بفعل التضخم.. فرحة رمضان تغيب عن مصر

ميدل إيست آي – التقرير

جالسًا القرفصاء على أرض ورشة عمله المتواضعة، بينما تتراص الفوانيس الملونة والمواد المعدنية اللامعة من حوله.

في منطقة السيدة زينب الشعبية في القاهرة، ترافق ناصر مصطفى ألحان المطربة المصرية الأسطورية أم كلثوم، أثناء صناعته لفانوس رمضان التقليدي. يرتعش لهيب النيران ويُذيب المعدن، ليقول مصطفى إنه يعشق زخرفة فوانيس رمضان التقليدية للأسرة المصرية.

Mostafa 2

تقترن الفوانيس بشهر رمضان، فتزين وتضيء المنازل والشوارع والمحال التجارية بمجرد اقتراب الشهر الكريم، الذي يصوم فيه المسلمون طوال ساعات النهار.

بدأ مصطفى في صناعة الفوانيس الرمضانية منذ عام 1990، ويدير صاحب الـ 48 عامًا الآن ورشة العمل نفسها التي عَمِل فيها لأكثر من 20 عامًا.

An Egyptian man sells traditional lanterns known in Arabic as "Fanous" sold during Ramadan in Cairo's Saida Zeinab district on May 24, 2017, ahead of the start of the Muslim holy fasting month of Ramadan. / AFP PHOTO / MOHAMED EL-SHAHED

يشتكي مصطفى، والد ثلاثة أطفال، من ارتفاع معدل التضخم في مصر، وتأثيره على عمله في صناعة الفوانيس.

“في العام الماضي كنت أُنتج آلاف الفوانيس، لكن هذا العام خفضت إنتاجي بنسبة 75%. كان لدي ثلاثة وأربعة عمّال في بعض الأحيان، لكن الآن ليس لدي سوى واحد”.

المواد المستخدمة لصنع الفوانيس تشمل الصفيح، الزجاج والورنيش. كل شيء يتم استيراده في مصر باستثناء الزجاج، الذي لم ينج من ارتفاع الأسعار هو الآخر.

fawanees

وفقًا لمصطفى، زادت أسعار هذه المواد بمعدل أربعة أضعاف، مما اضطره لخفض إنتاجه، وتقريبًا مضاعفة سعر الفوانيس لتحقيق ربح ضئيل.

يضيف مصطفى أن “العامل الأصغر والأقل خبرة سيعمل مقابل أجر يتراوح بين 100 جنيه مصري (5.53 دولار) و150 جنيه مصري يوميًا”.

“من أين يمكنني تدبر ذلك؟ كيف يمكنني أن أُطعم عائلتي؟”.

Mostafa 1

يُنتج مصطفى فوانيسه على دفعات مئوية. إنتاج الفوانيس الصغيرة الحجم يستغرق يومين للانتهاء، في حين أن الفوانيس كبيرة الحجم يمكن أن تستغرق من أسبوع إلى أسبوعين.

يقول مصطفى إن مبيعات ورشة العمل هذه انخفضت بنسبة 70٪.

لأرباح صغيرة تتراوح بين 3 إلى 5 جنيهات (16 إلى 27 سنتًا أمريكيًا)، يبيع مصطفى فوانيسه اليدوية ذات الحجم المتوسط ​​مقابل 45 جنيهًا مصريًا (2.49 دولار) للفانوس الواحد، مقارنة بسعره العام الماضي، الذي كان يبلغ 27 جنيهًا مصريًا (1.49 دولار أمريكي).

تتراوح أسعار الفوانيس الكبيرة، المستخدمة في معظمها لتزيين المنازل والشُرفات ومداخل البناء، من 100 جنيه مصري (5.53 دولار) إلى 400 جنيه (22.22 دولار)، حسب تصميمها والمواد المستخدمة لصنعها.

An Egyptian man buys traditional lanterns known in Arabic as "Fanous" sold during Ramadan in Cairo's Saida Zeinab district on May 24, 2017, ahead of the start of the Muslim holy fasting month of Ramadan. / AFP PHOTO / MOHAMED EL-SHAHED

في أبريل، ارتفع معدل التضخم في مصر إلى أعلى مستوى له منذ ثلاثة عقود، بعد قيام الحكومة بتحرير سعر صرف الجنيه المصري في نوفمبر 2016، مما جعله يتراجع مقابل الدولار.

كان ذلك جزءًا من حزمة الإصلاحات الاقتصادية المرتبطة بقرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار.

تقليد هام

الفوانيس التقليدية جزء أساسي من الاحتفال بشهر رمضان كل عام في مصر.

Mostafa 3

فوانيس مزينة بآيات من القرآن الكريم، أو تحيات رمضان البسيطة، مثل رمضان كريم أو رمضان مبارك، أو تلك المغطاة بأقمشة ملونة ومُبهجة.

تعود أصول الفوانيس المزخرفة إلى عهد مصر الفاطمية. يتفاخر الأطفال بالفوانيس الجديدة، التي تغني الأناشيد الرمضانية الشهيرة.

An Egyptian man holds traditional lanterns known in Arabic as "Fanous" sold during Ramadan in Cairo's Saida Zeinab district on May 24, 2017, ahead of the start of the Muslim holy fasting month of Ramadan. / AFP PHOTO / MOHAMED EL-SHAHED

في أحد الأسواق في مدينة نصر، في شرق القاهرة، كانت سلمى فؤاد مع والدتها تشتريان فانوس صفيح كبير لتزيين منزلهما في استقبال رمضان.

كان ارتفاع الأسعار صدمة للأم. مع ذلك، ورغم ارتفاعها، اضطرت إلى شراء فانوس بسعر يقرب من ضعف ما دفعته في العام الماضي.

تقول الأم: “تضاعفت الأسعار، لكن عائلتي، بما في ذلك الأطفال والبالغين، تعتقد أن الفانوس الجديد يمثل سعادة وفرحة رمضان. لا يمكننا أن نُمرر شهر رمضان دون شراء فانوس”.

كبديل عن الفوانيس المُنتجة محليًا في مصر، يُفضل بعض العملاء شراء الفوانيس صينية الصنع، مُدعين أنها أقل تكلفة وأكثر أمنًا للأطفال للعب. لكن بسبب اللوائح الصارمة المفروضة على الواردات، انخفض عدد الفوانيس الصينية في السوق.

تقول هبة محمد، وهي أم لثلاثة أطفال: “الفوانيس المصرية المصنوعة من الصفيح غالبًا ما تكون لها حواف حادة جدًا، كما أنها عُرضة للصدأ على المدى الطويل”.

An Egyptian man carries traditional lanterns, known in Arabic as "Fanous", sold during the Muslim holy month of Ramadan, in the capital Cairo on June 2, 2016. More than 1.5 billion Muslims around the world will start to celebrate Ramadan the first week of June, during which observant Muslims fast from dusk to dawn. / AFP PHOTO / KHALED DESOUKI

الفوانيس الصينية أرخص من تلك المصنعة محليًا بما يقرب من دولار واحد، لكن مصطفى يرى أن النسخ المُقلدة ليست بنفس قيمة تلك الحقيقية.

يضيف: “إنها مجرد ألعاب تغني وترقص، وربما تبدو أكثر جذبًا للمشترين بسبب ذلك”.

في الماضي، كانت الفوانيس الصينية الصنع منافسًا قويًا للمنتجات المُصنعة محليًا، لكن في عام 2015، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة المصرية مرسومًا نادرًا يحظر استيراد الفوانيس الصينية الصنع، وغيرها من المنتجات المصرية التقليدية. كانت الفكرة من هذا القرار إعطاء المنتجات المحلية دفعة للأمام.

يقول عمر الشنيطي العضو المنتدب لشركة “مالتيبلز جروب”، إن البنك المركزي اتخذ بعض الخطوات لتقييد وتشديد عملية استيراد بعض المنتجات؛ مما أدى إلى ارتفاع أسعار الواردات كذلك.

Egyptians walk under traditional lanterns known in Arabic as "Fanous" sold during Ramadan in Cairo's Saida Zeinab district on May 24, 2017, ahead of the start of the Muslim holy fasting month of Ramadan. / AFP PHOTO / MOHAMED EL-SHAHED

في ديسمبر 2016، ارتفعت الجمارك بنسبة تصل إلى 60% على 364 منتج، مما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار، وخاصة في أسعار الغذاء.

يتوقع الشنيطي أن ينخفض ​​سعر الدولار قليلًا بعد شهر رمضان، حيث غيّر العديد من المصريين عملتهم لأداء العمرة في مكة خلال شهر رمضان. يضيف أنه مع قدوم الصيف، يأتي العديد من المصريين العاملين بالخارج إلى مصر؛ لقضاء بعض الوقت مع الأصدقاء والعائلة، مما يُزيد من المعروض من الدولار في البلاد.

“من الواضح أن الأمور تستغرق وقتًا أطول من المتوقع. نعم، حاربنا السوق السوداء، لكن الدولار الأمريكي لم يستقر في وضعه العادل مقابل الجنيه المصري، ولا يقترب حتى من المعدلات المتوقعة في وقت التعويم الحر” كما يقول الشنيطي.

توقع الشنيطي وغيره من الخبراء الاقتصاديين أن يستقر الدولار عند 13 إلى 14 جنيه (0.71 إلى 0.77 دولار) بعد ستة أشهر، لكنه لا يزال فوق 18 جنيه.

يعترف الشنيطي بأن التضخم سيظل مستمرًا إلى العام المقبل. “مع ذلك، سيشهد انخفاضًا طفيفًا في المعدل لأنه لن يكون هناك تراكم كبير نتيجة لصدمة السوق، مثلما حدث هذا العام”.

إلا أن الكثير من المصريين – مثل مصطفى – لا يستطيعون انتظار تحسن الوضع الاقتصادي. يقول مصطفى إنه لا يمكنه تحمّل الغلاء.

“هل يمكن لأي شخص هذا العام أن يقترب من الفواكه الجافة في رمضان؟” يتساءل مصطفى قائلًا إن الكيلوجرام من التمور الجافة العام الماضي كان يبلغ 6 جنيهات (33 سنتًا) و10 (55 سنتًا)، لكنه الآن يبلغ 30 جنيهًا (1.65 دولار) و35 جنيهًا مصريًا.

يختتم: “كنا صبورين خلال السنوات الثلاث الماضية. في الواقع، صبرنا لفترة أطول من ذلك، لكن بعد ذلك ماذل حدث؟”.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات