المتعة أو العمل.. هل تقترن الهواية بالاحتراف؟

لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس – التقرير

في محاولة لمشاهدة كنوزه في أقل من تسع دقائق و43 ثانية، بدأ ثلاثة شبان في الدوران بتهور في أروقة متحف اللوفر، لا يكادون يلتقطون أنفاسهم من كثرة الضحك. هذا المشهد من فيلم من أكثر أفلام السينما الفرنسية شهرة لجان لوك غودار عام 1964. في كتاب “الفلسفة البطيئة” لميشيل بولس ووكر تقول إن المعاصرة تتطلب السرعة، وتهيمن على التفكير والتأمل، وبالتالي أصبح الإنتاج السريع والاستهلاك للمعرفة قد شردوا تماما عن الاستمتاع بالنص. تؤكد بولس ووكر بصراحة “ليست هذه الطريقة التي ننظر بها إلى الفن”.

كان هذا المشهد الفرنسي ملهمًا أيضًا. فذكرت ماجي بيرج وباربرا سيبر في كتاب لهما عن ثقافة السرعة، أن المراهقين الذين يعملون في وظائف عادية بالحد الأدنى للأجور يخدمون منتجات متجانسة خالية من القيم الغذائية أو الجمالية، ويبيعونها للمستهلكين الذين يعانون من السمنة المفرطة ومرض السكري. مثلما تسلط أضواء الفلورسنت على الأثاث البلاستيكي ليبتسم الجميع دون سبب واضح. مرحبًا بكم في جامعة “ماك” –نسبة لسلسة محلات الوجبات السريعة ماكدونالدز-.

كتب الكثيرون بالفعل عن تحويل التعليم العالي إلى مؤسسات أكاديمية معاصرة، خاصة مجالات العلوم الإنسانية. ما هو مطلوب الآن هو استجابة تسعى إلى تحديد وخلق مساحة للإبداع داخل الجامعات الحديثة؛ للحفاظ على “إحياء الحرفة”. هذا ضد نموذج “تجربة الطالب” في التعليم الاستهلاكي.

بيرج وسيبر من النقاد الأدبيين اللاتي يشغلن مناصب في أقسام اللغة الإنجليزية. لكن انتماءهما التأديبي يظهر رغم ذلك في كتابهما. بالتالي عمدا إلى تجنب كتابة “300 صفحة عن زملائهم العلميين، فغالبًا القارئ سينشغل عنهم”. النتيجة، بغض النظر عن تحديد التخصصات، فإن عدد قليل جدا من الأكاديميين سيفشلون في العثور على تجاربهم الخاصة منعكسة فيما ذُكر في الكتاب. ولأن بيرج وسيبر أدركتا أن استجابة السياسة العامة للجامعة لن تؤدي إلا لتفاقم المشاكل، قررتا أن يمثلا سويًا المقاومة داخل الجامعة؛ ليكونا الحياة العملية للأستاذ المستقل. كما يتمحور بيانهما حول الجوانب الحزبية والعملية جدا للحياة الأكاديمية، مثل إدارة الوقت، التدريس، البحث، الزمالة والتعاون.

توالت الأصداء لفكرة أن المكان الوحيد لمقاومة الحداثة هو الفن، بدلًا من الترشح من خلال صالات العرض، فنحن بحاجة إلى “فهم كم يمكننا اكتساب والخبرة من الوقوف لفترات طويلة أمام الأعمال الفنية الرئيسية”. بالنسبة إلى بولس ووكر “تتطلب أعمال الفلسفة المعقدة عرضًا ملتزمًا على نحو مماثل”. النسخة الرخيصة من الفكرة القائلة بأن” الفن الوحيد يمكنه أن ينقذنا” تقول إنه في مواجهة التطور التكنولوجي المتزايد باستمرار، فالخلاص يمكن أن يأتي فقط من القلم والفرشاة لإخراج عمل فني رائع. فيما ترى بولس ووكر أن الخلاص لا يكمن في العمل نفسه -سواء كان فني أو فلسفي- بقدر ما يكمن في شكل التأمل الذي ننظر به إلى العمل.

فكرة البطء أمر أساسي في التعبير عن الاستجابة لأزمة الجامعة المعاصرة. بولس ووكر وبيرج وسيبر رسمن من حركة الطعام البطيء كعلاج للحداثة. رغم ذلك، وفي حين أن الحركة البطيئة تتحدى وتيرة الثقافة المعاصرة، إلا أنها لا تندرج تحت بند الكسل أو الرومانسية الرعوية قبل الحضارة:

“إن الحركة البطيئة ليست تراجعًا معاديًا ثقافيًا للحياة اليومية، ولا يعني العودة إلى الماضي والأيام الخوالي… ولا هو شكل من أشكال الكسل، ولا نسخة بطيئة للحياة، بل هو عملية يتم فيها التعامل مع الحياة اليومية -في كل وتيرة وتعقيد وروتين- بشكل أكثر رعاية واهتمام”.

من جانبها، كتبت بولس ووكر عملًا كلاسيكيًا للغاية من الفلسفة التي تخدم جدول أعمال تقدمي. هي “الكلاسيكية” بمعنى أن العودة إلى الانضباط الأقدم والأكثر فهمًا للذات، وهي أن الفلسفة هي حب الحكمة. كما اعتبرت التقاليد المختلفة داخل الفلسفة الحديثة أن مكان المعرفة هو القلب، ويمكن العثور عليه بالتفكير الذاتي. على النقيض، فإن جاذبية بيان بولس ووكر هو تحول الفلسفة إلى الخارج، حيث يتم إعادة النظر في الفلسفة باعتبارها مشاركة أساسية مع آخر، والنشاط البارز للفيلسوف هو فعل القراءة.

لاحظت بولس ووكر أن الفلاسفة لا يفكرون كثيرا بقدر ما يقرأون. رغم ذلك، فإذا كان نموذج الفيلسوف كمفكر يشجع الخيال الذاتي كبطولة، والاعتماد على الذات، بينما يتطلب نموذج الفيلسوف كقارئ إعادة النظر في هذا. عندما يقرأ قارئ ما هو مكتوب من قِبل شخص آخر، فالقراءة الجيدة تعني أنه ينفتح على الصوت المؤدي للآخر. نموذج الفلسفة الذي وضعته بولس ووكر في جوهره مفتوح للتخصصات التي غالبا ما تحدد الفلسفة نفسها أنها ضدها، مثل التاريخ والأدب وعلوم الجمال بشكل عام. القراءة، وخاصة القراءة بشكل جيد، لا يمكن أبدا أن يُنظر إليها على أنها شيء حصري في الفلسفة، فهذا تفسير ضيق، بل يجب أن يشمل الأدب، والفنون.

الابتكار الحقيقي لكتاب بولس ووكر هو فهمها للفلسفة -حب الحكمة- من حيث حب القراءة. النقطة ليست أن الفلاسفة لا يقرأون، أو أنهم يجب أن يقرأوا أكثر، ولكن تلك الفلسفة تحتاج إلى إعادة النظر فيما يُقرأ، والتفكير مليًا فيما هو أفضل للقراءة. وبالتالي أهمية البطء.

المعنى الذي يشتمل فيه البطء هنا واسع جدًا. “القراءة البطيئة” لا ينبغي فهمها بأنها عكس “القراءة السريعة”. لا يوجد إشكالية بحد ذاتها في القراءة السريعة أو “الخالية من الدسم”. فهناك مناسبات تكون فيها السرعة ضرورية. في بعض الأحيان، لبولس ووكر تعني القراءة ببطء العودة إلى النص لإعادة قراءته وإعادة النظر فيه مهما كانت السرعة. بينما في أحيان أخرى، يعني البطء التفكير بعناية في النص أثناء القيام بشيء مختلف تمامًا، مثل الركض، السباحة، التحديق من النافذة، أو حتى الانتظار في المرور. في أوقات أخرى، يعني البطء التمهل والتدقيق في العمل. غالبا ما تتميز القراءة البطيئة بشدتها، فهي تنطوي على اهتمام دقيق بالتفاصيل والفروق الدقيقة. في الافتتاحية كُتب: “القراءة البطيئة مهمة على وجه التحديد لأنها توفر لنا نوعية اليقظة اللازمة للانفتاح على الحدث”. المُتعة مهمة هنا، وتدافع بولس ووكر عن القراءة كفعل تأملي لديه القدرة التحويلية، ويشجع على إمكانية إعادة التوجيه.

تدرك بيرج وسيبر عموما البطء في المعنى الحرفي والزمني، وتشيران إلى أن بعض الأساتذة “أذكياء حول أي عمل يمكنهم القيام به في عطلة نهاية الأسبوع” وربما يستيقظون في الثالثة والنصف فجرًا للكتابة دون عائق الرابعة وحتى السابعة صباحًا. كما تستجيب بيرج وسيبر جزئيًا باستخدام أدب أقل حماسًا للإشارة إلى أنه بمجرد أن نعمل قبل ذروتنا الإنتاجية، نبدأ ببساطة في إهدار الوقت. بينما يمكننا في الواقع تحقيق المزيد من خلال العمل أقل. كما أن “وقت الفراغ” غير المخطط له، قد يكون إبداعيا. “نحن بحاجة إلى وقت لا نفعل فيه شيئًا”.

مثل فكرة البطء، فالقراءة أيضا مفهومة من قِبل بولس ووكر بمعنى واسع جدا. واحدة من الجوانب الأكثر إثارة للاهتمام في الكتاب فمن أجل رؤية جيدة للعمل، لا بد من الترابط بين الحواس مثل السمع واللمس. هذا على وجه الخصوص يعني الاستماع كبديل مفيد للمعرفة. فالاستماع يعزز القرب. مع ذلك، “الاستماع اليقظ ينطوي على تبادل مفتوح حيث لا يتم الاستماع في تفاهم مشترك، ولكن عن طريق الاختلاف. الاستماع المتيقظ يحترم الفرق الآخر”.

والعودة هنا إلى فهم الفلسفة كما الحوار الأساسي ليس من قبيل الصدفة: الاستماع إلى الآخر هو الشرط المسبق لمعرفة. يوفر الاستماع اليقظة الفاصل الزمني اللازم أو التردد الذي يجعل من الممكن تجنب استهلاك أو دمج الآخر.

القراءة ليست نشاطًا محايدًا. لا توجد قراءة بريئة. القراءة لا بد أن تكون دومًا هجر كامل من الذات لصالح النص. بولس ووكر تجسد ما يعنيه هذا، لأنها تستمد أجزاء كبيرة من الفلسفة في تركيزها على إعادة صياغة سيمون دي بوفوار لعلم سارتر الفلسفي. فنموذج بولس ووكر الخاص للفلسفة كما هو واضح في القراءة: “بوفوار لا يزال مرتبطا فلسفيا ومستقلا عن سارتر”. هذه القراءة، التي تميزت ميشيل لو دوف “كفلسفة منطوقة”، تحتل فقط بضع صفحات من النقاش المباشر في كتاب بولس ووكر، ولكنها تمثل مثالا هاما لنموذج الفلسفة التي تدعو إليها.

ما هو مطلوب هو إعادة التفكير في العلاقة بين الاحتراف والهواية داخل الجامعة. أن تكون أكاديميًا مهنيًا يعني أن تدفع للعمل في تخصص معين. الأكاديمية المهنية تعلم عدة دورات في السنة للمهتمين، فالطلاب المشاركين؛ يحصّلون الدرجات بجد وبسرعة، يجيبون رسائل البريد الإلكتروني ويحضرون إلى الواجبات الإدارية، يشرفون على طلاب الدراسات العليا بضمير، ويبحثون على المنح البحثية الخارجية. في هذا المعنى، يتناقض المهني مع الشخص الذي لا يؤدي هذه الواجبات بشكل كاف.

كما يتم تمييز المهنيين بدلا من “الهواة”، الشخص الذي قد يقرأ في وقت فراغه ويناقش ما يقرأه مع الأصدقاء، غالبًا لا يمكنهم التعامل مع قسوة الحياة المهنية. قد يقرأ الهواة مقالا مثيرا للاهتمام أو كتبا كاملة، لكنهم ربما لن يقرأوا الأدب الثانوي الضخم والممل غالبًا.

لا يمكن أن تكون على حد سواء من المهنية والهواة في نفس الوقت، لكن هناك إحساس آخر أقدم يمكن فهم الهواة به. الكلمة نفسها تنبع من كلمة لاتينية تعني العشق. فالدافع للهواة هو الحب. في هذا المعنى، فالمهنية والهواة -من الناحية النظرية على الأقل- متوافقان تماما مع بعضهما البعض. وكثيرا ما يُنسى أن الفلسفة في شكلها السقراطي هي حب الحكمة بمعنى الرغبة المثيرة للخير والجمال. لكن هناك الكثير الذي يمكن قوله عن أنماط الحب، فضلًا عن الاحتمالات والمخاطر. هنا بولس ووكر تطور بعض من الأقسام الأكثر إثارة للاهتمام والقابلية للتطبيق.

في دفاعهما عن الهواة، ترى بيرج وسيبر أنها يجب أن تأخذ شكل الدعوة لاسترداد ملذات المهنة. تم تطوير هذا الموضوع في جميع أنحاء الكتاب، ولكن في فصل حول ملذات التدريس تم تناول الموضوع بشكل أكثر مباشرة:

“العواطف تسهل التعلم، لذلك يبدو من المعقول أن تشير إلى أنها سوف تعزز التدريس أيضًا. ليس من التفاهة أن نمتع أنفسنا في الفصول الدراسية. قد يكون هذا مهمًا لخلق بيئة يمكن للطلاب التعلم فيها”.

تحليلها هنا محدد تماما مع أقسام مثل العصبية والتوقيت والاتصال غير اللفظي، التنفس، الضحك والفكاهة، الاستماع، السرعة، واستخدام السرد ورواية القصص. المتعة هنا غير مواتية للعصرية.

غني عن الذكر أن الفائض من سلوك الهواة من قِبل أولئك الذين دُفعوا إلى التصرف خلاف ذلك يُعد تهديد للأكاديمية المعاصرة. لكن هناك خطر أشد خطورة قد ينشأ عن سوء فهم عن الاحتراف. يُفهم الاحتراف فقط من حيث السرعة والكفاءة، وغالبًا ما يفكر في الواجبات المهنية، ويضع نفسه ضد الهواة بمعناها الحب والرغبة والمتعة. هذا هو الاحتراف الخبيث الذي يمنع الأكاديميين من أن يكونوا من المهنيين والهواة.

كل من هذه الكتب تقدم العلاج الذي يشتد الحاجة إليه الآن. تقدم بيرج وسيبر أرضية علاجية في العمل، وكتابهما يستحق أن يُقرأ على نطاق واسع لهذا الغرض. بينما تعمل بولس ووكر على مستوى أعلى من التجريد استنادًا إلى التقليد الذي اتخذ منذ بدايته العلاجات الفلسفية. في هذا الصدد، لا يستجيب أي منهم لفكرة أن الجامعة لا يمكنها البقاء إلا إذا تمكنت من الاحتراف بما فيه الكفاية لتبقى فعّالة في سياق الرأسمالية. فداخل الجامعات، ما زال ممكنًا العثور على الحب، الحكمة، الرغبة، والمتعة.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات