توحش أمريكا للحروب.. كيف له أن ينتهي؟

بوسطن غلوب – التقرير

إن كان للسياسة الخارجية الأمريكية هدف واحد أهم من أي شيء آخر، فهو إبقاء الولايات المتحدة خارج أي حرب جديدة، سواء في سوريا أو كوريا الشمالية أو في أي مكان آخر. في الأيام الأخيرة، ضرب الرئيس ترامب سوريا بصواريخ “توماهوك”، كما قصف أفغانستان بأقوى قنبلة غير نووية في ترسانة الولايات المتحدة، علاوة على إرسال أسطول نحو كوريا الشمالية المُسلحة نوويًا. يمكننا أن نجد أنفسنا بسهولة في حرب تصاعدية سريعة، وهي حرب يمكن أن تصيب الولايات المتحدة مباشرة من قِبل البلدان النووية المسلحة مثل الصين وكوريا الشمالية وروسيا.

هذه الحرب، إذا تحولت إلى نووية وعالمية، يُمكنها أن تُنهي العالم. حتى الحرب غير النووية يمكن أن تنهي الديمقراطية في الولايات المتحدة، أو ربما تقضي على الولايات المتحدة كدولة موحدة. من كان يعتقد أن حرب الاتحاد السوفياتي في أفغانستان ستنهي الاتحاد السوفياتي نفسه؟ أي من المتحاربين في بداية الحرب العالمية الأولى توقع النهاية الكارثية لأربع إمبراطوريات عملاقة – بروسيا، روسيا، الدولة العثمانية، والنمسا – نتيجة للحرب؟

هذه آفاق مرعبة، وقد تبدو غير واقعية، بل ومنافية للعقل. لكن ترامب متهور وغير مستقر وعديم الخبرة. كما تتأرجح سياسته الخارجية بعنف من يوم لآخر، حيث يوجه تهديدات، مثل مهاجمة كوريا الشمالية، والتي يمكن أن تكون لها عواقب مروعة بل كارثية.

اتذكر اللجنة التنفيذية لحزب المؤتمر الوطني في مواجهة أزمة الصواريخ الكوبية. كان العديد من المستشارين العسكريين لكيندي قد يقودوننا إلى حرب نووية حرارية. إلا أن أخوة كينيدي وجون وروبرت، برؤوسهم الهادئة وإحساسهم العميق بالمسؤولية، أنقذونا رغم من مستشاريهم، وليس بسببهم. يجب علينا جميعًا أن نرتعد عند التفكير في اجتماع اللجنة التنفيذية في وقتنا هذا.

من المؤسف القول إن تاريخ الحرب في أمريكا ليس مشجعًا. حرب أمريكا المشرقة في الحرب العالمية الثانية ودورها الإيجابي، لا ينبغي أن يحجب العديد من الحروب الكارثية التي تختار أمريكا خوضها، عندما ذهبت أمريكا إلى الحرب لأسباب معيبة للغاية وانتهى بها المطاف إلى الدمار في الداخل والخارج.

كانت حروب أميركا المُكلفة في الاختيار مدفوعة بعوامل كثيرة. أخذ الرئيس وليام ماكينلي أمريكا للحرب ضد إسبانيا عام 1898 بحثًا عن إمبراطورية في الخارج. كما أدخل الرئيس وودرو ويلسون أمريكا في الحرب العالمية الأولى في وقت متأخر، عام 1917، سعيًا وراء رؤيته الغريبة أن “الحرب تنهي جميع الحروب”، بدلًا من المساعدة في الدخول في “السلام لإنهاء كل الحروب”. الرئيس ليندون جونسون أيضًا أغرق أمريكا في الحرب في فيتنام عام 1964؛ لحماية نفسه في الأساس من التهم اليمينية بأنه “ضعيف في الشيوعية”.

أما الرئيس جورج دبليو بوش فورط أمريكا في الحرب في أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 لإطاحة بطالبان وصدام حسين، وفقًا لخطة لعبة المحافظين الجدد الساذجة؛ لتخليص الشرق الأوسط الكبير من الأنظمة المعادية لمصالح الولايات المتحدة. مؤخرًا قام الرئيس باراك أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بتمديد هذه الحروب إلى ليبيا وسوريا عام 2011 للإطاحة بمعمر القذافي وبشار الأسد.

أما الآن، وبعد أسابيع قليلة من رئاسته، يبدو أن ترامب مستمر أو يوسع حروب أسلافه، بينما يهدد بشن حرب مع كوريا الشمالية المسلحة نوويا.

هناك ثلاث نقاط رئيسية حول اختيار هذه الحروب:

أولًا، في الحرب الإسبانية الأمريكية، وحرب فيتنام، وحروب الشرق الأوسط، بدأت الولايات المتحدة في مهاجمة الدول الأخرى أولًا، أي أنها لم تكن في موقف الدفاع عن النفس، كما هو الحال في الحرب العالمية الثانية.

وسّع ليندون جونسون الحرب في فيتنام بحجة أن فيتنام الشمالية هاجمت المدمرة الأمريكية “مادوكس” في خليج تونكين، ولكنه كان يعلم أن الادعاء كاذب. كما لم يهاجم صدام أو القذافي أو الأسد الولايات المتحدة. في حالة العراق كانت الذريعة هي أسلحة الدمار الشامل التي لم يعلنها صدام. أما بالنسبة للیبیا وسوریا، فقد زعم أن التدخلات الأمیرکیة کانت لأغراض إنسانیة؛ لحمایة السکان المدنیین من القذافي والأسد. في كلتا الحالتين، انتهى السكان المدنيون بأضرار مروعة من التدخلات الأمريكية.

ثانيًا، منذ ولادة الأمم المتحدة عام 1945، فمثل هذه الحروب يُصنفها القانون الدولي بأنها ضده. يسمح ميثاق الامم المتحدة بحروب الدفاع عن النفس والإجراءات العسكرية التي اتفق عليها مجلس الأمن الدولي. كما يجوز لمجلس الأمن الدولي أن يوافق على التدخلات العسكرية؛ لحماية السكان المدنيين من الجرائم التي ترتكبها حكومتهم بموجب مبدأ “مسؤولية الحماية”. لا يمكن لأي بلد أن يذهب وحده إلا في حالة الدفاع عن النفس.

يرفض العديد من الأمريكيين مجلس الأمن الدولي على أساس أن روسيا ستستخدم الفيتو ضد كل إجراء مطلوب. لكن هذا ليس هو الحال على الإطلاق. فروسيا والصين وافقتا بالفعل على التدخل العسكري في ليبيا عام 2011 من أجل حماية السكان المدنيين الليبيين. لكن بعد ذلك استخدم الناتو قرار الأمم المتحدة كذريعة للإطاحة بالقذافي، وليس فقط لحماية السكان المدنيين.

كما تعاونت روسيا والصين مؤخرًا مع الولايات المتحدة لتحقيق الاتفاق النووي مع إيران، واعتماد اتفاق المناخ في باريس، واعتماد أهداف التنمية المستدامة. بالتالي فالدبلوماسية ممكنة.

ثالثًا، كانت هذه الحروب المُختارة كوارث، واحدة تلو الأخرى. في الحرب الإسبانية الأمريكية، اكتسبت الولايات المتحدة امبراطورية ومزارع خصبة في كوبا، لكن أيضا عقودًا من عدم الاستقرار السياسي في ذلك البلد والفلبين التي أدت في نهاية المطاف إلى استقلال الفلبين وثورة مناهضة للولايات المتحدة في كوبا.

في الحرب العالمية الأولى، تحول تدخل الولايات المتحدة إلى انتصار فرنسا والمملكة المتحدة على ألمانيا والإمبراطورية العثمانية، لكن تلا ذلك تسوية سلمية كارثية، بجانب عدم الاستقرار في أوروبا والشرق الأوسط، وصعود هتلر في الفوضى التي تلت ذلك بعد 15 عامًا.

في فيتنام، أدت الحرب إلى مقتل 55 ألف أميركي ومليون أو أكثر من الفييتناميين الذين قُتلوا، وجرائم إبادة جماعية في كمبوديا المجاورة وزعزعة استقرار الاقتصاد الأميركي، وفي نهاية الأمر انسحاب أميركي.

في أفغانستان والعراق وليبيا، هزمت القوات بقيادة الولايات المتحدة أنظمة تلك الدول بسرعة، لكن السلام والاستقرار ثبت أنهما بعيد المنال. كما تعثرت جميع هذه البلدان باستمرار في الحرب والإرهاب والمشاركة العسكرية الأمريكية.

في سوريا، لم تنجح الولايات المتحدة حتى في إسقاط الأسد، حيث كان للأسد حلفاء أقوياء مثل روسيا وإيران. تصاعد تدخل أميركا للإطاحة بالأسد إلى حرب كاملة بالوكالة شارك فيها العديد من الدول والجماعات الجهادية، وبطبيعة الحال دخول داعش إلى سوريا.

ليس من الصعب جدًا أن ينقاد الجمهور الأمريكي للحرب، حتى ولو كان ذلك مضللًا بشكل فظيع، إذا ادعت الحكومة زورًا أن الولايات المتحدة تتعرض للهجوم أو تعمل في خدمة قضية إنسانية كبرى. مع ذلك كانت هذه هي الذرائع، وليست الأسباب الحقيقية، للحروب. فغرق سفينة “مينس” في ميناء هافانا عام 1898، الذي يُحتمل أن سببه كان انفجار الفحم على متن السفينة، أدى إلى اندلاع الحرب عندما اتُهم الإسبان بإغراقها. كما تبين أن أسلحة الدمار الشامل لصدام حسين لم تكن موجودة. كذلك كان الادعاء بأن القذافي على وشك ارتكاب إبادة جماعية ضد شعبه مجرد الدعاية.

الحرب الحالية في سوريا هي مثال آخر على ذلك. تدخلنا هناك لدعم تمرد ضد بشار الأسد، وهو ظاهريًا سببًا إنسانيًا. لكننا نعرف من “ويكيليكس” ومصادر أخرى أن الاستراتيجيين الأمريكيين كانوا يبحثون عن وسيلة للإطاحة بالأسد لسنوات قبل 2011، على أمل أن عدم الاستقرار الاقتصادي والتقشف المدعوم من صندوق النقد الدولي من شأنه أن يؤدي هذه المهمة.

كانت الولايات المتحدة تريد ذلك بسبب دعم إيران للنظام. عندما اندلع الربيع العربي أوائل عام 2011، حكمت إدارة أوباما على أن هذه هي اللحظة المناسبة لدفع كل من الأسد والقذافي إلى الرحيل. كانت عملية إزالة القذافي تتطلب حربًا بقيادة حلف شمال الأطلسي على مدى عدة أشهر، في حين لا يمكن عزل الأسد بسبب دعمه من إيران وروسيا.

عندما أظهر الأسد سلطته في البقاء، أمر أوباما وكالة المخابرات المركزية بتنسيق الجهود مع تركيا لهزيمة النظام؛ من خلال دعم المقاتلين المناهضين للنظام على الأرض. هكذا، تحول خروج الأسد السريع الذي حلم به الاستراتيجيون الأمريكيون إلى حرب إقليمية كاملة، حيث تتنافس الولايات المتحدة وتركيا وروسيا وإيران على السلطة، من خلال مقاتلين بالوكالة بما في ذلك الجماعات الجهادية.

أعتقد أن هناك أربعة إصلاحات للسياسة الخارجية حيوية لإخراجنا من هذه الفوضى المتنامية.

أولًا، ينبغي إعادة هيكلة وكالة المخابرات المركزية بشكل جذري، لتكون وكالة استخباراتية فقط بدلًا من جيش سري. عندما تم إنشاء وكالة المخابرات المركزية عام 1947، أُعطيت أدوارًا مختلفة جدًا من الاستخبارات والعمليات السرية. كان ترومان يشعر بالجزع إزاء هذا الدور المزدوج، وقد أثبت الوقت أنه كان على حق.

كانت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) ناجحة جدًا عندما قدمت معلومات استخباراتية رئيسية، ولكنها كارثة غير متعمدة عندما كانت بمثابة الجيش السري للرئيس. نحن بحاجة إلى إنهاء المهام العسكرية لوكالة المخابرات المركزية، لكن ترامب وسّع مؤخرا صلاحياتها بمنحها سلطة إصدار الضربات بدون طيار بدون موافقة البنتاجون.

ثانيًا، من الحيوي أن يستعيد الكونجرس دوره في اتخاذ القرارات بشأن الحرب والسلام. هذا هو دوره الدستوري، بل ربما دوره الدستوري الأهم بوصفه حصنًا للحكم الديمقراطي. غير أن الكونجرس تخلى تمامًا عن هذه المسؤولية. عندما يلوح ترامب بالسيف نحو كوريا الشمالية، أو يُسقط القنابل على أفغانستان والعراق وسوريا واليمن، صمت الكونجرس. لم يحقق أو يمنح أو يلغي أي سلطة تشريعية لمثل هذه الأعمال. هذا هو أكبر تقصير في واجبات الكونجرس. يتعين على الكونجرس أن يستيقظ قبل أن يطلق ترامب حربًا مهلكة وخطيرة مُحتملة ضد كوريا الشمالية المُسلحة نوويًا.

ثالثًا، من الضروري كسر السرية حول صنع السياسة الخارجية للولايات المتحدة. الأكثر إلحاحًا هو أننا بحاجة إلى تحقيق في تدخل أميركا في سوريا؛ حتى يتمكن الجمهور من فهم كيفية وصولنا إلى الوضع الحالي. بما أن الكونجرس ليس من المرجح أن يقوم بذلك، وبما أن السلطة التنفيذية لن تفعل ذلك بالطبع، فالمسؤولية تقع على عاتق المجتمع المدني، وخاصة الأكاديميين وغيرهم من خبراء السياسة العامة، من أجل توحيد مهمة جمع المعلومات والإبلاغ عنها.

رابعًا، نحن بحاجة ماسة للعودة إلى الدبلوماسية العالمية داخل مجلس الأمن الدولي. نعم، روسيا ستستخدم الفيتو ضد العديد من المقترحات الأمريكية، والعكس بالعكس. لكن هذا هو بالضبط النجاح في إبرام اتفاقات دبلوماسية، مثل الاتفاق النووي الإيراني واتفاق باريس بشأن المناخ، الذي سيمكننا من البقاء على قيد الحياة.

نحن في الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى، ولاحظ عدد لا يحصى من المؤرخين أوجه التشابه بين ذلك الوقت ووقتنا هذا. عشية الحرب العالمية الأولى، كان الاقتصاد العالمي مزدهر، كذلك التكنولوجيا والعلوم، ولم يبد أن هناك حربًا عالمية ستندلع. مع ذلك، فديناميكية التكنولوجيا والاقتصاد العالمي تثيران الخوف والكراهية بين القوى الكبرى. نظرت الإمبراطوريات المتنافسة في مواقفها على أنها محفوفة بالمخاطر، واعتقدت أن الحرب يمكن أن تكون حلًا لتلك المخاوف.

الفرق الرئيسي هو بالطبع قدر التدمير المروع الذي لا يُضاهى اليوم. كما قال جفك في خطابه الافتتاحي قبل نصف قرن، “إن العالم مختلف جدًا الآن. لأن الرجل يحمل في يده السلطة للقضاء على جميع أشكال الفقر البشري وجميع أشكال الحياة البشرية “.

وضعت أمريكا مستوى من الثروة والإنتاجية والدراية التكنولوجية التي لا يمكن تصورها تماما في الماضي. مع ذلك فإننا نضع كل شيء في خطر من خلال إدماننا الوحشي على الحرب. إذا استخدمنا بدلًا من ذلك معرفتنا الواسعة، وقدراتنا الاقتصادية، وتميزنا التكنولوجي للمساعدة في علاج الأمراض، إنهاء الفقر، حماية البيئة، وضمان الأمن الغذائي العالمي، ستُلهم أمريكا الأمم الأخرى وتفعل الكثير لتأمين عهد جديد من السلام العالمي.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات