العالم يغرق في جنون القادة.. من سيشعل الثقاب؟

استراتيجيك كالتشر – التقرير

واحدة من نتائج الثورات الشعبية هي أن الناس انتهوا مع النوع الذي يريدونه من القادة السياسيين، لكن كما يقول المثل القديم “كن حذرا مع ما تريد”. بدءًا من الفلبين ومرورا بالولايات المتحدة وتركيا وصولًا إلى غواتيمالا، يتشابه القادة “الشعبويون” في الألقاب والتصرفات الغريبة المعادية للديمقراطية. في الواقع، إن القادة الذين أبرموا اتفاقية ميونخ عام 1938، ومن بينهم المستشار الألماني أدولف هتلر ورئيس الوزراء الإيطالي بينيتو موسوليني، كانوا يبدون أكثر كياسة ولياقة، سواء نحو بعضهم البعض، أو حتى على الملأ، مقارنة بالكثير من القادة السياسيين الحاليين.

إن كنت تريد رؤية قادة لا زالون يلتزمون بالدبلوماسية واللباقة والقدرة على ضبط نفسك، إذن عليك توجيه نظرك نحو موسكو وبكين وهافانا وسانتياغو. مع هذا، فإن رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين، لوّح بعد عودته إلى لندن من ميونيخ بأن اتفاقية ميونخ لا قيمة لها، ولقبها باتفاقية “السلام لعصرنا”، حتى أنه أخبر المتجمهرين حول مقر سكنه بأنه لا داعي للقلق “نشكركم من أعماق قلوبنا. عودوا إلى دياركم واحصلوا على نوم هادئ لطيف”، على كل حال اندلعت الحرب العالمية الثانية في الأول من سبتمبر 1939.

كل تلك المجاملات والإيماءات الدبلوماسية في ميونيخ إن لم تشفع لإخماد نيران الحرب، ماذا إذن ستكون نتيجة هذه التصريحات العدائية المتبادلة حاليًا بين الزعماء الوطنيين؟ الجواب هو حرب واحدة لا تقتصر على الأسلحة التقليدية.

عقب تنصيبه، تباهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في حديثه مع الموظفين في مقر وكالة الاستخبارات الأمريكية، قائلًا: “إن الولايات المتحدة لديها فرصة أخرى للاستيلاء على إمدادات النفط في العراق”. وأعقب هذا البيان بقرار يحظر العراقيين، من دخول الولايات المتحدة، حتى لو كان بحوزتهم تأشيرات سارية المفعول أو إقامة دائمة. حتى بعد أن أصدر قاضي الاتحاد الجمهوري في سياتل أمرًا بتقييد الحكومة مؤقتًا من قرار ترامب، غرّد الأخير “استعراض هذا الذي يُسمى قاضيا، المعني في الأساس على إنفاذ القانون بعيدا عن بلدنا، هو أمر مثير للسخرية وسينقلب عليه!”. لم يسقط النظام.

استمر المتغطرس ترامب، واتهم الصين بأنها “تتلاعب بالعملة”، محذرا ثاني أكبر اقتصاد في العالم من العقوبات التجارية، إذا لم تتخذ خطوات لخفض الفائض التجاري مع الولايات المتحدة. وأعقب تحذير ترامب تصريحات معادية لبكين من وزيرة الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيمس ماتيس. وأُمرت البحرية الأميركية بإرسال حاملة الطائرات ومدمرة الصواريخ الموجهة في بحر الصين الجنوبي كاستعراض للقوة وتحذير الصين، والتي قامت بدورها بزيادة التحصينات على الجزر المتنازع عليها.

في الفلبين أيضًا، خاطب الرئيس رودريجو دوتيرتي القوات الأمريكية بالابتعاد عن بلاده. الرئيس الفلبيني، الذي أصدر من قبل قرارًا بإعدام عشرات الآلاف من المجرمين بدعوى أنهم “تجار مخدرات”، وهدد بانسحاب بلاده من الأمم المتحدة وتشكيل منظمة دولية جديدة مع الدول الإفريقية والصين.

حتى الآن لم يتخذ أي خطوات واضحة نحو هذا الانسحاب وإن كان مستشارو ترامب يرحبون أيضًا بانسحاب الولايات المتحدة كذلك. في الأول من ديسمبر 2016، تمنى ترامب النجاح لنظيره الفلبيني بالنجاح في حربه على المخدرات في مكالمة هاتفية بينهما. تلك الحرب انتجت نحو 4800 حالة اغتيال منذ تولي دوتيرتي منصبه في 20 يونيو من العام الماضي، ليلقب دوتيرتي بـ”ترامب الفلبيني”.

في مكالمة هاتفية مع الرئيس المكسيكي أنريكي بينانيتو في أوائل فبراير الماضي، قال ترامب لنظيره المكسيكي إن الولايات المتحدة مستعدة أن ترسل قواتها إلى المكسيك لوقف “الرجال السيئون هناك” ما لم يكن الجيش المكسيكي قادرًا على فعل ذلك. فاجئ ترامب بينانيتو قائلًا: “لديك عدد من الرجال السيئين هناك، ولا تفعل ما يكفي لإيقافهم. أعتقد أن جيشك خائف ولكن جيشنا ليس كذلك. لذلك أنا فقط سأرسلهم للاهتمام بالأمر”.

جاءت هذه الدعوة بكلماتها الحادة كجزء من خطة ترامب لبناء جدار على طول الحدود المكسيكية، ليغرد فيسنتي فوكس الرئيس المكسيكي السابق، قائلًا: “ترامب، متى ستفهم أننا لن نمول هذا الجدار. كن واضحا مع دافعي الضرائب في الولايات المتحدة. هم من سيدفعون ثمنه”. رغم أن اتفاقية ميونيخ باعت تشيكوسلوفاكيا للنازيين، لم يكن هناك تلميح من هذا النوع في اللغة المستخدمة بين هتلر وموسوليني وتشامبرلين ورئيس الوزراء الفرنسي ادوار دالادييه، أو حتى الرئيس التشيكوسلوفاكي إدوارد بينش، الذي قُدمت بلاده على طبق من فضة لهتلر.

إلى جنوب المكسيك وتحديدًا غواتيمالا حيث يعاني مرشح “شعبوي” آخر انتُخب رئيسا. هو جيمي موراليس، الممثل الكوميدي السابق الذي لوّن وجهه يومًا بالأسود وارتدى شعرًا مستعارًا من الفرو، ولوّن شفتيه باللون الأبيض. واحد من أوّل تصرفات موراليس كرئيس كان الحديث عن الذهاب إلى الحرب مع “بليز” المجاورة الصغيرة مجاورة من أجل “استعادة” كل أو جزء أرض الوطن غواتيمالا. بطبيعة الحال، لا يُجدي إثبات أن موراليس عنصري وأن سكان “بليز” ينحدرون في الأساس من منطقة بحر الكاريبي. أيضًا يلقب موراليس بـ” ترامب غواتيمالا”.

في أمريكا الجنوبية، اندلعت حرب كلامية بين رئيس بيرو “بيدرو بابلو كوكزينسكي” ووزير الخارجية الفنزويلي “ديلسي رودريغيز” بعد اجتماع كوزينسكي في البيت الأبيض مع ترامب. أشار كوزينسكي في حديثه إلى رودريغيز قائلًا: “إنه يدور كالمسكين، مع احترامي لأنه رجل مُسن. أنه كلب جيد يلوّح بذيله للإمبراطورية، ويطلب التدخل في فنزويلا. إنه وحيد، يدور كالمجنون، دون أن يهتم به أحد”. جاءت هذه التصريحات عقب تقارير تفيد بضغوط زعيم بيرو على ترامب لـ”تغيير النظام” في فنزويلا.

بعد أن رفضت الحكومات الألمانية والهولندية السماح لأعضاء مجلس وزراء حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ببدء حملة للعمال الأتراك المغتربين في كلا البلدين، باعتبار أردوغان المتهم بالسياسات “النازية” في كلا البلدين. كان أردوغان يتصيد أصوات أكثر من مليون ناخب تركي في ألمانيا، وهولندا، والنمسا، وسويسرا للتصويت لصالحه في استفتاء لزيادة صلاحياته.

ووصف أردوغان رفض ألمانيا للسماح لأعضاء من حكومته بالقيام بحملة بين الأتراك أنه “عمل فاشي يذكرنا بالحقبة النازية”، قائلًا إن الهولنديين “بقايا النازية والفاشية”. كما هدد أردوغان كثيرا بالسماح لمزيد من اللاجئين المسلمين باكتساح أوروبا كالطوفان. هذا الكلام ما هو إلا دعم لتشجيع الأحزاب السياسية المعادية للمسلمين في أوروبا.

أما من يجب أن ينال جائزة أول من اعتراف بوجود “الجنون السياسي الدولي” فهو رئيس الوزراء الهولندي مارك روتا، والذي علّق على بيان أردوغان أن الهولنديين هم “بقايا النازية”، واصفًا الرئيس التركي بـ”المجنون”، قائلًا: “ربما آن للأمم المتحدة تنظيم لجنة خاصة للتعامل مع القادة السياسيين المجانين”.

تمكنت غامبيا أخيرا من التخلص من الديكتاتور يحيى جامح، الذي تمنى وود لو يمتد حكمه إلى “مليار سنة”. ومع ذلك، لا يزال الجنون يسيطر على حكام آخرين، مشعلًا “حروب عبارة” غير دبلوماسية في جميع أنحاء العالم، بين صربيا وكوسوفو، إيران والولايات المتحدة، ودائما كوريا الشمالية العدائية وكوريا الجنوبية وماليزيا واليابان، وحتى الصين. أغرق القادة السياسيون العالم في البنزين بفعل جنونهم. الشيء الوحيد المتبقي هو من سيشعل عود الثقاب وأين.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات