ترامب وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

بلومبرغ – التقرير

كان أحد الأهداف الرئيسية لدونالد ترامب، منذ أن أصبح رئيسًا، الوقف المنهجي لسياسات سلفه. لذلك ليس غريبًا أن تكون أول زيارة خارجية لترامب في نهاية هذا الأسبوع إلى المملكة العربية السعودية، في إشارة إلى كسر سياسة باراك أوباما الخارجية في الشرق الأوسط.

هذا أمر واعد ومثير للقلق في نفس الوقت. بجانب ذلك، لدى ترامب فرصة فريدة لإعادة صياغة انخراط أمريكا مع المنطقة، من خلال معالجة مجموعة من المشاكل التي تتراوح بين علاقة إسرائيل مع الدول العربية، والتطرف الإسلامي الذي بدأ مع الثورة الإيرانية عام 1979، وتوّج بدولة الخلافة الإسلامية الخلافة في العراق وسوريا “داعش”.

لكن هناك أيضًا موانع قد تقف في طريقها، وخاصة كيف تواجه أمريكا الطموحات الإقليمية الإيرانية، وكيف تعود إلى طريق حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

الرياض والقدس هما أول محطتين في هذه الرحلة، حيث يحاول ترامب بوضوح أن ينأى بنفسه عن تقارب أوباما مع إيران. اشتمل حساب الإدارة السابقة على إيجاد توازن بين القوى الفاعلة الإقليمية، وهي السعودية وإيران؛ من أجل تقليص البصمة العسكرية الأمريكية في المنطقة. مع ذلك، فشلت استراتيجية أوباما، كما يتضح من الحروب الجارية في العراق وسوريا واليمن، وتصاعد التوترات بين السعودية وإيران.

على النقيض، لدى ترامب رغبة قوية في التعامل مع حلفاء أمريكا التقليديين، مثل المملكة العربية السعودية وإسرائيل، وجعل نقطة تحديد لإيران كمصدر لعدم الاستقرار في المنطقة. بشكل غير صحيح، يرى أن إيران استخدمت غطاء الاتفاق النووي، الذي تم التوصل إليه مع ست قوى رئيسية عام 2015؛ لزيادة نفوذها في جميع أنحاء المنطقة، وخاصة من خلال استخدام جهات فاعلة من غير الدول مثل حزب الله في لبنان وسوريا، والمتمردين الحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق. في هذا الصدد، شنت إيران حربًا خفيّة على العرب السُنيي، عبر توفير الأسلحة، والتلقين الأيديولوجي والتدريب للميليشيات الشيعية في جميع أنحاء المنطقة.

سيبقى ترامب في الرياض ليعطي الأولوية للعلاقة الاستراتيجية الأمريكية مع المملكة، ويشيد بها كشريك من الدول الإسلامية المعتدلة مثل الأردن والإمارات العربية المتحدة، في الحرب ضد الحركات الراديكالية المتطرفة السنية والشيعية.

لا يمكن هزيمة الجهاديين السنة في حربهم مع الدول السنية مثل السعودية ومصر، دون تحالف مع العالم السُني الأوسع. على سبيل المثال، قام السعوديون يمنع العديد من هجمات القاعدة، وسمحوا باستخدام أراضيهم كقاعدة للهجمات الأمريكية ضد تنظيمي القاعدة وداعش. ترامب يعترف بهذا بالتأكيد، ومن المتوقع أن يتلو خطابًا رئيسيًا عن الإسلام والغرب، مع الأمل في تعديل ما يُعرف عنه بمعاناته من الإسلاموفوبيا.

في المقابل، من المرجح أن تعلن المملكة عن استثمارات كبيرة في مشاريع البنية التحتية في أمريكا (ربما تصل إلى 40 مليار دولار أمريكي)، وأنها ستشتري 100 مليار دولار أو أكثر من الأسلحة الأمريكية. سيوضع هذا الإطار كجزء من جهود المملكة لتحقيق هدفين رئيسيين، وهما تنويع اقتصادها واستثماراتها، وتعزيز قدراتها العسكرية، وقدرتها على حماية نفسها بدلًا من وضع العبء على الولايات المتحدة. ستركز البلدان على شراكتهما التاريخية والاقتصادية والسياسية، تحت شعار “معًا نحن أفضل”.

لكن الاجتماعات لن تدور فقط حول العلاقة الثنائية. من المواضيع الرئيسية الأخرى، هناك النزاع العربي الإسرائيلي الذي دام 70 عامًا. بما أن القدس ستكون المحطة التالية بعد الرياض، يُشاع أن ترامب سيحصل من السعوديين وجيرانها في الخليج على تنازلات كبيرة تجاه إسرائيل؛ من أجل إعادة إطلاق عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية.

قد ينطوي ذلك على إعطاء شركة الطيران الوطنية الإسرائيلية حقوق الطيران، أو ربما إنشاء وصلات اتصالات مباشرة. ليس سرًا أن العداوة المشتركة لإيران جعلت دول الخليج وإسرائيل أقرب، وخاصة على الأمن والاستخبارات، ويأمل ترامب للاستفادة من ذلك.

يكمن الخطر هنا في الطريقة التي يحاول بها ترامب استئناف مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية. إذا نال تنازلات عربية – رغم تجاهله شروط مبادرة السلام العربية التي قادتها السعودية عام 2002، سيقوض ترامب المملكة وحلفائها. تتطلب خريطة الطريق هذه من إسرائيل تقديم تنازلات جوهرية على المدى القريب للفلسطينيين، وفي نهاية المطاف بناء دولة قابلة للحياة. في المقابل، ستحصل إسرائيل على الاعتراف الكامل وتطبيع العلاقات مع الدول العربية.

للقيام بذلك، يجب على إسرائيل أن تقدم إلى الفلسطينيين شيئًا ملموسًا فورًا، كالوقف الدائم لجميع بناء المستوطنات في الضفة الغربية. إن لم يكن كذلك، سيكون لإيران والأسد وحزب الله والحوثيين – محور مقاومة إسرائيل والغرب – حجة قوية للعالم الإسلامي، بأن العنف هو السبيل الوحيد للتعامل مع إسرائيل.

هناك صعوبة أخرى تكمن في كيفية تعامل ترامب مع إيران، وخاصة بعد إعادة العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية. أشار المستشار السابق للأمن القومي الجنرال مايكل فلين إلى أن إيران “تخطر” باختبار صاروخ باليستى. لكن ماذا يعني ذلك عمليًا؟ لا يمكن تصور ضربة أميركية مباشرة على إيران دون استفزاز إيراني مفتوح، مثل الهجوم على سفينة تابعة للبحرية الأمريكية في الخليج الفارسي.

هذا الأمر مُعقد بالنسبة للإدارة، خاصة مع خطاب ترامب العدائي أثناء الحملة، لكنهم قرروا التمسك بالاتفاق النووي. يوم الأربعاء، احتفظت الولايات المتحدة بالتنازل عن العقوبات النووية ضد إيران، بعد أن اعترفت بأن طهران تمتثل لشروط الاتفاق. لذا، فاتخاذ قرار بشأن مكان وكيفية الضغط على إيران أمر هام.

يقدم اليمن، الجانب اللين للمملكة العربية السعودية، أفضل ساحة للبدء في رد النفوذ الإيراني. من الواضح أن طهران تشارك في دعم وتوريد الأسلحة للمتمردين الحوثيين؛ في محاولة لإنشاء قوة شبيهة بحزب الله يمكن أن تزعج السعودية عبر الحدود. هذا هو ما دفع السعوديين إلى شن حربهم المثيرة للجدل هناك، رغم الإدانة العالمية للضحايا المدنيين، إلا أنها ستواصل القيام بذلك، حتى يتم إحباط خطط إيران.

أما بالنسبة لإيران، ليست اليمن من الأصول الاستراتيجية. يجب أن يكون ممكنًا جعل النظام يفهم أن غزوه في اليمن سيكون مكلفًا. بدلًا من ذلك، ففتح حوار مع إيران حول اليمن، والذي سيشمل المملكة العربية السعودية وحلفائها، قد يبدأ عملية التصعيد في جميع أنحاء المنطقة.

لعل الأهم من ذلك أنه الأمر أصبح ظاهرًا. فبدون مشاركة أميركا النشطة، ستظل المنطقة مرجلًا يغلي، وكان أوباما مخطئًا باعتماده سياسة عدم التدخل. ترامب عليه أن يُعجب بذلك.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات