بين تطويرها أو التراجع عنها.. “وثيقة الإصلاح الاقتصادي” تربك حسابات الكويت

خاص – التقرير

تشهد حكومة الكويت تخبطًا واضحًا إزاء مساعيها الرامية إلى ترشيد الميزانية العامة للدولة، إذ لم يمضي سوى تسعة أشهر وتراجعت عن وثيقة الإصلاح الاقتصادي التي أعلنتها بهدف المساواة في الدعوم المالية المقدّمة من الدولة للمستفيدين.

وكانت الحكومة الكويتية أقرت قبل حوالي عام وثيقة من شأنها، كما قيل في حينه، تحقيق إيرادات مالية وترشيد الميزانية العامة للدولة مع تحقيق العدل والمساواة في الدعوم المالية المقدّمة من الدولة للمستفيدين، من خلال إعادة الدور الريادي للقطاع الخاص، وإعادة رسم دور الدولة في النشاط الاقتصادي، بما يعزز تنوع قطاعاته، ويضمن إيجاد فرص عمل للخريجين، ويدعم استدامة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.

وشملت الوثيقة 6 محاور رئيسية، بينها الإصلاح المالي، وإعادة رسم دور الدولة في الاقتصاد الوطني، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الوطني، بينما ركزت المحاور الأخرى على مشاركة المواطنين في تملك المشروعات، وسوق العمل، ونظام الخدمة المدنية وغيرها من الملفات.

وطبقًا لبيانات أعلنها وزير المالية في يناير، فإن حجم الإنفاق على الدعم يبلغ 2.9 مليار دينار “9.6 مليار دولار” ويمثل نحو 15 % من إجمالي نفقات السنة المالية الحالية في حين كان هذا المبلغ 3.78 مليون دينار في ميزانية السنة المالية الماضية، ويذهب الجزء الأساسي من هذا الدعم إلى دعم الطاقة بمختلف أنواعها.

وكان أكثر جوانب الوثيقة إثارة للجدل رفع أسعار البنزين والسولار والمحروقات ورفع أسعار تعرفة الكهرباء والماء والشروع في إعداد قانون جديد لفرض ضرائب على الشركات المحلية بواقع 10 في المئة من صافي أرباحها السنوية.

كما شرعت الحكومة في إعداد مشروع جديد لإعادة هيكلة الرواتب والمكافآت والمزايا الوظيفية للعاملين في الحكومة، المكان المفضل لأكثر من 90 في المئة من القوى العاملة الكويتية، وهو ما قوبل برفض حاسم من عمال النفط.

ويأتي رفع أسعار البنزين ضمن خطوات تهدف لترشيد دعم المحروقات في إطار استراتيجية أشمل أعلنتها الحكومة لإصلاح أوضاع الاقتصاد على المدى المتوسط ونالت موافقة البرلمان في يونيو.

تجميد للوثيقة

وكان النائب عبد الكريم الكندري قال في تصريحات للصحفيين سابقا إن وزير المالية أبلغه أن وزارة المالية “جمدت وثيقة الإصلاح الاقتصادي وأنها في طور إعداد وثيقة إصلاح اقتصادي جديدة”.

وأضاف النائب المعارض للوثيقة: “أي وثيقة إصلاح اقتصادي تهدف إلى مس جيوب المواطنين سوف تكون مرفوضة مثلما رفضنا وثيقة الإصلاح الاقتصادي السابقة.. نحن مع الإصلاح الاقتصادي الذي يبدأ من رأس الهرم وليس من القاعدة. مع الإصلاح الذي يبدأ من مصادر الإنفاق والهدر الحقيقية في الدولة وليس من جيوب المواطنين”.

وقال الوزير أنس الصالح في مؤتمر ملتقى الكويت المالي إنه لا تراجع عن الإصلاح الاقتصادي ذاته لكن “هناك أدوات لهذا الإصلاح والوثيقة كانت إحدى الأدوات… صار لها سنة.. هذه مرحلة انتهت.”

وأضاف أن هناك الآن مرحلة جديدة “نقدم فيها النسخة الثانية من هذه الخطوات وبعد سنوات قد نأتي بالنسخة الثالثة ثم الرابعة.. هذه سنة الحياة.”

وأكد الصالح أن الوزارة أجرت حوارا مع مؤسسات المجتمع المدني حول الإصلاح الاقتصادي المنشود وأنها ستعلن النسخة الجديدة من هذا الإصلاح بعد التشاور مع نواب البرلمان.

ولم يحدد الوزير الجوانب التي سيتم تطويرها في الوثيقة لكنه قال “هناك نقلة نوعية في تحديد معايير القياس ونقلة نوعية في تحديد أهداف محددة.. نتكلم عن تطوير الأداة وليس عن تراجع.”

ولم يكن الوزير حاسما في رده على سؤال حول إمكانية التراجع عن رفع أسعار البنزين والمحروقات والكهرباء التي أقرت العام الماضي.

وقال الصالح “عندما نناقش الوثيقة مع مجلس الأمة (سوف) نستمع إن كان هناك مقترحات جديدة لكن بشرط استهداف الإصلاح.”

إجراءات غير شعبية

ويلوم معارضو وثيقة الإصلاح الاقتصادي على الحكومة توجهها لإجراءات غير شعبية منها تخفيض الدعم وتقليل الإنفاق قبل التوجه لما يصفونه بتخفيض الهدر وتقليل حجم الفساد الذي يهدر كثيرا من موارد هذه الدولة النفطية عضو منظمة أوبك.

وجاءت وثيقة الإصلاح الاقتصادي في ظل هبوط أسعار النفط الذي يشكل نحو 90 في المئة من إيرادات الميزانية العامة للدولة من نحو 110 دولارات للبرميل قبل ثلاث سنوات إلى نحو 30 دولارا العام الماضي و55 دولارا حاليا.

يعد الاقتصاد الكويتي أحد أهم الاقتصادات في المنطقة الإقليمية بالشرق الأوسط، وأحد أكبر الدول المصدرة للنفط بالعالم، ويتمتع اقتصاد الكويت بالعديد من المقومات والعوامل البارزة التي أسهمت في تشكيل وصناعة اقتصاد مهم ومؤثر وجاذب إقليميًا وعالميًا.

ويعتبر الاقتصاد الكويتي صغيرًا مفتوحًا نسبيًا يسيطر على معظمه القطاع الحكومي، وتمثل الصناعة النفطية في الكويت المملوكة من قبل الدولة أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي، و95% من الصادرات و80% من الإيرادات الحكومية، يُشكل احتياطي النفط الخام في الكويت نحو 96 مليار برميل “15 كم³” أي قرابة 10% من الاحتياطي العالمي.

وتعد الموارد المائية شحيحة جدًا في الكويت نظرًا لطبيعة البلاد الصحراوية، فنحو 75% من المياه الصالحة للشرب ينبغي ترشيحها قبل أن تصبح صالحة للاستخدام، أو استيرادها من الخارج، والبلاد بالتالي لا تحوي أراضي صالحة للزراعة، ما يمنع إنجاز أي تنمية للقطاع الزراعي، وفي الواقع فإن أكثرية إنتاج هذا القطاع عبارة عن أسماك ورؤوس من الماشية ولؤلؤ، أدّى الارتفاع الحاصل في أسعار النفط إلى تراجع العجز في الميزانية من 5.5 مليار دولار أمريكي إلى 3 مليارات عام 1999، ومن المتوقع أن تظل الأسعار مرتفعة نسبيّا طيلة العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

يذكر أن قطاع الصناعة النفطية أهم وأكبر الصناعات والصادرات في الكويت حيث يغطي هذا القطاع وحده ما يقارب نصف الناتج المحلي الإجمالي، وتقدر احتياطيات النفط في الكويت بـ104 مليارات برميل “أي ما يعادل 10% من احتياطي النفط في العالم”، فقد اهتمت دولة الكويت بهذا المصدر وهذه الصناعة منذ اكتشاف النفط في الكويت عام 1938، وإصدار أول شحنة نفطية عام 1946.

الحكومة في وضع مرتبك

ويقول ناصر النفيسي مدير مركز الجمان للاستشارات ، لوكالات أنباء، إن الحكومة “في وضع مرتبك” وهي تدعي تطوير الوثيقة لكن الأمر في حقيقته يعني “تراجعا” عن تنفيذ هذه الوثيقة التي لم يمضي عليها سنة حتى الآن معتبرا أن الوثيقة واجهت رفضا شعبيا “جازما وقاطعا” حتى من النواب المؤيدين للحكومة.

يضيف النفيسي “هناك أموال كثيرة أولى بالضبط (والترشيد) وليس البنزين والكهرباء.. الإصلاح يجب أن يتم على جميع المحاور وليس في جانب واحد.. الأولوية (يجب أن تكون) وقف الهدر والفساد .. إنه تراجع متوقع ومستحق”.

ومن جهته، يرى ميثم الشخص المحلل المالي، إن أمر الوثيقة له علاقة بالسياسة أكثر من أي شيء آخر مبينا أن الحكومة قد ترضخ للتوجهات العامة لمجلس الأمة وتتراجع عن خطوات كانت تعتزم اتخاذها بغض النظر عن كون هذه الخطوات صحيحة أو غير صحيحة.

ويضيف “الشخص” في تصريح له، أن تعديل وثيقة الإصلاح الاقتصادي كان “متوقعا” حتى في ظل البرلمان السابق معتبرا أن الحكومة تنتهج نهج “رفع سقف المطالب حتى تصل للحد الذي ترغب فيه. المسألة كر وفر”.

الانتخابات تعرقل الإصلاحات

وكانت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، قد اعتبرت في وقت سابق أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة في الكويت ستزيد التوتر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ما قد يعوق الإصلاحات الاقتصادية والمالية.

وأشارت إلى أن تكوين البرلمان الكويتي تغير بشكل كبير في الانتخابات التي جرت في 26 نوفمبر الماضي، بعد أن تخلت معظم فئات المعارضة عن مقاطعتها للانتخابات.

ورأت «فيتش» أن «حصيلة الانتخابات تأتي متفقة مع توقعاتها السابقة بأنها ستأتي بمجلس أقل اتفاقًا مع الحكومة».

وكانت «فيتش» أصدرت تقريرا في نوفمبر ثبتت فيه تصنيف الكويت عن AA مع نظرة مستقبلية مستقرة.

ولفتت إلى أن المعارضة البرلمانية المتزايدة لبرنامج الإصلاح المالي الحكومي كانت السبب الأساس الذي أدّى إلى قرار أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح بحل البرلمان، الذي سبق الانتخابات.

وحذرت «فيتش» من أنه في حال حل البرلمان مجددا، فإن الإحباط الشعبي من ضعف التمثيل والإصلاحات غير العادلة قد يعيد البلاد إلى حالة من عدم اليقين السياسي كتلك التي سادت بين العامين 2011 و2013، وهي الفترة التي شهدت ثلاثة قرارات بحل البرلمان.

ومتفقة معها، قالت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، إن نتائج انتخابات مجلس الأمة الكويتي ستعيق الجهود الإصلاحية في البلاد، مانحة أفق هذه الإصلاحات نظرة سلبية.

واستندت «موديز» في نظرتها إلى توقعاتها بأن يؤثر المجلس الجديد على سعي الحكومة لتنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية، الهادفة إلى خفض الاعتماد على النفط.

وتوقفت الوكالة العالمية عند نتائج الانتخابات، لافتة إلى أن «معظم النواب المنتخبين الجدد (بمن فيهم أولئك الذين لا ينتسبون إلى مجموعات المعارضة) أعربوا عن مناهضتهم الشديدة للإصلاحات المالية الحكومية، وخصوصًا إصلاح الدعم، وبالتالي فقد شكلت النتيجة رفضًا كاملًا للتدابير التقشفية الحكومية».

وكانت إجراءات التقشف ورفع أسعار الوقود وخفض الدعم عن مواد أخرى، قد تسببت في تعميق الخلافات بين الحكومة ومجلس الأمة، مما دفع أمير الكويت إلى حل المجلس في أكتوبر الماضي، تمهيدا لانتخابات جديدة.

أبدت حكومة الكويت تراجعا وصفه محللون “بالتكتيكي” ل وثيقة الإصلاح الاقتصادي التي أعلنتها منذ أقل من عام ولقيت انتقادات واسعة في مجلس الأمة (البرلمان) الذي يشكل المعارضون نحو نصف أعضائه

في أوائل عام 2016، أقرت الحكومة الكويتية، وثيقة من شأنها -كما قيل في حينه- تحقيق إيرادات مالية و ترشيد الميزانية العامة للدولة، مع تحقيق العدل والمساواة في الدعوم المالية المقدّمة من الدولة للمستفيدين.

ففي 1 أغسطس 2016، أقر مجلس الوزراء الكويتي إعادة هيكلة أسعار البنزين، على أن يتم تطبيق السعر الجديد اعتبارًا من بداية سبتمبر المقبل، وجاء قرار مجلس الوزراء بناء على توصية لجنة الشؤون الاقتصادية المختصة إعادة دراسة مختلف أنواع الدعم الذي تقدمه الدولة كجزء من خطة الحكومة الإصلاحية.

ويأتي رفع أسعار البنزين ضمن خطوات تهدف لترشيد دعم المحروقات في إطار استراتيجية أشمل أعلنتها الحكومة لإصلاح أوضاع الاقتصاد على المدى المتوسط ونالت موافقة البرلمان في يونيو.

وجاءت وثيقة الإصلاح الاقتصادي في ظل هبوط أسعار النفط الذي يشكل نحو 90 في المئة من إيرادات الميزانية العامة للدولة من نحو 110 دولارات للبرميل قبل ثلاث سنوات إلى نحو 30 دولارا العام الماضي و55 دولارا حاليا.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات