حرب تونس «الوهمية» على الفساد

ميدل إيست آي – التقرير

بعد أسابيع من الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، أعلنت الحكومة التونسية، في أواخر الشهر الماضي، أنها شنت “حربًا على الفساد”.

بدأت “الحرب” بإلقاء القبض على عدد من رجال الأعمال البارزين في 23 مايو؛ بسبب اتهامات بالفساد. كان التحقيق معهم مرحبًا به، ومع ذلك، انتظر التونسيون حتى اليوم التالي للاستماع مباشرة لرئيس الوزراء يوسف الشاهد ليروي ما يحدث بالضبط.

قال: “في الحرب على الفساد، لا خيار، إما الفساد أو الدولة، إما الفساد أو تونس”. أضاف: “أريد أن اطمئن جميع التونسيين أن الحكومة ستخوض هذه الحرب على الفساد حتى النهاية”.

Tunisian Prime Minister Youssef Chahed gives a statement to the press at his office in Tunis on May 24, 2017. Chahed said Tunisia declared "war on corruption" after the arrest of three businessmen and a customs officer on suspicion of graft and financing protests in the North African country. / AFP PHOTO / SOFIENE HAMDAOUI

لسوء الحظ، كان بيان الشاهد موجزًا للغاية، ولم يعط مزيدًا من التفاصيل التي لم يُكشف عنها إلا بعد يومين في بيان لوزارة الداخلية. هناك ثلاثة نقاط رئيسية تسلط الضوء على الجانب الآخر لبيان الوزارة:

– أولًا، تشير التسريبات في وسائل الإعلام إلى أن فريقًا عسكريًا متخصصًا اعتقل رجال الأعمال، إلا أن البيان صدر عن وزارة الداخلية، وليس وزارة الدفاع. بالمثل، ظهر شفيق جراية بين المعتقلين، في 29 مايو، أمام محكمة عسكرية، مما يشير إلى أن قضيته في أيدي الجيش وليس وزارة الداخلية.

يواجه جراية اتهامات شديدة، من بينها “العمل لصالح جيش أجنبي”، الذي يعتقد البعض أنه قد يشير إلى علاقاته الواضحة بالجماعات الإسلامية المسلحة في غرب ليبيا، وخصوصًا تلك المتعلقة بعبد الحكيم بلحاج. مع ذلك، نفى بلحاج هذا الأسبوع علاقته بقضية جراية.

– ثانيًا، تركز التهم الموجهة ضد رجال الأعمال أساسًا على الأمن، وليس على الفساد فقط، مع التركيز على التهريب غير المشروع والتجارة غير المشروعة التي ظهرت تحت رعاية بن علي وأهل زوجته – عائلة الطرابلسي – وازدهرت في ما بعد الثورة.

– ثالثًا، إذا لم توجه أية تهم أخرى، وهو ما لم يحدث حتى الآن سوى لجراية، يشير البيان إلى أن احتجازهم سينتهي في بداية يوليو 2017.

خطوة إلى الأمام.. لكن ضد ماذا بالتحديد؟

رغم هذه التحذيرات، فأي خطوات اتُخِذت تهدف إلى المشتبه بفسادهم، والتي يبدو أن الحكومة تقوم بها، تحظى بتأييد واسع من الرأي العام التونسي، الذي يبدو أنه يرغب في اتخاذ خطوات ملموسة في هذه المعركة.

في نهاية المطاف، فالخوف أننا سنخوض حربًا مع أحد أطراف الفساد، وليس على الفساد ككل.

في الوقت الذي تتقدم فيه مكافحة الفساد في تونس، يجب أن تُتبع خطوات أساسية، بما في ذلك على وجه الخصوص مبادئ الشفافية، أولوية القوانين، والحقوق الدستورية.

رغم انتشار الكسب غير المشروع في عهد زين العابدين بن علي، إلا أنه استهدف مشبوهين بالفساد، من بينهم محاميه كامل الطائف في منتصف التسعينيات. لكن هذا كان مجرد جزء صغير في صراع أوسع بين مختلف زملائه، واتُخِذت إجراءات بن علي فقط لإعادة توزيع الغنائم.

لم يقدم الشاهد حتى الآن ضمانات تثبت أنه ليس في خدمة مصالح رئيس فاسد من بين كثيرين. لم تصدر لجنة المصادرة، وهي هيئة مكونة من قضاة، قائمة تتضمن تقارير إخبارية عن أكثر من 300 اسم من الذين ينبغي القبض عليهم للاشتباه في فسادهم.

بالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من قضايا الفساد التي عرضتها مختلف الأطراف، سواء كانت حكومية أو مدنية، والتي استمرت في تونس لسنوات، ولا زالت تنتظر قرارًا نهائيًا.

في نهاية المطاف، فالخوف أننا سنخوض حربًا مع أحد أطراف الفساد، وليس على الفساد ككل. تركز الإجراءات الأخيرة للحكومة حتى الآن على “المُهربين” في الاقتصاد غير الرسمي، باستثناء المشتبه بهم من الفساد الذين يهيمنون على الاقتصاد الرسمي.

الأرستقراطية والحثالة

ينقسم تصنيف الفساد في تونس، والذي نشأ أساسًا في عهد بن علي، لكنه واصل هيمنته بعد الثورة، إلى فئتين.

أولًا، هناك نوع قديم من الفساد متجذر في الدولة العميقة. هذا النوع ينطوي على احتكار العقود الحكومية والقروض المصرفية. أما النوع الآخر، فهو نوع جديد وأقل تطورًا من الفساد الذي يستخدمه كاناتاريا (المصطلح العامي التونسي “للمهربين”) كجزء من الاقتصاد غير الرسمي للبلاد.

ربما سأسمي الأول بـ “أرستقراطية الفساد”، والثاني طبقة “الحثالة”، في أعقاب المفهوم الماركسي لـ “لومبنبروليتريا”.

هناك أيضًا خلفية إقليمية لهذا التكوين، وهو ما يُفسر بشكل جيد في تقرير مجموعة الأزمات الدولية الذي صدر الشهر الماضي: “من ناحية، فنخبة اقتصادية راسخة من الساحل (المنطقة الساحلية الشرقية) والمراكز الحضرية الكبيرة هي التي تحمي الأنظمة القائمة وتستفيد منها. من جهة أخرى، هناك فئة جديدة من رجال الأعمال من المناطق المهمشة، الذين يقتصرون جزئيًا على التجارة غير الرسمية”.

غير أن وجهة النظر هذه تعرضت لانتقادات في الآونة الأخيرة؛ لأنها تهمش عوامل أخرى، منها الدور المُفسد الذي تقوم به المؤسسات المالية الدولية. كما أشار الباحثان ماكس غالين ومحمد ضياء الهمامي في جزء من الجدلية، فالتقرير “يُقلل من الفساد إلى أبعاده القانونية والسياسية، ويتجاهل جوانبه الأخلاقية والاقتصادية”.

دوافع بديلة

نداء تونس، الحزب الرائد في السلطة، والرئيس التونسي السبسي، لا يفعلان ما يكفي لإثبات أن ما يحدث هو في الواقع محاربة الفساد، للجمهور التونسي والمجتمع المدني.

دفع نداء تونس – ولا زال يدفع – من أجل إقرار قانون العفو عن الفساد باسم “قانون المصالحة”، الذي قدمه السبسي لأول مرة للبرلمان في يوليو 2015. تأجلت مناقشته في إحدى اللجان البرلمانية إلى أجل غير مسمى في أوائل مايو، قبل أن يُطرح على الطاولة مرة أخرى بعد عدة أسابيع.

ذهبت الحكومة إلى العمل نتيجة لتزايد الغضب الشعبي ضدها، أي ضد تعاملها مع الفساد. على مدى الأسابيع القليلة الماضية، أعلن أعضاء المجتمع المدني التونسي والمعارضة، وحتى شرائح التحالف في السلطة، أنهم معارضون تمامًا، أو على الأقل، يطالبون بتنقيح رئيسي لـ “قانون المصالحة”.

لكن هناك سبب آخر وراء اندلاع الحرب الظاهرة على الفساد، والتي تنطوي على صراعات سياسية داخل القيادة الحالية. في شهر أبريل، أفاد المغرب العربي أن العديد من الأشخاص المؤثرين المشتبه في فسادهم، وخاصة في الحزب الحاكم، كانوا يستعدون للإطاحة بالشاهد لحساب أحد وزرائه، فاضل عبد الكافي، بعد شهر رمضان.

أفادت صحيفة جون أفريك أن مصدرًا مجهولًا “قريب من رئيس الوزراء” قال إن اعتقال رجال الأعمال مرتبط فعليًا بتهريب الأسلحة إلى ليبيا، مما يعني أن الأمن القومي والإرهاب والصراع الليبي قد يكون في الواقع قلب هذه الاعتقالات.

هذا هو أحد الأسباب التي تجعل المراقبين والمجتمع المدني وأحزاب المعارضة يشككون بشكل متزايد في نوايا حكومة الشاهد.

يشير كثيرون بالفعل إلى الحملة الأخيرة كوسيلة لتحويل الانتباه عن الاضطرابات الاجتماعية في أجزاء كثيرة من البلد، خاصة في المناطق التي توجد بها آبار نفطية مثل تطاوين. في هذا السياق، توفي أحد المتظاهرين الشباب، أنور السكرافي، بعد أن أصابته سيارة تابعة لقوات الأمن، حيث اعتصم المتظاهرون اعتصامًا سلميًا في وسط الصحراء.

تتقارب هذه الاحتجاجات بصورة متزايدة، وتؤدي إلى مزيد من المطالب – بما في ذلك تأميم الموارد الطبيعية والتنفيذ العاجل للامركزية – التي تشكل إشكالية لحكومة تتزايد مصداقيتها، وتحتاج إلى إرساء قواعدها في نظر الرأي العام.

هذا هو بالضبط لماذا سبب انطلاق حملة ما تُسمى بمكافحة الفساد. لكن حتى نحصل على مزيد من التفاصيل والضمانات، ستظل مشكوكًا فيها.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات