حكومات متنازعة وقبائل متصارعة وتدخلات أجنبية.. فوضى ليبية ثلاثية الأبعاد

وور أون ذا روك – التقرير

ليبيا تعج بالفوضى، بينما يتصاعد الصراع الداخلي ما بين الحكومات الثلاثة والميليشيات الخاصة بهم مرة أخرى؛ بسبب المساندة الخارجية التي يحصلون عليها من ثلاثة كيانات مختلفة تدّعي شرعية حكومتها على ليبيا. فمشاركة روسيا في الأحداث الأخيرة ساهمت أيضًا في زعزعة استقرارها المحفوف بالمخاطر مسبقًا، ليصبح الرجوع إلى روسيًا أمرًا مفروغًا منه قبل اتخاذ أي قرار يخص الحرب الأهلية الليبية.

وباللجوء إلى القصف الجوي الأخير في سوريا من قبل القوات الأمريكية، من الممكن أن تتسبب التوترات القائمة ما بين موسكو وواشنطن في البحث عن حل وسيط يخص ليبيا يتجه بها إلى مكانة أسوأ من ما هي عليه الآن، أو من الممكن أن تتحول ليبيا لمكان يختبر العلاقات الأمريكية الروسية الجديدة للتعاون ومحاولة نسيان ما صدر عن أمريكا بقصف القاعدة الجوية السورية ليصلان إلى تعاون مزدوج دائمًا ما كان يأمل ترامب للفوز به.

هي بلد في حاجة ماسة إلى دعم خارجي موحد لتوحيد الخلافات الداخلية الدائرة فيها، فما يدور في ليبيا، ما هو إلا مشاكل مشابهة لما يحدث في سوريا حاليًا، ولكن بمقياس أصغر؛ فإذا ما ساندت أمريكا حكومة ليبية واحدة تحارب حكومة ليبية أخرى مدعومة من روسيا، فستكون بذلك في حرب مع روسيا لتدفع ليبيا الثمن، فالمسندة المشتركة ليست حلا يساهم في الوصول إلى السلام المرجو.

وعلى صعيد آخر، تعيد الجماعات الإرهابية ترتيب صفوفها داخل حدود ليبيا، فلابد وأن تُتَخَذ قرارات حاسمة الآن، دون أي تأخير قبل أن يكونوا الملاذ الآمن لهم في ليبيا.

لدى أمريكا خياران فيما يخص سياساتها الخارجية؛ فمن الممكن أن تستمر أمريكا في معاداة روسيا -لتخاطر بزيادة حدة الحرب الأهلية فتزداد الكارثة الإنسانية – أو من الممكن أن تحاول التعاون مع روسيا للبحث عن حل يتناسب معهما. من الصعب أن تنقذ ليبيا نفسها وحدها، فأي حل ناجح لابد وأن يشمل على تعاون مشترك مع الحكومات الأجنبية، والقبائل الليبية الكبيرة، والميلشيات العسكرية.

ثلاثة حكومات تسعى لفرض سيطرتها

تدعي ثلاثة كيانات شرعية حكمها الليبي، ويدعم كل منهم قبائل مختلفة وميليشيات عسكرية وحكومات أجنبية. آخر كيان شارك في الحياة الليبية كان منظمة الأمم المتحدة، التي شاركت في العام الماضي بينما فشلت في الحصول على أي دعم ليبي لتصبح كيانا غير منتخب معروض من قبل الأمم المتحدة ومدعوم من قبل مجلس الأمن.

حيث قام الشعب الليبي بانتخاب أعضاء مجلس النواب الأخير، الكائن في مدينة طبرق مع الجيش الوطني الليبي بإدارة خليفة حفتر في شهر يونيو من عام 2014. وعلى الرغم من قبول العديد من أعضائة للحكومة المدعومة من قبل الأمم المتحدة مبدئيًا، رفضها آخرون. ودعم المجتمع الدولي الحكومة المعينة في عام 2014 وتخلى عنها بعد تغير الديناميكية القائمة بعد إشتعال الحرب الأهلية.

وبعدم رحيل الإسلاميين من ليبيا في عام 2014، وردًا على الانتخابات القائمة آنذاك، تم بدء عملية فجرا في الشهر التالي أدت إلى قيام حكومة الخلاص الوطني في طرابلس، ليتم حلها في العام الماضي بعد وصول الحكومة الجديدة التي فشلت في التخلي عن السلطة، فقد وصلت ليبيا حاليًا إلى مرحلة تمسك كل الحكومات بموقفها رافضة التخلي عن مركز قوتها طواعية لحكومة أخرى لتستمر كل واحدة بفرض قوتها وسيطرتها بطريقتها الخاصة.

استمرار الحرب الأهلية لما يقرب من 3 أعوام

شهدت ليبيا جولة جديدة من الحروب في شهر مارس الماضي، لتصل بها إلى نهاية ذروة التفاؤل التي وصلت إليها بعد نهاية حربها مع داعش في مدينة سرت، أما في منطقة الهلال النفطي الليبي في شرق البلاد، غيرت السيطرة على العديد من الموانئ بين جيش حفتر وحكومة الأمم المتحدة وكتائب الدفاع في بنغازي.

والجدير بالذكر أن مشاركة كتائب بنغازي تعد حديثة لدرجة كبيرة في المشهد الليبي بعد أن تشكلت جماعة من المقاتلين المعروفين في ليبيا. وفي شهر أبريل، اتجه مكان القتال في ليبيا إلى الجنوب حيث تصادم جيش حفتر مع المليشيات الداعمة للأمم المتحدة حاليًا.

فأصبحت بذلك الصراعات بين الحكومات الثلاثة أكثر رسوخًا، بينما تتفق الحكومة القائمة في طرابلس مع قوات حفتر، إلى جانب رفض حفتر التام للتعاون مع الأمم المتحدة وحكومتها الممثلة في فايز السيراج بمصر، في شهر فبراير الماضي، للوصول إلى اتفاقية سلام بينهما.

تتمتع كل حكومة من الحكومات الثلاث بدعم منفصل من القبائل والمليشيات والأقليات. وعلى الرغم من التحام العديد من هذه المجموعات مع حكومات بعينها في المرحلة الحالية، فهي تميل إلى التحالفات المتغيرة وفقًا لظروف التطورات المحلية والتغيرات الكثيرة. هذا وتمثل أعداد المليشيات السياسية المنخرطة في صورة المشكلة المعقدة. من المحتمل أن يكون هناك مئات الجماعات المسلحة النشطة في ليبيا اليوم، إلا أن طبيعة الصراعات الكثيرة القائمة في ليبيا تجعل من الصعب وضع تصور واضح وحصر لأعدادهم.

وتظل أكبر قبيلتين منفصلتين في قراراتهما الداعمة للحكومات؛ فنجد أن قبيلة الزناتن بعضها يدعم جيش حفتر والبعض الآخر يدعم حكومة طبرق، بينما تدعم قبيلة مصراتة العناصر المحاربة لحفتر. وعلى الرغم من كل ذلك، أثبتت الأعوام الستة الأخيرة أن الولاء الحقيقي في ليبيا تمحور حول الإنتماء القبلي وليس الحكومات؛ ولذلك تحتاج أي حكومة إلى دعم القبائل الليبية القوية والمليشيات لتكون ناجحة ومتحدة.

الدعم الخارجي المتعدد يؤدي إلى تفاقم النزاع

مساندة القوى الخارجية لطوائف مختلفة، غير حكومة واحدة سيزيد من حدة الصراع بالطبع؛ حيث تدعم تركيا وقطر والسودان الحكومة الموجودة في طرابلس، بينما تدعم الأمم المتحدة وأمريكا والاتحاد الأوروبي الحكومة المقدمة من قبل الأمم المتحدة، فتدعم كل من مصر والأمرات وروسيا الحكومة القائمة في طبرق وجيش حفتر.

وتفيد التقارير القائمة باستعداد روسيا الدائم لزيادة مساعداتها الداعمة لشرق ليبيا وجيش حفتر، بينما دعمت السلطات الإيطالية محاولة قوات الدفاع في بنغازي للإطاحة بجيش حفتر وطرده من الهلال النفطي. فيما ساهمت روسيا، وفرنسا، وإيطاليا، وأمريكا في عمليات خاصة مختلفة داخل أو قرب ليبيا.

بينما ساهمت كل من مصر والإمارات في عمليات قصف جوي داخل ليبيا، وضربت أمريكا داعش في مدينة سرت وفقًا لمطالبات الحكومة المدعومة من قبل الأمم المتحدة لتتسبب المجهودات المبذولة من قبل الأمم المتحدة فقط على تأسيس حكومة ثالثة إلى جانب معاناتها من ضعف الدعم الوطني المساند لها، بينما يحصل جيش حفتر على أراضٍ جديدة، وتعيد ميلشيشات طرابلس ترتيب صفوفها.

وفي حين أن حفتر كان يعمل على المساواة بين الإرهاب والإسلاميين في الماضي، لا يزال يعمل على محاربة الإرهاب بثبات وجماعاته في شرق ليبيا، بما فيهم أنصار الشريعة  التي شنت هجمات 2012 ضد البعثات المؤقتة.

الجهود الحالية المفككة لا تعمل، وعوضًا عن استمرار الموقف الراهن، حان الوقت للاتجاه إلى محاولات أخرى، ففشل الوحدة الليبية فيه مخاطرة بنشوب حروب أهلية عنيفة أخرى  إلى جانب محاولات داعش لاتخاذ ليبيا ملاذًا آمنًا لها وتفاقم الأزمة الإنسانية.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات