الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي

حمزة ياسين – التقرير

“إن الأمل في أن يسود الانسجام عالمنا المعاصر يكمن إلى حد كبير في فهم أوضح لتعددية الهوية الإنسانية، وفي تقدير حقيقة أن البشر يستطيعون أن يصل بعضهم إلى بعض وأن يعملوا ضد الفصل الحاد بينهم على أساس خط واحد متصلب من التقسيم الذي لا يمكن عبوره”.

بهذه العبارات يعبر عالم الاقتصاد الهندي “أمارتيا صن” عن رسالته التي بثها في كتاب “الهوية والعنف”، والذي استطاع فيه أن يبين جدل الهوية وأن يكشف النقاب عن أبرز المغالطات الناشئة في علاقة الناس مع الهوية والثقافة.

أمارتيا صن، هو عالم اقتصاد هندي، يعمل بالتدريس في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، له العديد من الإسهامات في مجال اقتصاد الرفاه، ونظريات الخيار الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، وله عدة نظريات اقتصادية حول المجاعات والتنمية، وحصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعلمه عن اقتصاد الرفاه، له عدة كتب أهمها: “التنمية حرية”، “فكرة العدالة”، و”الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي” وهو موضوع مقالنا.

** ** **

الفكرة الأساسية من الكتاب هي أن النزاعات والصراعات في العالم تتغذى على توهم وجود هوية أحادية لا اختيار فيها، يسقط الفرد تحت هيمنتها وسيادتها، محجوبًا عن انتماءته الأخرى التي هي جزء من هوية أكبر وأوسع.

وبإمكان هذا الانتماء إلى هوية أحادية متصلبة أن تأخذ شكلًا قتاليًا وصراعيًا، ويستطيع أن يجردنا من أي تعاطف إنساني أو شعور فطري بالشفقة تجاه الآخر المختلف، ومن “أهم مصادر الصراعات الكامنة في العالم المعاصر الزعم بأن الناس يمكن تصنيفهم تصنيفًا متفردًا مؤسسًا على الدين أو الثقافة”. و”مع التحريض المناسب، يمكن أن يتحول وعي متعمق منذ النشأة بهوية مشتركة مع جماعة من الناس إلى سلاح قوي يوجه بوحشية ضد جماعة أخرى”.

وفي مقابل فكرة الهوية الأحادية المتصلبة يقدم الكاتب مقاربته لموضوعة الهوية التي تقوم على أساس أنه لا توجد للإنسان هوية أحادية صلبة ينتمي إليها بمعزل عن هويات أخرى، فهناك “هويات متعددة” ينتمي إليها الإنسان وتعطيه شخصيته المتميزة المنتمية إلى أكثر من دائرة أو إطار فكري أو اجتماعي، فنحن في حياتنا نرى أنفسنا أعضاء بعدد من الجماعات، بحيث ننتمي إليها جميعًا.

لذلك؛ يكرر الكاتب دائمًا مثالًا طريفًا ليعبر عن هذه الفكرة، فيقول إن “الشخص نفسه يمكن أن يكون، دون أي تناقض، مواطنًا أمريكيًا، من أصل كاريبي، ويتحدر من أسلاف أفارقة، ومسيحيًا، وليبراليًا، وامرأةً أو رجلًا، ونباتيًا، وعداءً للمسافات الطويلة، ومؤرخًا، ومعلمًا، ومناصرًا لقضايا المرأة، ومناضلًا من أجل قضايا البيئة”، إلى غيرها من هذه الانتماءات.

يشير “أمارتيا صن”إلى مفارقة في التعامل مع الهوية، وهي أنها في الوقت الذي ممكن أن تكون فيه مصدرًا للدفء والثراء، والشعور بالتضامن الداخلي لجماعة ما، فإنها ممكن أن تكون مصدرًا للعنف والترويع؛ ولذلك لا يمكن أن تُعتبر الهوية شرًا على العموم، ولا يمكن أن يكون السبيل لحل مشكلة الهوية هي محاولة كبح أو إيقاف استحضار الهوية.

والنقطة التي يعتبرها “صن” مدخلًا لحل مشكلة الهوية، هي الاعتراف بتعدد هوياتنا، وما يتطلبه هذا الاعتراف من إدراك لدور الاختيار، أي اختيار انتماءتنا وتعريضها للفحص العقلي النقدي.

وعلى عكس الباحثين الذين يميلون إلى الاحتجاج بأن سيادة هوية جماعة إنسانية ما ليست مسألة اختيار، وإنما هي مسألة إدراك للذات؛ يحاجج “صن” على إمكانية الاختيار في مجال الهوية، وهو اختيار يدور بين الأولويات المتعلقة بانتماءاتنا وصلاتنا المختلفة، ويقرر بأن حرية تكمن في أن نصل إلى قرار فيما يخص ولاءاتنا وأولوياتنا بين الجماعات المختلفة، “وهي حرية نملك من العقل والقدرة على التفكير والمنطق ما يجعلنا نعترف بها ونقدرها وندافع عنها”.

لكن وجود الاختيار لا ينفي وجود إكراهات وضغوط تقيد عملية الاختيار، فالواقع يجعل اختياراتنا دائمًا تنحصر داخل حدود ما يُنظر إليه على أنه ممكن وقابل للتنفيذ، وهي ما يعتمد بشكل كبير على الظروف الاجتماعية السياسية المحيطة.

وهناك قيد آخر وأصعب في مسألة الاختيار، وهو ما نواجهه عند محاولتنا إقناع الآخرين بأن يرونا بطريقة معينة، فقد نستطيع أن نحدد تصورنا عن أنفسنا، لكن تظل أمامنا صعوبة في القدرة على إقناع الآخرين بأن يرونا بالطريقة التي حددناها لأنفسنا، وفي تعليق ذكي لجان بول سارتر ذكره في كتابه “صورة المعادي للسامية” يقول فيه: “إن المعادي للسامية هو الذي يصنع اليهودي”، وهذه إشارة مهمة عن سطوة الآخر في تحديد هوية الذات.

وبصدد الحديث عن موضوع الهوية، يؤكد “صن” على وجود نوعين مختلفين من الاختزالية في التعامل مع الهوية، النوع الأول هو هذا الافتراض الذي يحدد وجود الإنسان في هوية واحدة صلبة وينفي انتماءاته الأخرى المتعددة، وهذا ما شرحناه في الفقرات أعلاه، والنوع الثاني وهو اختزال يقوم على إغفال الهوية وإنكار قيمتها وأثرها على الفرد، وهي فرضية لدى العديد من المفكرين الاقتصاديين المعاصرين، تعتبر أن دوافع السلوك البشري تنبع من مصالحهم الفردية، وأن الأفراد شديدو الحرص على هذه المصالح، وهذه الدوافع طبيعية ومنطقية أيضًا.

يأخذ هذا النوع الثاني من الاختزال صيغة التساؤل التالي: “إن لم يكن في مصلحتك أو منفعتك، فلماذا اخترت أن تفعل ما فعلت؟”، وهذا النوع يصور أمثال المهاتما غاندي ونيلسون مانديلا ومارتن لوثر وغيرهم كمجموعة من الحمقى، وهذه النظرة قاصرة؛ لأنها تتجاهل الدوافع المتنوعة التي تُحرك البشر، ودور الانتماءات والالتزامات المختلفة في تشكيل دوافعهم.

** ** **

أطروحة صدام الحضارات لصامويل هنتنغتون

ينتقد الكاتب أطروحة صامويل هنغتنتون المشهورة “صراع الحضارات.. إعادة صنع النظام العالمي”، باعتبار أنها ترسخ التصنيف الأحادي بين الحضارات والثقافات، فهنتغتون يضع “الحضارة الغربية” في مقابل “الحضارة الإسلامية” و”الحضارة الهندوسية” و”الحضارة البوذية”، ويعلق “صن” على هذا التصنيف أو التقسيم الذي يتبع التقسيمات الدينية بالقول إن “المواجهات المزعومة للخلافات الدينية أُدمجت في رؤية تم اصطناعها بشكل حاد على صورة تقسيم فاصل واحد مهيمن ولا مرونة فيه”.

يؤدي هذا التقسيم الذي تؤسس له الأطروحة -والتي وجدت الكثير من المدافعين- إلى وضع الناس ثابتين داخل مجموعة من الصناديق المتصلبة والجامدة، ومشكلة أطروحة صدام الحضارت لا تنحصر فقط في قضية الصدام الحتمي الذي تبشر به، وإنما في أنها تعتبر أنه تصنيفٌ واحد له أهمية بالغة وفي إلغائها لباقي التصنيفات والانتماءات.

وبالاعتماد على هذا التقسيم المعتمد على الدين، يجعل -في نظر “صن”- رد الفعل الأوروبي على الصراع والإرهاب العالمي يحدث بطريقة تخلو من البراعة، فرد فعلهم الذي يهدف إلى احترام “الناس الآخرين” يتم التعبير عنه بالثناء على كتبهم الدينية، وفي مواجهة ما يسمى “الإرهاب الإسلامي”، تتوجه القوة الفكرية للسياسة الغربية بشكل أساسي إلى إعادة تعريف الإسلام وإظهار طبيعته المسالمة والمتسامحة، لكن هذه النظرة -بحسب “صن”- تغفل الأنشطة والإنجازات المتعددة الأوجه، والاهتمامات والأفكار الأخرى التي تحرك الناس؛ وبالتالي تضخيم البعد الديني وسلطته كدافع محرك للناس بمعزل عن الدوافع الأخرى، فـ”لا ضرورة لأن تكون ديانة المرء هي كل هويته على وجه الحصر”.

وفي ملاحظة ذكية من الكاتب، يوضح كيف أن حتى المعارضين لنظرية صراع الحضارات يمكن أن يساهموا في دعم أساسها الفكري في حال لم يكن نقدهم موجهًا لهذا الأساس، وأعني هنا اعتبار أن تصنيفًا واحدًا  لجماعة ما له أهمية بالغة بحيث يلغي باقي التصنيفات والانتماءات، وكمثال على ذلك، ففي مقابل التعميم القائل بأن أعضاء الحضارة الإسلامية لهم ثقافة قتالية عدوانية، يمكن أن يُحتج بأنهم في الواقع يشتركون في ثقافة تتسم بالتسامح وحسن النية، لكن المشكلة في هذا الاحتجاج أنه يستبدل نمطًا بآخر، ويغفل عن الفرضية المتضمنة القائلة بأن “الناس مسلمي الديانة يمكن أساسًا أن يكونوا متشابهين بطرق أخرى أيضًا”.

وحتى يوضح الكاتب الثغرات الموجودة في فكرة “صراع الحضارات” يناقش مجموعة من القضايا التي تُطرح في هذا السياق ليكشف عن مدى تداخل العلاقات وتبادلها بين الحضارات المختلفة.

رؤية الهند كحضارة هندوسية

يصف هنتنغتون الهند بأنها “حضارة هندوسية” بحسب تقسيمه المعروف للحضارات، لكن هذا التوصيف يغفل ويقلل من قيمة واقع أن الهند بها من المسلمين أكثر من أي بلد آخر في العالم باستثناء إندونيسيا وباكستان، فهي تضم حوالي 145 مليون مسلم، وبالرغم من أن الهند لا تُصنف ضمن “العالم الإسلامي”؛ إلا أن بها من المسلمين ما يفوق كثيرًا أيَّ بلد يدخل في تعريف هنتغتون للعالم الإسلامي، ويؤكد “صن” أنه “من المستحيل أن نفكر في حضارة الهند المعاصرة من دون ملاحظة الأدوار الرئيسة للمسلمين في تاريخ البلاد”.

وليس المسلمون هم الجماعة غير الهندوسية بين الشعب الهندي، فهناك السيخ واليانيون، وكانت البوذية ديانة سائدة في الهند لأكثر من ألف عام.

ولا يخفى على “صن” ما لتصنيف هنغتنتون من دلالة سياسية تجعل من المنطقة مكانًا قابلًا للاشتعال سياسيًا؛ فهو توصيف “يميل إلى إضافة مصداقية خادعة على التشويه الفائق للتاريخ والتلاعب بالحقائق الحاضرة، التي جعلت السياسيين الطائفيين الهندوس يحاولون تبوأ مظهر بطولي بمحاولة الترقية من منظور رؤية الهند كحضارة هندوسية”.

التفرد المزعوم للحضارة الغربية

يميل المعبرون عن نظرية “صدام الحضارات” إلى رؤية قيم مثل التسامح والحرية كملامح خاصة ودائمة للحضارة الغربية وذات امتداد تاريخي، ويصر هنتغتون على هذا الافتراض فيقول: “إن الغرب كان غربَا منذ زمن طويل قبل عصر الحاضر”، لكن هذا التصور مليء بالفجوات؛فقيم مثل التسامح والحرية هي من إنجازات الحضارة الأوروبية المعاصرة، لكن لا يمكن اعتبارها من الملامح التاريخية للغرب؛ فأفلاطون أو توما الأكويني لم يكونا معبرين عن هذه القيم مثلًا، ولا ننسى محاكم التفتيش التي انتشرت في أوروبا العصور الوسطى، والتي قتلت وحرقت المهرطقين والخارجين عن الكنيسة.

ويؤكد هذا الافتراض أن هذه القيم خاصة بالحضارة الغربية دون غيرها من الحضارات والأمم، لكن الكاتب ينفي ذلك ويؤكد على وجود هذه القيم عند الحضارات الأخرى، من خلال ذكر أمثلة عن بعض الأباطرة الهنود الذي مثلوا قيم التسامح والحرية بشكل كبير.

الجذور العالمية للديمقراطية

على الوتيرة نفسها التي تسير بها القضايا سابقة الذكر، يغلب النظر على الديمقراطية باعتبارها فكرة خاصة بالعالم الغربي، وغريبة عن العالم غير الغربي، وبدلًا من النظر إلى الصعوبات الداخلية والخارجية التي تواجه شعوبًا معينة، يتم اعتبار أن الديمقراطية لا تناسب بعض المناطق، مثل ما يقال عن العراق بأن الديمقراطية لا تناسبها، أو عن أبناء الشرق الأوسط عمومًا.

وبالرغم من أن فكرة الديمقراطية بصورتها المعاصرة هي من نتاج التصورات والخبرات الغربية؛ إلا أن الأفكار المعبرة عن الديمقراطية كانت موجودة عند الكثير من الأمم، وهي ليست حكرًا على الغرب؛ففكرة مثل التشاور والتفكير بين الناس عامة، واللقاءات العامة التي تستهدف حل النزاعات، وغيرها من تقاليد النقاش العام، جميعها كانت موجودة عند الكثير من الحضارات القديمة والتاريخية غير الغربية.

** ** **

مقاومة التغريب

هناك وجود قوي في العالم اليوم لمقاومة “التغريب” ومقاومة انتشار الأفكار الغربية في بيئات وثقافات معينة، وما نراه في الشعارات التي انتشرت في شرق آسيا في التسعينيات من إعلاء شأن “القيم الآسيوية”، وإصرار المسلمين على أن “القيم الإسلامية” معادية للقيم الغربية.

يحيل الكاتب هذا القلق من الغرب إلى الاستعمار والآثار التي أحدثتها الإمبريالية الغربية على الاستقلال السياسي للبلدان المُستعمَرة، وهو ما خلق مناخًا فكريًا يتعامل مع الغرب كهاجس يجب أن يؤخذ منه موقف ما، وهو ما يترواح بين التقليد الأعمى وبين العداوة للعالم الغربي ومنجزاته.

يشير “صن” إلى آثار هاجس الغرب على الوعي بالذات، وهو ما يرتبط دائمًا بطبيعة العقل المُستَعمَر، من إدراك ووعي الذات بأثر رجعي بناء على ما يفرضه الغرب على الذات، والتشوه في قراءة التاريخ الفكري والعلمي للعالم.

فبالنسبة إلى إدراك الذات بأثر رجعي، فإن ما فعله الاستعمار من تقليل وتشويه لمنجزات البلاد المُستعمَرة، ساهم في تهيئة نوع من إدراك الذات يلجأ إلى اختيار “أرضه الخاصة” للمنافسة مع الغرب وتعزيز أفضليته عليه من خلالها.

فمثلًا في مقابل المنجزات الغربية في مجال العلم والرياضيات، وما رافقه من تقليل من قيمة إضافات الهند في هذا المجال كما عبر عنه جيمس ميل في كتابه عن تاريخ الهند، جاء رد الفعل الهندي في خلق أرضه الخاصة للمنافسة، فنشأ خطاب يعزز من أفضلية القيم والأمور الروحية، لكن هذا الخطاب أدى إلى تجاهل قسم هائل من ميراث الهند في العلوم والرياضيات.

وبالتالي؛ نجد أن المجتمعات المُستَعمَرة تنقاد إلى تحديد هويتها أساسًا من خلال كونها مختلفة عن الغرب، “وبالرغم من أن هذه الآراء “غير الغربية” -وأحيانًا المضادة للغرب- ترتبط بسعي حاسم للاستقلال عن الهيمنة الكولونيالية؛ إلا أنها في الواقع تعتمد بالكامل على الأفكار الأجنبية بشكل سلبي ومضاد”.

** ** **

بين الثقافي والسياسي

يتساءل الكاتب عن الطريقة التي يكون فيه للثقافة دورها المؤثر، فقد استنتج العالم أن هناك دورًا مؤثرًا للثقافة، لكن فهم طبيعة هذا الدور هو الأهم؛ لأن التصور السائد عن الحضارات والثقافات التي تجعلها وكأنها جزر ثقافية معزولة عن بعضها البعض، يجعل للثقافة دورًا ذا طبيعة حتمية وكأنها هي الفاعل الوحيد المسيطر؛ لما لهذا التصور من تضخيم وتعميم الأثر الثقافي على طبيعة الحضارات والمجتمعات.

ويضرب مثلًا ليوضح من خلاله كيف يتم التعامل مع الثقافة، فمع المجاعات التي كانت تحصل في الهند إبان الاستعمار البريطاني، أدلى وسنستن تشرشل بتصريح مشهور بخصوص المجاعة البنغالية عام 1943، قال فيه إن سبب المجاعة هو اتجاه الناس هناك إلى “التكاثر كالأرانب”، وتنتمي هذه التفسيرات إلى التقليد الثقافي الذي يحيل الأسباب إلى ثقافة المجتمع أو الرعية، وكان من نتائج هذا التفكير أن تأخر إسعاف المجاعة في البنغال التي قتلت ما بين مليونين وثلاثة ملايين نسمة.

ويغفل التفسير الذي صرح به تشرشل الأسباب السياسية والاقتصادية التي سببت هذه المجاعة، خاصة الأسباب المتعلقة بفشل أجهزة الحكم والسياسة العامة الاستعمارية، وهو ما يلفت إليه صن بالإشارة إلى اختفاء المجاعات مع ذهاب الحكم الإنجليزي. ومن شأن هذه التفسيرات الثقافية أن تستخدم كأدة تضليل للشعوب أمام الطغيان والظلم السياسي!

هذا الكلام لا يعني أن العوامل الثقافية لا علاقة لها بالواقع وملابساته، ولكنه يحيل إلى حقيقة أنها “لا تعمل بمعزل عن التأثيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية”.

** ** **

استطاع الكاتب أن يكشف عن الجدل الدائر حول موضوعة الهوية، وحول أهم القضايا التي تؤثر في النظرة إلى الهوية، وكيف ساهمت أطروحات معينة في تشكيل وتوجيه أنظارنا إلى طبيعة معينة للثقافة والهوية. وتمكّن من أن يقدم تصورًا مرنًا قابلًا للتغير بخصوص موضوعة الهوية.

لكن نجد عنده قصورًا في إدخال منظومة القوة في العالم وأثرها على تشكيل وتأجيج منطق الهوية عند مجتمعات معينة؛ فالتحليل الذي يقدمه للهوية وللصراعات الناشئة بينها، يوحي بأن جميع الأطراف متساوية في الصراع بحكم انتمائها إلى هوية صلبة أحادية، لا أن هناك طرفًا أقوى بغى على الطرف الآخر بغير وجه حق، مما جعل التطرف المستضعف يتمسك بأهداب الهوية للدفاع عن نفسه ودفع ظلم الباغي.

وهذا النقد موجه لبعض المواضع في الكتاب عندما تحدث مثلًا عن طبيعة الصراع بين إسرائيل وفلسطين على أنه صراع بين هويات صلبة متعارضة، لا على أنه صراع بين مُحتل وشعب مقهور، أو كما يعلق على تنظيم المقاعدة، متماشيًا مع آراء النخب السياسية الأمريكية، بحيث اعتبرها مستغلة للهوية الإسلامية الأصولية، وأغفل عن أسباب نشأتها المرتكزة أساسًا على العنف العالمي والهيمنة الغربية على العالم الإسلامي.

2925

عدد الصفحات: 208

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات