حب بين فلسطيني وإسرائيلية.. رواية تهدد الهوية اليهودية

 الغارديان – التقرير

قبل عام، وجدت الروائية الإسرائيلية دوريت رابينيان نفسها في قلب عاصفة غير متوقعة. ذلك حين تم اختيار كتابها الثالث، “كل الأنهار” -الذي يروي علاقة بين فنان فلسطيني يُدعى حلمي، وامرأة إسرائيلية تُدعى ليات- كأحد المناهج الدراسية الوطنية. ثم فجأة، منعتها وزارة التعليم بسبب موضوعها.

هذه المحاولة للرقابة -كما اعترفت رابينيان- كان لها جانبًا إيجابيًا، حيث تضاعفت مبيعات روايتها منذ أن أصبحت مثار الجدل في حروب الثقافة الإسرائيلية في يناير 2016. تُترجم الرواية الآن إلى 20 لغة، كما نُشرت في المملكة المتحدة الشهر الماضي، حيث تستعد رابينيان للقيام بجولة فيها للترويج للرواية.

كانت معالجتها تدور حول الائتلاف اليميني الذي استهدفته حكومة بنيامين نتنياهو من خلال وسائل الإعلام والفنون، بجانب صُناع الوثائقيات والمنظمات غير الحكومية الهامة التي لا تنال إعجابها.

في حين أن هناك أشياء تُفضل رابينيان أن تنساها -بما في ذلك التهديدات التي تلقتها- إلا أن الأربعة عشر شهرًا التي مضت منذ رفض الكتاب من المناهج الدراسية أكدت من وجهة نظرها كما تقول. “ما زلت أجد أنه رائع. أعتقد أن الأشهر التي مرت منذ جعلتني أتيقن من أسباب الحظر. هذا جعلني ألقي نظرة على الوضع الراهن في إسرائيل”.

بالنسبة لرابينيان، كان ذلك يعني دراسة كيف يعتبر البعض أن الفن في إسرائيل خطير.

“الفن والأدب هما نداء سحري للهوية والتعاطف. كيف يتم نقل هوية عبر الأدب إلى هويتك الخاصة بحيث تبدأ في الاهتمام لأمر شخص غريب وخيالي، حتى أنك تتسرب إلى مسام جلده وتنظر من خلال عينيه. هذا هو مصدر قوة الأدب. فهو ترياق يمكننا من التسلّح بدرع ضد الجهل واللامبالاة. لأنه إذا كنت حقا تشعر بكل شيء، إذا كنت لا ترتدي هذا الدرع، فهذا مؤلم جدًا”.

كما ترى رابينان أن التعاطف الذي تحرّض عليه الرواية بدا للبعض أنه تهديد لإسرائيل الحديثة. تذكر رابينيان، أثناء جلوسها في مقهى بإحدى ساحات القدس المحتلة، أن اللحظة التي علمت فيها أن كتابها يُعد تخريبيًا، كان لها معنى مختلف بالنسبة لها، وهي الرغبة في تذكر فنان فلسطيني التقت به في نيويورك، وتوفي فجأة.

“تلقيت مكالمة من صحيفة في هآرتس، الصحيفة التي يمكنها عرض القضية برمتها. كي نكون صادقين، كنا نضحك في البداية لأن الأسباب المُقدمة لرفض الكتاب تبدو سخيفة جدًا. منها أن هذا الكتاب يُعد لغمًا يهدد الهوية اليهودية؛ لأنها قد تشجع القراء الشباب على التفاعل بشكل أكبر مع السكان غير اليهود في البلاد”.

هذا هو بالضبط الطريقة التي حكمت بها اللجنة التربوية في وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية -في قرار بدعم من وزير التعليم اليميني المتطرف نفتالي بينيت- على الكتاب.

مسؤولة وزارة التعليم داليا فينج تقول في شرح مكتوب لأسباب رفض الرواية: “العلاقات الحميمة، وبالتأكيد الخيار المتاح لإضفاء الطابع الرسمي عليها عن طريق الزواج وبدء الأسرة -حتى لو لم يحدث ذلك في القصة- بين اليهود وغير اليهود، ينظر لها جزء كبير من المجتمع على أنها تهديد للهويات المنفصلة للعرب واليهود”.

في نهاية المطاف، اتخذت الوزارة خطوة صغيرة إلى الوراء، مما سمح للمعلمين الأفراد باستخدام الكتاب في المدارس إذا أرادوا ذلك. بالنسبة لرابينيان، فالضرر كان حدث بالفعل، فتقول إن المفارقة أن من يضعون أنفسهم ضد كتابها يسيئون فهم أحد مواضيعه الرئيسية، وهو الخوف من فقدان الهوية.

“كان على اليهود، عندما تم نفيهم، الحفاظ على هوياتهم المنفصلة بين المجتمعات التي عاشوا فيها. كان عليهم أن يبنوا حدودًا وهذا المفهوم للعزلة ينعكس في الرواية. شخصيتي الرئيسية ليات تجسد هذا الخوف من الضياع، بعد ابتلاع هويتها من قِبل أحد أفراد أسرتها. حقيقة أنه فلسطيني فيما تمتلك هي هذه الفكرة عن نفسها تعكس شيئًا هامًا. يمكنك أن تُبعد الفتاة من الشرق الأوسط ولكن لا يمكنك أن تُزيل الجدران الداخلية للفتاة. أن يكون هذا سبب عدم تدريسه، فهذه نكتة جيدة!”.

تميز رابينيان بين الهوية ومفهوم الهوية التي يستدعيها السياسيون القوميون، والتي تصفه بأنه “مثل الظل الذي يغرق”.

في حين كانت تكتب، كان لديها على المائدة كتاب من الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس. “إنه يعلمنا أننا نستطيع أن نسترد إنسانيتنا من خلال الاهتمام ليس فقط بمنظورنا، ولكن من خلال رؤية تفاصيل الآخر بين جموع البشر”.

اليوم، تواجه رابينيان رد الفعل على روايتها في إطار حملة أوسع من قِبل الوزراء في حكومة نتنياهو، والتي تستهدف التمويل والدعم للفنون التي لا تعكس وجهات نظرهم اليمينية.

في اليوم الذي نجتمع فيه، يُثار جدلًا جديدًا حول تمويل إنتاج الأفلام والأفلام الوثائقية، وخاصة بعد بث سلسلة وثائقية جديدة حول حياة السجناء الأمنيين الفلسطينيين. “إنها مؤامرة فعالة جدًا لتخدير عناصر العقل الإسرائيلي، حتى إنهم لا يدركون كم يتم التلاعب بهم. كم يخدمون دوافع وطموحات السياسيين الذين يستمدون قوتهم من هذا الجهل” كما تقول رابينان.

إذا كان الجدل حول كتابها لا يزال مفاجئًا لها، فهذا لأنها بدأت في كتابة شيء شخصي بشدة، استوحته من مقتل حسن حوراني في حادث غرق، والذي دفعها إلى كتابة مقال طويل للجارديان عام 2005.

“أردت إحياء ذكرى شخص عرفته في نيويورك. كان فنانًا فلسطينيًا فقد حياته بعد بضعة أشهر من لقائي به. شعرت بالمسؤولية عن رواية تفاصيل شهره الأخير. كانت الرواية عملًا من أعمال الإنقاذ. أنا لا أعتبر نفسي شجاعة، بل أشعر بالحاجة للقول إنني أجد الصداقة أهم من الحب الرومانسي، خاصة بالنسبة للأفراد الذي يعانون من صراع بين الحياة والموت”.

شعر وزير التعليم بينيت بحساسية تجاه رابينيان. “هو عدائي. لم أتصور يومًا قول هذا… كنت في حدث واختبأت وراء الستار حتى لا نضطر إلى المصافحة”. إلا أنها تلقت دعمًا من حيث لم تتوقع، “حصلت على رسالة من أنجيلا ميركل، التي قرأت الترجمة الألمانية. هذا غير متوقع. أنا محظورة من قِبل سياسي إسرائيلي في حين أن الزعيمة الألمانية تتعطش للقراءة لي”.

أخيرًا، ما يبدو أنه يزعج رابينيان أكثر من أي شيء آخر ليس تورطها في الحروب الثقافية الأخيرة، ولكن الأثر التراكمي لرغبة بعض القيادات السياسية الإسرائيلية في منع النقاش. تقول إن النتيجة لا تقتصر على رفض جزء من إسرائيل الحالية ولكن مستقبلها أيضا. “إذا كنت تسمح بمنظور واحد فقط، فأنت تُضيّق العالم. بالتالي سنفقد شيئًا مهمًا لتفسير مستقبلنا. إلى أين نذهب”.

 المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات