلة. كان الأمر ليبدو أبسط بكثير، إذا منعت الأم ابنها من الزواج من الخادمة من البداية.

وشعر الكثير من الكويتين بحساسية تجاه هذا التناول، فكيف يمكن لعائلة “الطاروف” أن تتصرف بهذه الطريقة؟ ومن المؤكد أن بعض العائلات لا تمانع الزواج المختلط. أخبرني أستاذ جامعي مرة أن زوجة شقيقه فلبينية، وأنهم جميعًا يعيشون معًا في منزل كبير. بالطبع هذا يحدث أيضًا، لكنني أتحدث في الرواية عن فئة معينة داخل المجتمع، تنتشر بين عوائلها تلك الظواهر.

ليبر: هناك نظرة غربية ترى مجتمعات الخليج منقسمة ومنفصلة، فيما يشبه الغيتو -العرب الخليجيون والأجانب الوافدون والوافدون من شرق آسيا والمجتمع الهندي وهلم جرا – مع القليل من التفاعل فيما بينهم.

السنعوسي: بل الأمر أسوأ من ذلك. فحتى في المجتمع المحلي، لدينا انقسامات بين الكويتيين من أصل إيراني، ومن أصل نجدي، أو سعودي، أو عراقي، وهكذا. نحن نواجه مأزق الهوية، حتى فيما بيننا، كل من يتمتع بالجنسية الكويتية، يقع في ذلك المأزق.

ليبر: وهل ينعكس هذا في الرواية، حين يدخل “خوسيه” إلى الكويت للمرة الأولى، ويوجهه موظف الجوازات إلى صف الأجانب بالمطار؟

السنعوسي: بالفعل، الحقيقة إنني لست ضد فكرة أن يتمتع المواطن بخدمة خاصة في بلده -فحتى في أوروبا وغيرها من البلدان التي زرتها، كانت هناك صفوف منفصلة للأجانب وهلم جرا- لكن الأمر المهم هنا هو كيفية تعاملك مع الآخرين.

في هذا الجزء من الرواية، يحمل “خوسيه” جواز سفر أزرق (جواز السفر الكويتي)، ويمر بطبيعة الحال، حين يظهره للضابط. لكن الهدف الأساسي من هذه اللقطة، هو رفض الضابط له، لدى دخوله الأراضي الكويتية بسبب وجهه، قبل أن يتمكن حتى من تقديم أوراقه. هنا تشعر بكيفية تصورنا “للآخر.”

3

ليبر: هل ترى بعض أوجه التشابه بين هذا الموضوع وما نراه في الغرب، خصوصًا مع تواجد جالية مسلمة كبيرة في فرنسا والولايات المتحدة، وفي أماكن أخرى، حيث يرفض الناس فكرة أن هؤلاء أيضًا مواطنبن، بغض النظر عما يمتلكونه من وثائق تثبت ذلك؟

السنعوسي: بالتأكيد. أنظر مثلا إلى المهاجرين المكسيكيين في الولايات المتحدة، الذين يعاملون معاملة مواطنين من الدرجة الثانية! المشكلة لا تخص الخليج أو البلاد العربية وحدها. قد لا يكون الأمر سيئًا للغاية، كما هو في البلاد العربية، لكننا يمكن أن نرى تشابهات.

في فرنسا مثلا، هناك العديد من المواطنين من أصول شمال إفريقية، يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية. لم أحيا أبدًا في فرنسا، لكنني استشعر ذلك في زياراتي القصيرة إلى هناك، وفي المناقشات مع الأصدقاء.

المصدر

النقاش — تعليق واحد

  • قارئ كويتي ديسمبر 25, 2016 on 9:29 م

    لا اوافق الكاتب سعود السنعوسي، في قوله بإن هناك انقسامات في المجتمع الكويتي من ذوي الاصول المهاجرة من ذات البعد العراقي او النجدي،او الفارسي.ماقاله الكاتب السنعوسي لا يرقى الى الحقيقة ولا لدراسة اكاديمية او بحثية مبنية على علم وتقارير ودراسات واستنتاجات،وهذا يدل على عدم فهم الكاتب السنعوسي لطبيعة المجتمع الكويتي وتشكيلاتة الجذرية المتنوعة،لاعنف ولا اقصاء بين الاصول الكويتية المهاجرة،على مدى التاريخ المجتمعي الكويتي،وهذا يدحض ماتحدث به الكاتب السنعوسي ،بأن هناك انقسامات بينهم،في رأيي لاتوجد انقسامات سوى في عدم فهم الكاتب بين الهويات المتعددة وكيفية انصهارها وتجانسها،ومن ثم نصل لحقيقة واحدة،من جعل هذا التجانس يبدو ظاهرا ،يتعاون و ،يتفاعل مع بعضه البعض دون حدوث صدامات عنيفة بينهم،

    ثانيا-في الرواية،نرى بإن بطل الرواية الفلبيني حين قدم الى الكويت ،اصطف في المطار مع صفوف الوافدين او الاحانب لعمل ختم المطار والدخول الى البلد ،،اي (الكويت)،حسبما اعلم ان الرواية تتناول فترة الثمانينات من القرن الماضي،فلم تكن في تلك السنوات وماقبلها كاونترات في المطار تميز بين المواطنين والاجانب في احتام الجواز والدخول الى البلد ،فهذه الامور مستحدثة ولم تكن موجودة اطلاقا في تلك الفترة،فالرواية ذكرت شيئا لم يكن حقيقا او موجودا في الاصل،

    Reply

  • هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    منذ بداية ثورات الربيع العربي، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الدردشة وصفحات الإنترنت تغيرًا ملحوظًا في توجهات شريحة كبيرة من الشباب العربي وتحديدًا المثقفين منهم، نتيجة لتسارع أحداث هذه الفترة، فظهرت على إثر ذلك مصطلحات وألفاظ ومفرادت جديدة ومبتكرة تولدت من رحم هذه الأزمة؛ لتُعبّر عما يختمر في أذهان كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استحدث الشباب طريقة كتابية جديدة هي خليط من الحروف العربية والإنجليزية (تسمى الفرانكوأراب أو الأنجلوعربية) تعبيرًا عن تسارع الأحداث وكلغة مبتكرة وسريعة..

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

        “سيدي الأستاذ النابغة: محسوبُك كاتب هذا – الأسطى حنفي أبو محمود – من كان له الشرف أن يُقلك فى عربته مرارًا، إما منفردًا أو مع زمرة من إخوانك...

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    عثمان جمعون – مدير نشر موقع الشمال24 منذ مغادرتي لمقاعد المدرسة، وأنا أجد تعظيما مبالغاً فيه للشواهد التعليمية، حيث أنه لا يمكنك أن تقدم شيء ذا بال لدى الدولة...

    المزيد من التدوينات