حوار مطول مع الروائي الكويتي سعود السنعوسي (2/2)

سلمى هشام فتحي – التقرير

أندرو ليبر: فيما يخص موضوع المواطنة والانتماء، ما أهمية تركيزك على شخصية تاريخية مثل “خوسيه ريزال”، الكاتبوالمفكر البارز في قضية القومية الفلبينية؟.

سعود السنعوسي: إن تركيزي على “خوسيه ريزال” أمر مهم جدًا بالنسبة لي لعدة أسباب. فهنا في الكويت وبقية دول الخليج، لا نعرف شيئًا عن الفلبينيين عدا عن أنهم أولئك الذين يعملون في مطعم الوجبات السريعة “ماكدونالدز” والمقاهي مثل “ستاربكس” أو كخدم في المنازل.

زرت الفلبين 4 مرات، ما جعلني أشعر أنها مكان حقيقي، يملك تراثًا ثقافيًا هائلًا، ومنهم شخصيات تاريخية عظيمة وفنانين ومفكرين وسياسيين، وقد تعجب الكويتيون ممن قرأوا “ساق البامبو” لمعرفتهم أن الفلبينيين، مثل أي شعب آخر في العالم، هم أكثر من مجرد خدم.

كان الأمر كما لو كانت الفلبين غير معروفة تمامًا كبلد، والفلبينيين لا يمكن وضعهم إلا داخل منظومة العمالة في الكويت. قد يكون الفلبين بلدًا فقيرًا اقتصاديًا، ولكنه ثري جدًا ثقافيًا.

لذا أردت أن أقول للقراء إنه لا يجب أن تشعر بالتفوق على شخص فقط لأنه من بلد فقير، فهؤلاء يملكون حضارة عظيمة، وتاريخ طويل، وعدد كبير من الشخصيات البارزة.

1

وبالنسبة لي شخصيًا، يمثل “خوسيه ريزال” شخصية مُلهمة من نواحٍ كثيرة، وهو روائي كذلك، وفي أثناء عملي على الرواية، أو حين كنت أقوم ببعض التغييرات والتبديلات كنت أفكر كيف ألهم “خوسيه ريزال” حركة الاستقلال الفلبينية في نهاية القرن الـ19 بمجرد رواية!.

وكثيرًا ما كنت أغار من “ريزال” بينما أكتب روايتي، كنت أفكر أنه لا يمكنني أبدًا إنجاز ما أنجزه هو!، وكل أملي الآن أن أكتب رواية أغير بها كيف يرى الناس بعضهم البعض، سواء كانوا مواطنين كويتيين أو بشر من كل دول العالم؟. ولهذا السبب يظهر “خوسيه ريزال” في روايتي “ساق البامبو”.

ليبر: لاحظت أنك حاولت التمييز بين دول الخليج في الرواية، إذ إنها في كثير من الأحيان تعتبر كيانًا واحدًا. فعلى سبيل المثال، تكتب “جوزافين” والدة “خوسيه”، أن تجربتها في البحرين كانت أفضل بكثير من فترة عملها في الكويت.

السنعوسي: بالتأكيد أرى اختلافات بين بلدان الخليج، عندما تحدثت مع كثير من الناس في أثناء البحث الذي قمت به من فلبينيين وهنود كان بعضهم يخشى الحديث حين يعرف أنني كاتب. ولكن كلما زادت الثقة بيننا، كانوا يشعرون بالراحة أكثر في الحديث وكانوا يتحدثون عن هذه الاختلافات.

فالبحرين وسلطنة عمان تختلفان بالتأكيد عن بقية دول الخليج، إلا أنني لم أختبر هذا إلا في البحرين. وعلى الرغم من الأحداث المروعة التي وقعت هناك مؤخرًا، فإن البحرين لم تصبح مثل الكثير من بلدان الخليج الأخرى من حيث التمييز ضد بعض الجنسيات الأجنبية. فما دام البحرينيون يعملون في غسيل السيارات وفي الفنادق، يمكنهم التعاطف أكثر من غيرهم مع العمال العاديين نظرًا لأنهم يرون أنفسهم يقومون بنفس الأعمال.

لا نملك هذه المشاعر في الكويت فليس لدينا من يعمل في وظيفة وضيعة. لذلك تجد الجيل الأكبر سنًا، أي الأجداد، يعاملون العمال أفضل بكثير من معاملة جيلي لهم. فالأجداد عاشوا حياة فقيرة في بيوت من الطين قبل ظهور النفط. جدتي مثلًا يمكن أن تتعاطف مع هؤلاء العمال لأنها تشاركت معهم بعض ظروف الحياة.

لكن الدولة تدفع الآن لجيلنا كل شيء، والوظائف تنتظرنا، ونعيش في بيوت فخمة، فكيف لنا أن نتعاطف مع أي عامل عندما لا تكون لدينا أي تجربة عمل؟.

أعتقد أن المزيد من التسامح والتفاهم تجاه العمال تجده في البحرين؛ لأن البحرينيين يعيشون حياة أكثر بساطة.

ليبر: هل فوجئت بالاستقبال الجيد لروايتك في العالم العربي؟، ولمَ تعتقد أنها حصلت على شعبية كبيرة؟، وهل تظن أنها ستحظى بنجاح مماثل في السوق الناطق باللغة الإنجليزية؟.

السنعوسي: هذا سؤال مهم ومقلق في ذات الوقت. فقبل فوز الرواية بالبوكر العربية، حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في الكويت.

لكن ردود فعل القراء كانت مختلفة  فجيل الشباب الذي لم يعش حياة صعبة، تقبل فرضية الرواية لأنهم أكثر انفتاحًا، لكن الجيل الأكبر سنًا، الذي قد يكون أكثر تعاطفًا تجاه أوضاع هؤلاء العمال، ولم يتقبل فكرة الزواج بامرأة من الفلبين.

وكان هناك سؤال يتردد “ماذا يحاول السنعوسي أن يقول؟، هل يريد منا تزويج أولادنا لخدم المنازل؟، هذه هي طريقة التفكير القديمة، فقد نتعاطف مع حال العمال، ولكن لا يمكن أن نمزج دمائنا معهم.

وأطلق عدد من الكتاب على “ساق البامبو” اسم “نيران صديقة”، فكيف يمكن لكويتي أن يكتب هذا النقد؟، أشعر أن “ساق البامبو” هي طريقتي لانتقاد بعض جوانب ثقافتنا في شبه الجزيرة العربية، ولكنه عمل يأتي من حبي للمنطقة، فأنا لا أحب رؤية بعض الأفعال السلبية في بلدي. ولكنني في النهاية أترك الباب مفتوحًا على مصراعيه، فالرواية كويتية، وإن كانت تقدم نقدًا فهي تقدمه بشكل لائق.

أما بالنسبة للقارئ الغربي، حقيقة لا أعرف رد فعله. فربما لا تشغله مسألة الهوية بقدر ما تشغلنا. كل عام أزور لندن لمدة شهرين أو نحو ذلك، وأرى هناك التنوع والتفاعل في كل مكان، وهو ما يتوافق مع طبيعة سكان المدينة.

لا أعرف ما إذا كان قارئ من لندن سيتقبل الرواية كما نتقبلها نحن، فهي كُتبت بالأساس لجمهور محلي.

ولم أفكر أبدًا في ترجمة الرواية، وحين انتهت الترجمة، وفكرت في الأمر، رأيت أن الرواية قد تثير اهتمام البعض في البلاد الأجنبية لكنني لا أزال لا أعرف كيف سيتقبلونها؟.

2

ليبر: هل تعتقد أن وجود راوي من خلفية مختلطة، نصف فلبيني ونصف كويتي، ساعد على جعل الأمر أسهل على الكويتيين من حيث سماع الانتقادات على لسان “آخر”؟.

السنعوسي: ربما تقصد أننا قد نفرق بين شخص نصفه “آخر” وشخص “آخر” تمامًا. قد يكون “خوسيه” نصف كويتي، ولكنه يعتبر فلبيني في الكويت. في كل القراءات والعروض والمقالات التي كُتبت عن الرواية، يتحدث الناس عن “خوسيه مندوزا”، ولا يستخدم أحد اسمه العربي “عيسى الطاروف”.

وهناك مفاجأة أخرى. أنا أيضًا أسميه “خوسيه” أكثر مما أطلق عليه “عيسى”، كما لو أنني عن غير وعي لست مقتنعًا بأنه كويتي. حتى الناس الذين يتقبلونه كشخصية روائية يسمونه “خوسيه مندوزا”. وهو لا يزال “خوسيه الفلبيني”، فالقراء أيضًا لا يستطيعون تقبل هويته تمامًا.

ليبر: من المؤكد أن “خوسيه/عيسى” لا يشعر بالانتماء في الكويت، ولكنه لا يشعر بالراحة الكاملة في الفلبين أيضًا، هل كانت هذه وسيلة لمناقشة الأوضاع في الفلبين بعمق أكبر في روايتك؟.

السنعوسي: حصل “خوسيه/عيسى” في الكويت على الكثير من المال، ولكنه لم يحصل على عائلة، أما في الفلبين، فلم يكن لديه الكثير من المال لكنه كان على الأقل ينتمي لأسرة.

ولكن النقطة الأكثر أهمية، هي أنني أردت الفلبين أن تكون رمزًا لشيء أكبر. الفلبينيون رمز للهنود أو الباكستانيين أو البنجلاديشيين. لا أريد أن توصف الرواية بأنها “كتاب عن الكويت والفلبين”، ولكنني أرغب أن تكون عن الكويت و”الآخر” أو حتى العرب و”الآخر”.

ليبر: نرى أيضًا مناقشة للهوية في رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين “خوسيه/عيسى” و”ميرلا” ابنةخالته، حيث يناقشون الأصل المُختلط الأوروبي-الفلبيني لـ”ميرلا”.

السنعوسي: بالفعل، والأكثر من ذلك أن هذا الأصل ينعكس على ملامح وجهها – عينيها، وشعرها… إلخ. لكن وجه “ميرلا” يحدث تأثيرًا معاكسًا لوجه “خوسيه” فيقبلها الآخرون أكثر، ويرون أنها من السهل أن تندمج معهم. أما “خوسيه” فهو غير قادر على الاندماج في الكويت، بالمقارنة مع الفلبين الأكثر انفتاحًا، والتي تقبل الناس حتى لو كانوا مختلفين قليلاً.

وقد تركت الباب مفتوحًا في النهاية، والكثير يسألونني لماذا يسافر “خوسيه” إلى الكويت في نهاية المطاف، وماذا سيحدث بعد ذلك. أقول لهم عادة “بالتأكيد، إنه سافر إلى الكويت وهو في العشرين من عمره. بالتأكيد سيموت يومًا ما فهي سنة الحياة، ولكن هناك متسع من الوقت لحدوث شيء ما. الحكومة الكويتية لن تتمكن من توزيع الميراث ما لم يكن موجودًا كما أنه لديه ابن يسمى راشد، لذلك ربما هناك بصيص من الأمل في حدوث شيء ما”.

ليبر: لدي سؤال أخير. لماذا اخترت البامبو كرمز أساسي واسم لروايتك؟.

السنعوسي: لم أقصد شجرة الخيزران الكاملة ولكن واحدة من سيقان الخيزران الصغيرة التي تزين البيوت، ومن المعروف أن الخيزران لا يحتاج إلى جذور متينة حتى ينمو، كما يمكنك أن تقلّم أجزاء منه، ثم تضع الساق في وعاء مختلفة، وستنمو لتصبح ساقًا أخرى لا صلة لها بالساق الأولى.

أراد “خوسيه” أن يكون فقط مثل ساق الخيزران يترك جذوره في الفلبين، ثم يضرب جذورًا جديدة في أي مكان تطأه قدميه. ولكن رغم الوقت الذي أمضاه في الكويت، وكل ما فعله، لم يستطع أن يكون مثل ساق الخيزران.

يقول “خوسيه” في الرواية، إنه يشبه نبات الخيزران، الذي لا ينتمي إلى أي مكان بعينه. فيمكنك قطع قطعة من ساقه وزراعتها دون جذور في أي مكان. وبعد فترة وجيزة تنبت الساق براعم جذور جديدة وتبدأ في النمو في الأرض الجديدة، وهي لا تملك ماضي، أو ذاكرة. ولا تلاحظ أن الناس يطلقون عليها أسماءً مختلفة،كاوايان في الفلبين، وخيزران في الكويت، وبامبو في أماكن أخرى. ولكن “خوسيه” يفشل في النهاية أن يصبح مثل ساق البامبو.

3
نشر سعود السنعوسي روايته الثالثة”فئران أمي حصة” في العام 2015، وحققت أعلى المبيعات. الرواية صادرة عن عن الدار العربية للعلوم ناشرون.

أندور ليبر طالب دكتوراه في جامعة هارفارد. يترجم أحيانًا ويكتب عن أشياء أخرى عندما يسمح وقته.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات