“حار جاف صيفا”.. فيلم قصير عن ميلاد الأمل من رحم العتمة

ياسمين عادل فؤاد – التقرير

القاهرة.. هي بلد على كل دفئها وطيبتها، إلا أنها تنجح في قهر أبنائها يوميًا، في الوقت نفسه وعلى كل ما بها من قَهر ووجع وخبطات، إلا أنها من بين العَدَم، يُمكن أن تُعيد لك إيمانك، وأملك بأن الحياة لن تنتهي هنا، وأنك قادر على أن تخرج من وسط العتمة إلى النور، ولو لبعض الوقت.

فيلم “حار جاف صيفًا”، أحد الأعمال التي ترسم الصورة السابقة بحرفية ومهارة، تجعلنا لا نعرف هل علينا أن نغضب أم نفرح؟ أن نكون ساخطيين أم راضيين؟ أن نبحث عن طريقة للهروب من هذا الواقع المُخيف، أم نؤمن أننا من وطنننا وإليه نعود؟

102

“حار جاف صيفًا”

فيلم درامي قصير إنتاج 2015، مدته الزمنية حوالي نصف ساعة، إخراج شريف البنداري، إنتاج (مصري-ألماني) مشترك، سيناريو نورا الشيخ، التصوير السينمائي لڤيكتور كريدي، أما البطولة فكل من: محمد فريد، ناهد السباعي، دنيا ماهر، ومحمد عبدالعظيم.

اشترك الفيلم في العديد من المهرجانات العربية والعالمية، التي تجاوز عددها الــ40 مهرجانًا، أشهرهم:

  • مهرجان دبي السينمائي الدولي عام 2015. (أول عرض للفيلم)
  • مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة في دورته الـ18.
  • مهرجان Clermont-Ferrand Short Film Festival بفرنسا في دورته الـ38.
  • مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 2015.

كذلك نجح الفيلم في الفوز برضا النقاد استحسانهم، إضافة لاغتنام الكثير من الجوائز، وصل عددها لــ17 جائزة، أهمهم:

  • جائزة أفضل فيلم روائي قصير، في مهرجان الفيلم العربي بسان فرانسيسكو.
  • جائزة أفضل فيلم روائي قصير، ضمن فعاليات مهرجان مالمو للسينما العربية بالسويد.
  • جائزة أفضل فيلم قصير، في مهرجان وهران.
  • جائزة أفضل فيلم روائ103ي قصير، في ملتقي ظفار للفيلم العربي بسلطنة عمان.
  • جائزة أفضل فيلم روائي قصير، في مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، إضافة لجائزة “act” الممنوحة من نفس المهرجان.
  • جائزة أفضل فيلم روائي قصير، بقيمة 24 ألف جنيه من المهرجان القومي للسينما.
  • جائزة مؤسسة (Robert Bosch Stiftung) السينمائية الألمانية للفيلم الروائي القصير، وقدرها 60 ألف يورو.

قصة الفيلم

قصة الفيلم تشبه عالم قصص يوسف إدريس القصيرة، التي اعتدنا دراستها صغارًا، أو قرائتها كبارًا، حيث تدور الأحداث في مناخ قاهري شديد الحرارة والجفاف، وسط زحام وسط البلد من جهة، وصخبها من جهة أخرى.

هناك نلتقي في عالم ضيق، كما يليق بـ”تاكسي” ببطلي الفيلم:

 الرجل العجوز المصاب بالسرطان، الذي يذهب وحيدًا لطبيب الأورام الألماني -الذي جاء للقاهرة في زيارة قصيرة- من أجل أن يعرض عليه الآشعة الخاصة به عساه يمنحه أملاً بالشفاء.

والفتاة البسيطة، الوحيدة في ليلة زفافها، التي لا تحلم سوى بفستان الفرح، وصور زفاف تجمعها بالرجل، الذي اختارته لينصرها على الدنيا.

تتقاطع طُرق الاثنين، بشكل يبعث على القلق والتوتر، ورغم كل الأشياء التي تتداعى على كاهل كل منهما، وخيبات الأمل التي تطاردهما، فإن الحياة تُفاجئهما، حين يجد كل منهما ملاذه في الآخر بطريقة ما، فتنحل العُقَد التي تواجههما في ذلك النهار، وينجح كل منهما في منح الآخر شعورًا بالرضا، ومعنى جديدًا للحياة.

على أمل بعَيش الكثير من اللحظات والتجارب المُستقبلية، التي تستحق أن نظل أحياءً لأجلها، ما تثبته النهاية البديعة، حين تنقلنا -بسرعة وذكاء- بين عالمين تقاطعا يومًا مُصادفةً، فأصبحا نقطة نور فارقة في حياة بعضهما البعض.

104

الإخراج

“حار جاف صيفًا” فيلم قصير للمخرج “شريف البنداري”، الذي صرح بأن العمل على هذا الفيلم استغرقه  4 سنوات كاملة، خصوصًا مع ذهابه لجهات كثيرة، من أجل تمويل الفيلم، أولها المركز القومي للسينما، الذي طالب بتخفيض الميزانية لــ20% فقط من قيمتها، ما جعله يرفض، فيعاود البحث عن مموليين آخرين، ليحصل في النهاية على تمويل ألماني، كان سيجعل الفيلم يكون إنتاجًا ألمانيًا بحتًا، لولا مساهمة المنتج صفي الدين محمود، الذي بسبب مشاركته أصبح الفيلم إنتاج ألماني-مصري مشترك.

ويتميز المخرج شريف البنداري باهتمامه بالتفاصيل، التي تظهر بوضوح، فتصبح جزءًا من روح العمل، منها هنا على سبيل المثال (زجاجة المياه المثلجة، شنطة الأشعة الصفراء، بوكيه الورد، الآيس كريم، أغنية عبد الوهاب…) وتفاصيل أخرى كثيرة، اكتظ بها الفيلم رغم قصره، ومن الأشياء التي يُجيدها المخرج، أيضًا حُسن إدارته لفريق العمل، الذي يجعلنا ننسى الممثلين، ونتسق تمامًا مع الحالة التي يُقدمها لنا العمل.

كذلك برع البنداري في توظيفه للمكان، فاختياره لشوارع وسط البلد للأحداث، كان اختيارًا مثاليًا، وحميميًا بما يكفي، للزَج بنا داخل العمل، وسط معاناة أبطاله، ولجأ المخرج لاستخدام عدسات طويلة المدى بالتصوير، حتى لا يلفت انتباه المارة، فتخرج المشاهد طبيعية وصادقة.

 اختيار التاكسي كذلك، كمكان للكثير من الأحداث كان موفقًا، فهو مكان يقضي فيه الكثير منا أوقاتًا طويلة من اليوم، خصوصًا مع زحام القاهرة اللعين، والمعروف ما يجعله قريبًا إلى قلوبنا، بجانب كونه صغيرًا بما يكفي، ليعكس لنا كيف تقوم الدنيا بتضييق الخناق على أرواحنا، فلا يسعنا أحيانًا سوى اللجوء للغرباء.

105

التمثيل

لعب دور البطولة في هذا الفيلم، الفنان “محمد فريد” الذي عاد بعد طول غياب، يُقدم عملاً على قصره، يُمكن تصنيفه وبقوة أفضل الأعمال، التي قدمها خلال مشواره الفني الطويل، ورغم قلق محمد فريد من الدور، خصوصًا مع اضطراره لحلق شعره تمامًا ليتناسب مع الشخصية التي يلعبها، إلا أن ذلك لم يمنعه من إجادة لعب الدور بكل ما به من وَهَن ومَرَض، وقلة حيلة، حتى أن المُشاهد يصعب عليه تخيل أي شخص آخر، يؤدي نفس الشخصية.

“ناهد السباعي” ممثلة شابة، تعرف جيدًا كيف تختار أدوارها بعناية، لا يهمها طول الدور من قصره، أو كَون العمل الذي تقدمه جماهيريًا أم فنيًا، كل ما يهمها أن يُضيف لها الدور بقدر ما تضيف له، يُحسب لها أيضًا عدم قلقها من ظهورها دون مكياج، واقتصار هيئتها على الفتاة الشعبية، بنت الطبقة الكادحة، وأجادت ناهد السباعي دورها إلى حَدٍ كبير.

ممن اشتركوا بالعمل أيضًا:

محمد عبد العظيم، الذي لعب دور سائق التاكسي، فنجح في التعبير عن انفعالات الشخصية، كذلك “دُنيا ماهر”، التي غيرت جلدها تمامًا في هذا الدور، فأجادت لعب دورها، ورغم ظهورها في عدد قليل من المشاهد، فإن اهتمامها بتفاصيل الشخصية بدا واضحًا، وجاءت نتائجه إيجابية.

المكياج والملابس

كانا أيضًا من التفاصيل، التي انتبه إليها صناع العمل، فجاءا معبرين عن الحالة التي يُقدمها الفيلم.

106

حار جاف صيفًا.. هو فيلم على بساطته، إلا أنه “متعوب عليه”، سواء على مستوى الصناعة، أو حتى على مستوى الحدوتة، التي يقدمها لنا شريف البنداري، ليُثبت لنا أننا قادرون على التحدي، وتجاوز الصعاب والأزمات، مهما بدت مستحيلة أو مُفاجئة، ليس لأننا الأقوى، ليس لأننا الأذكى، لكن لأن هذه هي طبيعة الحياة في “قاهرتنا”، التي بقدر ما تهزمنا وتؤذينا، إلا أنها لا تلبث أن تمنحنا من يَمد لنا يد العون فننجو.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    منذ بداية ثورات الربيع العربي، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الدردشة وصفحات الإنترنت تغيرًا ملحوظًا في توجهات شريحة كبيرة من الشباب العربي وتحديدًا المثقفين منهم، نتيجة لتسارع أحداث هذه الفترة، فظهرت على إثر ذلك مصطلحات وألفاظ ومفرادت جديدة ومبتكرة تولدت من رحم هذه الأزمة؛ لتُعبّر عما يختمر في أذهان كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استحدث الشباب طريقة كتابية جديدة هي خليط من الحروف العربية والإنجليزية (تسمى الفرانكوأراب أو الأنجلوعربية) تعبيرًا عن تسارع الأحداث وكلغة مبتكرة وسريعة..

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

        “سيدي الأستاذ النابغة: محسوبُك كاتب هذا – الأسطى حنفي أبو محمود – من كان له الشرف أن يُقلك فى عربته مرارًا، إما منفردًا أو مع زمرة من إخوانك...

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    عثمان جمعون – مدير نشر موقع الشمال24 منذ مغادرتي لمقاعد المدرسة، وأنا أجد تعظيما مبالغاً فيه للشواهد التعليمية، حيث أنه لا يمكنك أن تقدم شيء ذا بال لدى الدولة...

    المزيد من التدوينات