حسام تمام ومسارات الإخوان المسلمين ما قبل ثورة يناير

حمزة ياسين- التقرير

يعد حسام تمام من أهم الباحثين الذين رصدوا تحولات جماعات الإسلام السياسي خصوصا الإخوان المسلمين، فقد حظي موضوع الجماعة باهتمام واسع عنده، وتعتبر تحليلاته أو طروحاته عنها مؤسسة ومؤثرة في وسط الباحثين في الجماعة.

يحاول حسام تمام في كتابه “الإخوان المسلمون..: سنوات ما قبل الثورة” أن يبين الأطر الحاكمة التي حددت مسار جماعة الإخوان المسلمين واختياراتها في ثورة 25 يناير المصرية، من موقف الجماعة من الإصلاح السياسي، وكيف تعاملت مع الأزمات المختلفة في الانتخابات الداخلية، بالإضافة إلى الانشقاقات التي شهدتها الجماعة، وما علاقة ذلك ببنية الجماعة وتماسكها التنظيمي.

twooo

كما يحاول أن يُفسر الاضطراب والالتباس اللذين وسما موقف الجماعة من الحركات الاحتجاجية المختلفة التي سبقت ثورة يناير. كما ينتقل لتحليل إشمالية التحديث المؤسسي والقيمي في الجماعة، ويرصد مؤشرات ودلالات تآكل الأطروحة الإخوانية في مقابل صعود السلفية داخل الجماعة أو ما يسميه تمام بـ”تسلف الإخوان”.

ويفتح أذهان القارئ لأسئلة ومفاتيح للمستقبل لا بد من التفكير فيها بخصوص واقع الحركة، خاصة للمآلات التي وصلت لها في مصر من تشريد وحملات اعتقالات واعدامات واسعة، وفي الأردن من استراتيجية تفتيت الجماعة التي يتبعها النظام الأردني مع الإخوان، وبالرغم من أن الكتاب موجه لدراسة الحالة المصرية للجماعة فإنه يسهم في فهم الحالة الأردنية في بعض جوانبها، بحكم تشابه بنية التنظيم في الأردن ومصر.

الإخوان والإصلاح السياسي.. الجدل والتدافع الداخلي

هناك مجموعة من السياقات أسهمت في تشكيل موقف الإخوان من موضوع الإصلاح السياسي، هذا الموقف الذي يميل إلى الانفتاح على العمل العام ومساندة خيار العمل من داخل النظام ونبذ العنف كوسيلة للتغيير، والقبول بالمشاركة السياسية ضمن الدولة الوطنية القائمة ونظامها السياسي الذي برز خلال العقود الثلاثة الأخيرة. أهم هذه السياقات هو حالة الانفتاح في المشهد السياسي المصري، وتعاظم الحضور السياسي للإخوان بالتوازي مع تطورات على مستوى الخطاب، بالإضافة إلى تغير موقف بعض الدوائر السياسية في الغرب من رفض الحركات الإسلامية، بحيث صارت أكثر تقبلاً لإدماجها في بنية النظام السياسي.

هذه السياقات جعلت الساحة السياسية المصرية مؤهلة لخطاب مختلف للإخوان للتناغم مع هذه التغيرات، مما جعلها لحظة صعود نادرة للتيار الإصلاحي في الإخوان، في مقابل التيار المحافظ داخل الجماعة الذي تغاضى عن هذه التطورات في الخطاب ما دامت كانت قادرة على أن تُكسب الجماعة نفوذاً وجمهوراً جديداً. وما دام كان التيار المحافظ هو المتحكم في مفاصل التنظيم مما يحول دون وصول هذه التطورات إلى قواعد التنظيم.

وفي الحقيقة أن هذه التطورات في رؤية الإخوان لقضية الإصلاح السياسي تضمر أموراً أعمق وأعقد مما هو ظاهر، ولا بد من فهم بنية الجماعة حتى توضع هذه التحولات داخل سياقها.

فالبنية التنظيمية للجماعة تفرض نفسها في فهم طبيعة الجماعة، فمن الناحية التنظيمية تبدو الجماعة أكبر من الحزب، لكن دون الدولة. ومن ناحية البنية الفكرية وتوجهها السياسي فهي أقرب إلى مظلة جامعة لمختلف التيارات الإسلامية المختلفة في الفكر السياسي منها إلى تنظيم سياسي محدد المشروع والبرنامج. وهو ما حصل بفعل التعدد الجيلي الذي نشأ بعد انضمام طلبة الجامعات المصرية من الجماعات الإسلامية الذين ملأوا التنظيم بعد تآكله بفعل ملاحقات النظام الناصري في الخمسينيات والستينيات. كما أسهمت التغيرات الدينية في مصر من جعل التوجهات الفكرية والدينية داخل الحركة متعددة لدرجة تجمع فيها تيارات من تخوم السلفية المحافظة إلى حدود الليبرالية المتدينة.

وبالرغم من هذه التعددية داخل الجماعة فقد استطاعت إحداث حالة من التعايش “ما دام كان القاسم المشترك الرئيس الذي يجمع بينها جميعا هو القبول بالعمل التنظيمي الواحد والقبول بمبدأ التغيير السلمي التدريجي”.

ولعل أهم نتائج وتجليات هذا الأمر والذي يعبر عن أزمة الجماعة هو أن هناك خلافا داخل الجماعة لم يتم حسمه، ويبرز فيه تياران أساسيان:

  • أحدهما تقليدي لا يرى التحرك إلا وفق مطلب إصلاح سياسي شامل يتضح فيه موقع الجماعة وأفق مستقبلها. ويتوجه دائما للداخل ليقيم عالمه الخاص الذي يربي فيه “الطليعة المؤمنة” التي يعلق عليها مهمة إصلاح المجتمع. وهو تيار العمل التنظيمي الذي يدير بناء الجماعة ويمسك بمفاصلها ويتولى مسؤولية التجنيد وتحديد مراتب العضوية ومناهج التثقيف، وهو التيار الغالب في الجماعة، وأبرز رموزه محمود عزت ومحمد بديع.
  • والثاني أكثر انفتاحا يرى ضرورة الانفتاح والتفاعل الإيجابي مع المجتمع وتياراته المختلفة. وهو تيار العمل العام (أو الإصلاحي) الذي تكون ضمن العمل الطلابي والنقابي والسياسي المفتوح، والذي كان يرسم وجه الجماعة في الحياة عامة في فترة معينة، وأبرز رموزه عبدالمنعم أبوالفتوح.

كما يتسم المحافظون بتفضيل الحفاظ على نقاء الجماعة وهويتها، بينما يميل الإصلاحيون إلى تفضيل الخروج إلى العمل السياسي بما يتضمنه من إكراهات تهدد هذا النقاء.

نجحت الجماعة في الحفاظ على التعايش بين التيارين دون تصادم حتى ولاية المرشد الثامن محمد مهدي عاكف، لكن التطورات التي شهدتها الجماعة في الداخل وفي الخارج على مستوى علاقتها مع النظام أدت إلى فقدان قدرة الجماعة على الحفاظ على هذا التعايش.

الضغوط الواقعية وصعود التيار التنظيمي

تأثر خطاب الإصلاح الإخواني بمجموعة من الأحداث والتفاعلات، فالتعديلات الدستورية التي اعتمدها النظام عام 2007 كانت حسامة في خيار استبعاد الإخوان من الشرعية ومن الحضور السياسي في المستقبل، ونتائج الانتخابات المحلية التي أعلنت عن أن لا مكان للإخوان في المشهد السياسي، بالإضافة إلى حملات الاعتقالات والمحاكمات العسكرية التي طالت نخب الجماعة من أعضاء مكتب الإرشاد وأبرز قيادات التنظيم محمود عزت وغيرهم، وهو ما قام به النظام بهدف تحجيم الجماعة وإضعافها.

وقد كان لهذا تأثير على الجماعة من ناحية تراجع التفاؤل الذي كان عند تيار الإصلاحي في الإخوان، وهو ما جعل ردة فعل التيار التنظيمي متوجهة نحو نزع الشرعية عن كل الأفكار الإصلاحية التي تم بناؤها خلال التفاعل السياسي والإعلامي للإخوان قبل تلك الأحداث. وهو ما تجلى في الصياغة النهائية للبرنامج السياسي للجماعة في 2007 الذي كان ضربة قوية وعلانية موجهة للتيار الإصلاحي، والذي خرج عن مقولات العمل العام والانفتاح لتنحو نحو المحافظة.

وكانت الضربة الثانية عندما تراجعت أصوات التيار الإصلاحي داخل التنظيم في انتخابات مجلس الشورى في 2008 لحساب التيار التنظيمي ورموزه.

وتبقى عملية نزع الشرعية تتم داخل أروقة الجماعة، بينما تبقى الصورة الموجهة للفضاء العام إيجابية ومنفتحة.

ومن هنا صعد التيار المحافظ التقليدي والمتأثر في كل من سيد قطب والسلفية، وهو ما انعكس على مسار الجماعة وتوجهها التنظيمي وتشددها، وافتقادها المرونة نتيجة الحضور السلفي فيها. 

البنية التنظيمية للجماعة كمانع للانشقاق

بالرغم من الأزمة التي عاشتها الجماعة حجم التصدع الذي خلفته فإنها مرت دون انفجار أو انشقاق، ويعود ذلك حسب تمام إلى سببين رئيسيين:

  • أن التنظيم يتمدد في فترات الانفتاح السياسي، وينكمش في فترات الانسداد السياسي، مما يعمل على عودة استدعاء العلاقات الهرمية ومبدأ الطاعة للقيادة كنوع من الحفاظ على وحدة الصف الإخواني.

ففكرة التنظيم تشكل رهان البقاء على قيد الحياة بالنسبة للجماعة منذ مواجهتها مع النظام الناصري، وقد تحول التنظيم إلى أداة رئيسية للتعبئة.

  • أن التنظيم يحوي أطيافاً فكرية ومناطقية وجيلية واسعة الفروق بحيث لا يجمع بينها غير رابط تنظيمي رفيع.

ومن هذه النقطتين يتضح أن الإخوان عملوا في مشروعهم على بناء تنظيم قوي متين يمكن أن يؤدي المشروع الإسلامي للتغيير، في حين لم يُفصلوا كثيرا في معالم هذا المشروع بقدر ما عكفوا على صقل كفاءة التنظيم وقدراته وصياغته على مثال الدولة من ناحية التقسيمات الإدارية.

وبالرغم من حالات الانشقاق المتكررة سواء من علماء أزهريين أو نخب سياسية مثل نخب حزب الوسط مملثة بأبوالعلا ماضي فإن الجماعة استطاعت الحفاظ على نفسها لتلك الأسباب التي ذكرناها.

وهناك تدعيمات مهمة لاستثنائية الجماعة في بقائها بعيدا عن الانشقاق والانقسام، ففكرة مركزية العمل الجماعي ووحدة التنظيم في الفكرة الإخوانية والتدعيم الديني والفكري لها مثلت حماية كبيرة للجماعة، وهو ما تمثل في تراث وأدبيات عريضة تؤسس للعمل الجماعي والحفاظ على وحدته، واستثمار نصوص دينية لتأكيد هذه الفكرة.

ولذلك يبقى الجامع الوحيد في الجماعة هو فكرة التنظيم وفكرة مشروع الإسلام الشامل، وفي ما عدا ذلك فتوجد “تعددية فكرية تصل إلى حد التناقض داخل الجماعة تضم تيارات تبدأ من السلفية وتنتهي بالليبرالية المتدينة”.

ومن أجل بقاء الجماعة كممثل لفكرة الإسلام الشامل، فإنها لا تتبنى مذهبا فكريا أو اعتقاديا معينا، كما أنها لا تميل للحسم في القضايا الفكرية إلا مضطرة وبحسب ما تفرضه التجربة.

كما أن سياسات النظام المصري مع الجماعة له أثر كبير في حفظ تماسك الجماعة، فانعدام الأفق السياسي أو الاجتماعي أمام من يخرج عن الجماعة لا يغري بتكرار فكرة الخروج، بحيث تعتبر تجربة حزب الوسط درسا بليغا لأبناء التنظيم.

الإخوان والعلاقة الملتبسة مع الشارع

وبالاتصال مع ذكره الباحث أعلاه، خاصة في فكرتي هيمنة التيار التنظيمي التقليدي على حساب التيار المنفتح، والبنية التنظيمية للجماعة، يمكن فهم الالتباس الذي تقع به الجماعة في موقفها من الحراكات الاحتجاجية التي كانت تجتاج الشارع المصري.

فجماعة الإخوان تنتمي إلى نمط تقليدي للفعل السياسي يتمسك بمنطق وأولوية العمل من أجل إقرار أجندة إصلاح سياسي شامل للبلاد، بحيث تُضعف قدرتها على العمل الجبهوي أو التقرب الحركات الاجتماعية الجديدة التي كانت تجتاح الشارع المصري والتي تجلت أيضاً في الثورة الصرية وعلاقة الجماعة المرتبكة معها.

هذا الأمر يجعلها بعيدة عن طبيعة الحركات الاجتماعية الجديدة التي تمتاز بالمرونة وأنها بلا رأس ولا قيادة واحدة يمكن أن يُتفاوض معها، وأن حركتها أقر للشارع منها إلى القوى المنظمة. بمعنى أن الحركات الاحتجاجية الجديدة لا تخضع لنفس حسابات القوى التقليدية، فقد تغيرت ميكانيزمات التغيير الجديدة. 

تسلف الإخوان

يرد حسام تمام الإرباك الذي يظهر في مواقف الإخوان التي تميل نحو المحافظة إلى نمو توجهات سلفية كامنة في جسم الجماعة، وهو ما يعكس تحولات داخلية تؤول إلى تحول السلفية إلى تيار فاعل ومؤثر داخل الجماعة.

فبعد خروج الإخوان من السجون في عهد السادات بدأت مواسم الهجرة إلى دول الخليج والسعودية بالنسبة لآلاف من أبناء الجماعة بسبب فقدانهم مستقبلهم الوظيفي، وبسبب سياسات الملك فيصل التحديثية آنذاك وتصالح الإخوان معها، تعزز موقع الإخوان في السعودية، فتمددوا في معظم الجامعات التي تأسست في تلك الفترة، كما توسع نشاطهم الاقتصادي فيها بفعل ثورة البترول.

وتأثر الإخوان بالبيئة الوهابية السلفية من الناحية الاجتماعية والفكرية بحكم المعايشة والتعليم والتثقيف هناك، وبسبب وجود الأسر الإخوانية في بيئة مغلفة، تسرب لها المزاج السلفي، فباتت مظاهر مثل النقاب والتشدد في الملبس عن أبناء الجماعة ظاهرا لعيان، كما قل الانفتاح على الفنون والآداب وأنماط الحياة التي كانت معروفة ومقبولة لدى الإخوان.

وبالإضافة لهذا العامل، هناك رافد آخر لتسلف الإخوان، فقد توسعت السلفية الوهابية في مصر بفعل بعض ممن تأثروا بها من الشيوخ، كما أقوموا لها حواضن في الجامعات، ومع استقطاب الإخوان لطلاب الجامعات الذين كانوا خليطا من سلفيين وليبراليين متدينين، جرى التفاوض داخل الإخوان على الطبيعة السلفية الإخوانية، فشباب الصحو.

وقد تجلى الفكر السلفي في مجلة الدعوة التي أعيد إصدارها والتي بدا “أن تماهيا كان يحدث بين الإخوان والمنهج السلفي بالنظر إلى ما كانت تحتويه من آراء وأفكار أقرب للخطاب السلفي منها دعوة الإخوان”.

وفي النهاية لا بد من التأكيد على ضرورة عمل المراجعات الفكرية والنظرية من داخل الجماعة، خاصة ومع انسداد الأفق الذي تعيشه وتكرار الأحداث التي تحدث معهم كما كانت تمر عليهم سابقا دون أخذ العبرة من التاريخ. ومع الأسف فإن كل أزمة تمر بها الجماعة تمارس عليها نوعا من التغافل يضرها أكثر مما ينفعها، هذا التغافل يمارسه أبناء الجماعة بشكل متكرر مع كل أزمة يمرون بها، من لعب دور الضحية، والمزاودة على الأطراف الأخرى، والدعوات المستمرة للتمترس وراء القيادة. وكل ذلك على حساب التفكير في أسئلة الواقع الملحة، كبنية الدولة، والموقف من العمل العام، والعلاقة بين الدعوي والسياسي، وافتقار الجماعة للنخب السياسية والفكرية، وغيرها من القضايا.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات