الليالي البيضاء.. أحلام ديستويفسكي الشاب وأوهامه

سلمى هشام فتحي – التقرير

يعتمد الأدب في الكثير من الأحيان على المفارقات، لكن المفارقات في حالتي هذه تسربت للكتابة عن الأدب أيضًا.

بدأ الأمر بهاتف يأتيني كل حين لاستكمال رواية “الجريمة والعقاب” للكاتب الروسي الشهير “ديستويفسكي”، لكنني دائمًا ما كنت أرجئ اتخاذ أي خطوات فعلية، في سبيل تحقيق ذلك، إلى الشتاء القادم، فالرواية طويلة، وتحوي الكثير من التحليلات النفسية والصراعات، والشتاء الروسي الذي لا يعترف سوى بالجليد الأبيض، وتلك الأجواء – بالطبع – لا تصلح للقراءة في الصيف.

لكن الشتاء حل وذهبت معه الحجج، وفاجأني جليد “ديستويفسكي” الأبيض في هذه الأيام، من خلال أبيض آخر في روايته القصيرة “الليالي البيضاء”، أما المفارقة فهي أن تلك الليالي البيضاء، التي لا يغشاها الظلام، ليست صورة من ابتداع خيال الكاتب فقط، بل هي أيضًا ظاهرة حقيقية تحدث مع بداية فصل الصيف الروسي، حيث تشهد البلاد الشمالية من الكرة الأرضية، فترات طويلة من الضوء والعتمة، يتغير معها تعريف اليوم عما اعتدنا عليه في الشرق الأوسط.

1

وبطل رواية “الليالي البيضاء” (1848) –وهي من الأعمال الأولى لـ”ديستويفسكي”- شاب يمكن أن تقابله اليوم في القرن الحادي والعشرين. إنه ذلك الإنسان الحالم، الذي لا يعيش خارج رأسه، وربما يتوق للتواصل مع العالم الخارجي، ثم لا يستطيع، كالبطل الذي لا ينجح في التواصل مع صديقه، الذي أتى لزيارته. وقد تجده في العصر الحالي يشاهد الأفلام واحدًا تلو الآخر، ويقضي مع ألعاب الكمبيوتر الساعات، فيرى نفسه يخوض المغامرات كما بطل اللعبة، فلا يلاحظ وحدته وخرسه ويظل يجتر أحلامه.

والوحدة، التي زحفت على الإنسان مع بداية الحداثة، وانعكست على أبطال الروايات، تتعدد أسبابها، فهناك من أجبرته التجارب السيئة على ذلك، أو حتى ظروف النشأة وخوف الأهل، أو طبيعتهم المنغلقة، التي قد لا تكون متأصلة لدى الأبناء، الذين يسعون إلى الخروج من دائرة الخوف، ويتضح هذا الرمز في حديث بطلة الرواية “ناستنكا” عن جدتها العجوز، التي تربط فستانها بدبوس في ثوبها، خوفًا عليها من الانحراف، وقد يرجع الأمر إلى طبيعة الشخص الانطوائية، التي تجعله يؤثر الوهم وينبذ الواقع.

يذكرنا السكون الخارجي، الذي سيطر على البطل، وجيشانه الداخلي، بتيار الوعي، الذي يعج بالأسئلة في رؤوس أبطال روايات شهيرة، كالسيدة “دالاواي” مثلاً في رواية “فيرجينيا وولف”.

وجعلت الوحدة من البطل، الذي لا يحمل اسمًا في رواية “ديستويفسكي”، شخصًا شديد الحساسية، يتأمل البيوت والنوافذ في مدينة “بطرسبرج”، ويجري معها الحوارات في حميمية محببة. يقول:

2
“والمنازل صديقة لي أيضًا. فحين أسير فكأن كل منزل يقبل عليّ، وينظر إليّ من جميع نوافذه ويقول لي ((نعمت يومًا! كيف حالك؟ أنا بخير والحمد لله. في شهر آذار سيضاف إليّ طابق جديد)) … أو يقول لي ((لقد أوشكت أن أحترق وخفت خوفًا شديدًا))”.

وتظهر تلك الحساسية والحميمية أيضًا، حين يقص البطل حياته للفتاة التي التقاها، فيبدو كجرّاح يشرّح النفس البشرية ويصف دقائقها، كما “راسكولينكوف” في رواية “الجريمة والعقاب”، والحقيقة أن الجراح ليس إلا “ديستويفسكي” نفسه مبتدع الشخصيتين.

يقول بطل “الليالي البيضاء”:
“بطلنا لا يتذكر أنه حلم. لكن عاطفة مبهمة تعود فتهز قلبه، ورغبة أخرى تدغدغ خياله لذيذة ممتعة، ثم سرعان ما تهيجه، وتخلق له عالمًا جديدًا من الأشباح شيئًا بعد شيء. الصمت يرين على الغرفة؛ والعزلة والكسل يهدهدان فكره، الذي يصعد ويغلي غليانًا خفيفًا، كالماء في غلاية القهوة، التي تصنع فيها العجوز ماتريونا قهوتها في المطبخ”.

إن بطل هذه الرواية، يتقاطع مع “ديستويفسكي” نفسه في كثير من التفاصيل، فهو الحالم الذي يأتي غريبًا إلى “بطرسبرج”، لا يعرف أحدًا، ورغم أن بطلة الرواية تتحدث إلى البطل عن حبيبها، الذي تشغف به وتبدو غاية في الرومانسية، فإنها تأخذ خطوات جادة في سبيل الوصول إليه، أما البطل فيعيش في أحلامه، ويحب الفتاة بطبيعة الحال، ورغم أن حياته ما هي إلا أوهام وعوالم داخلية، فإنني شعرت بالتوحد معه أكثر منها.

3

مترجم الرواية هو الدبلوماسي والمترجم السوري الحمصي الفذ “سامي الدروبي”(1921-1976) الذي ترجم الأعمال الكاملة لـ”ديستويفسكي” وغيره من الكتاب الروس عن الفرنسية، حتى أن “دار التقدم” في موسكو اعتمدت ترجمته مع بعض التنقيح، عوضًا عن ترجمتها عن الروسية مباشرة تحية له، وحين سأل “طه حسين” المستشرق الروسي “فلاديمير كراستوفسكي” عن رأيه في ترجمة “الدروبي” للأعمال الكاملة لـ”ديستويفسكي” قال:
“لو أن ديستويفسكي كتب بالعربية، لما كتب أجمل من ذلك”.

نقل رواية “الليالي البيضاء” إلى الشاشة الفضية مخرجون من كافة دول العالم، من إيطاليا وروسيا والهند وغيرها، ومن أشهر تلك الأفلام فيلمًا إيطاليًا يحمل نفس الاسم، إنتاج عام 1957، وبطولة “مارسيلو ماستروياني” و”ماريا شيل” ومن إخراج الإيطالي “لوتشينو فيسكونتي”.

إن الفكرة التي تقوم عليها الرواية، من التقاء رجل وامرأة غريبين عن بعضهما البعض، بالصدفة لليلة أو لبعض الوقت، والأحاديث التي تدور بينهما، ثم افتراقهما ثانية في نهاية العمل، تبدو جذابة للعديد من الفنانين وصناع السينما، ومن أمثلة ذلك ثلاثية أفلام “قبل الشروق” Before Sunrise من إخراج وكتابة وسيناريو “ريتشارد لينكلاتر”، التي حازت إعجاب النقاد والجماهير.

4
يكمن جمال رواية “الليالي البيضاء” في بساطتها ورهافتها، فهي حكاية حب حزينة بين فتى وفتاة يعانيان الوحدة، ويسر كل منهما بمكنوناته للآخر، لكن جمالها –في رأيي– في المشاعر والتفاصيل التي كتبها “ديستويفسكي” –الذي ولد في هذا الشهر منذ 195 عامًا – بقلبه وروحه وكيانه.

وتظل تتكرر جملة البطل -الذي انكسر قلبه– في عشق لحظات السعادة العابرة، والحب الذي يشبه الحلم القصير:
“لحظة بكاملها من سعادة… رباه هل تحتاج حياة إنسان إلى أكثر من هذا؟”

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات