الكتب أم التكنولوجيا.. كيف اختلفت حياتنا بينهما؟

كيتساب صن – التقرير

مقال للكاتب روب وتوت

خلال بحثي عن شيء أقرأه الأسبوع الماضي، سحبت من الرف نسخة من رواية دوستويفسكي “الجريمة والعقاب”، الرواية التي لم أعيد قراءتها منذ كنت أدرس الأدب الأوروبي عام 1960.

كنت أذكر القصة الأساسية بشكل واضح، فـ”راسكولنيكوف” طالب فقير يدرس القانون يعاني من مزاج غير مستقر، حَلِم أنه شاهد مجموعة من الناس في حالة سُكر ضربوا حصانًا حتى الموت، بعد ذلك قتل سيدة عجوز، كانت تقرضه المال. بعد أن قتلها بفأس، فوجئ باقتحام ابنتها الغرفة، فقتلها بنفس الطريقة. تبحث الأخماس الأربعة الأخيرة من القصة عن تبريراته للقتل وأن عقابه كان عذاب الضمير الذي لا هوادة فيه.

أي شخص يتساءل عن سبب إعادتي قراءة رواية بينما أعرف قصتها، عليه أولًا أن يسأل نفسه لماذا يستمع إلى مقطوعة موسيقية أكثر من مرة، أو ينظر إلى لوحة أو يشاهد فيلمًا أكثر من مرة، حينها سيصبح الجواب بديهيًا.

في حالتي، تساءلت أيضًا عما إذا كان لا زال لدي القدرة على الغرق في عوالم أحد كِبار الروس في القرن التاسع عشر. كما أنني أردت الاستمتاع مرة أخرى بدوستويفسكي، وأسلوبه الفريد في رواية القصة، وخلقه للشخصيات ووصفه إياها، بجانب وصفه للمشاهد بشارع بطرسبرج، رغم أنني أقرأها مترجمة.

أنا وسقيقي الصغير كنا محظوظين؛ لأن لنا آباء يقرأون. يمتلئ منزلنا بالكتب والصحف والمجلات. نرشح الكتب والمقالات لبعضنا البعض. إلا أن شقيقنا الأكبر لم يكن يومًا قارئًا، كذلك زوجته. خلى منزلهم من أي مواد مطبوعة.

ما الذي يمكنك أن تتحدث عنه مع شخص لا يقرأ؟ الأطفال والأحفاد؟ الجو؟ عرض تلفزيوني؟ الرياضات؟ لكن ماذا بعد ذلك؟

لدي صديق جيد لا يقرأ من الكتب سوى الخيالية؛ فهو يقرأ من أجل المعلومات فقط. لم يتقبل أن الخيال يقدم معلومات من نوع مختلف، والتي إن توفرت لكاتب ماهر، سيمكننا فهم كيف يشعر رجل لديه ضمير بعد قتل شخصين، وكيف يمكن لعذاب الضمير الذي لا يرحم أن يُقنعه بالاعتقاد أن ذنبه مكتوب بوضوح على وجهه، وظاهر حتى للغرباء، وقد يجعلهم حريصون على كشفه. (قد يكون صديقي أجاب بأنه لا ينوي قتل أي شخص لديه فأس أو أي أداة أخرى، بالتالي لم يكن بحاجة إلى معرفة العواقب الشخصية).

أفادت المؤسسة الوطنية للفنون أن 57% من البالغين عام 1982 قرأوا عملًا أدبيًا واحدًا على الأقل خلال السنة السابقة فقط من أجل الاستمتاع. عام 2015، انخفض هذا الرقم إلى 43%، دون أن يميز الاستقصاء بين الكتب المطبوعة والإلكترونية.

كما تبين أن النساء أكثر عُرضة لقراءة الخيال من الرجال، وأصحاب البشرة البيضاء -بشكل عام- أكثر عُرضة للقراءة من أصحاب البشرة السمراء والإسبانيين. وكلما ارتفع مستوى التعليم، ازداد انتشار قراءة الأدب. إلا أن العدد المتزايد من حَملة الشهادات الجامعية لم يُنتج عددًا متزايدًا من قراء الخيال. هل ينبغي أن يكون ذلك مثيرًا للقلق؟

مقالة في “الواشنطن بوست” علّقت على نتائج الدراسة بأن “الخيال -وخاصة الخيال الأدبي- يبدو أن يعزز العاطفة لدى من يقرأونه، ويدعم قدرتهم على رؤية العالم من أعين شخص آخر. كما أن الأعمال الأدبية الجيدة، خاصة الروايات، يُمكنها أن تمنحك القدرة على الوصول المباشر إلى عقل شخص آخر -سواء كان ذلك عقل المؤلف، أو عقول الشخصيات الخيالية- أكثر من معظم الأعمال الفنية الأخرى”.

في دراسة نُشرت في مجلة “سينتيفيك أمريكان” عام 2011، شملت ما يقرب من 14 ألف طالب، 75٪ منهم كشفوا عن أنهم أقل تعاطفًا مما كان عليه نظرائهم قبل 30 عامًا.

إذا كان الناس عمومًا أقل تعاطفًا اليوم، وأقل قدرة على التعرف على وجهة النظر الأخرى وفهمها والتعاطف معها -كما تقترح سياستنا الوطنية- فهو لأن الناس أكثر عزلة اليوم، وأكثر عرضة للعيش بمفردهم، وأكثر راحة بالتواصل مع الأجهزة الإلكترونية بعيدًا عن الناس والتوترات التي قد تصاحب العلاقات الشخصية، بل حتى أكثر استعدادا للموت!

إذا كانت هناك علاقة سببية بين قراءة الأدب وتطور العاطفة، وإذا أردنا تعزيز العاطفة، فسيكون هناك سببًا للأمل في مجتمع أكثر تعاطفًا بالتأكيد على أهمية قراءة ومناقشة الأدب في حياة الفرد.

المصدر

النقاش — تعليق واحد

  • ماهر عدنان قنديل أبريل 9, 2017 on 6:21 م

    مقال متميز للكاتب روب وتوت أعجبتني هذه المعلومة: “في دراسة نُشرت في مجلة “سينتيفيك أمريكان” عام 2011، شملت ما يقرب من 14 ألف طالب، 75٪ منهم كشفوا عن أنهم أقل تعاطفًا مما كان عليه نظرائهم قبل 30 عامًا”. كما أعجبت بهذه الخلاصة “إذا كان الناس عمومًا أقل تعاطفًا اليوم، وأقل قدرة على التعرف على وجهة النظر الأخرى وفهمها والتعاطف معها -كما تقترح سياستنا الوطنية- فهو لأن الناس أكثر عزلة اليوم، وأكثر عرضة للعيش بمفردهم، وأكثر راحة بالتواصل مع الأجهزة الإلكترونية بعيدًا عن الناس والتوترات التي قد تصاحب العلاقات الشخصية، بل حتى أكثر استعدادا للموت!”..

    الصراحة مسألة تأثير التكنولوجيا الرقمية على حياتنا الحسية (النفسية والعاطفية) لا شك أنها كبيرة.. لكن الموضوع يستحق جدلية فلسفية عميقة خصوصًا أن الإيجابيات كثيرة أيضًا..

    Reply

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات