الضوء الأزرق.. أن تتجاوز نفسك حتى تفيض منها وعليها

أفنان فهيد – التقرير

بفيلم قصير وثائقي، وبفترة مرضه الأخيرة، قال “حسين البرغوثي” بلكنته الفلسطينية، وبصوت ضعيف: “من زمان تنازلت عن فكرة الكمال. فيش إشي كامل، لا اللي كتبته ولا اللي بدي اكتبه.”

حسين البرغوثي.. من أين عرفته؟ قبل قرابة العامين، لو كان قد ذُكر اسمه أمامي، ما كنت لأعرفه، ثم فجأة –كأنه خرج من العدم- بدأت مجموعة من الأصدقاء تتحدث عن “حسين البرغوثي” وضوءه الأزرق، لفت انتباهي الاسم.. الضوء الأزرق.. ماهو؟

ولطالما ارتبطت صورة “حسين البرغوثي” في مخيلتي بهالة زرقاء، كأن لون جسده أزرق، كأن كل صورة مصطبغة باللون الأزرق.

بعدها بفترة قصيرة، كنت أقرأ “ولدت هناك.. ولدت هنا” لـ”مريد البرغوثي”، عن عودته إلى رام الله مرة مع ابنه “تميم”، ومرة من دونه، وكيف تسلل في إحدى المرات في أثناء القصف أو الاجتياح، إلى أحد أجزاء فلسطين –لا تسعفني الذاكرة لأحدد هل كانت رام الله أم غيرها- داخل عربة إسعاف، وأن المسعف سأله: مريد البرغوثي؟ إذن هل تعرف حسين البرغوثي؟ رحمه الله حزنّا عليه كثيرا.

ليتطرق بعدها “مريد” إلى ذكر “حسين”، خصوصا رحلته الأخيرة مع مرضه، وكيف مات دون أن يشعر به أحد، ودوّن آخر أيامه مع المرض في سيرته الذاتية: “سأكون بين اللوز”.. أحببت “حسين” -قبل أن أقرأ له- من حديث “مريد البرغوثي” عنه.. شعرت أن هناك قوة ما تدفعني دفعا لقراءة “الضوء الأزرق”، وحصلت على نسختي منه -غير ورقية- ولسبب ما كنت أؤجل قرائته، دائما أسأل نفسي” متى سأقرأه؟ فتجيب: وقتًا آخر.. هل كان السبب أنني أبحث عن نسخة ورقية، أم سببا آخر؟ لا أعلم.

حتى جاء ذلك اليوم، الذي كنت جالسة فيه وحيدة، أنتظر شخصا ما، لا شيء يبدد دقائق الانتظار، فخرج ضوءُ أزرق من حقيبتي.. تذكرت.. هل لازلت احتفظ به معي؟ كانت الإجابة نعم. بدأته بالفعل، ولأول عدد من الصفحات لم أدرِ ماذا يريد حسين أن يقول.. حتى وصلت إلى تلك الفقرة:

“كنت عاقلا، ومثقفا وطالبا في الدراسات العليا، وكل شيء يبدو على ما يرام، وفي الداخل صحراء فيها كائن قاعد على ركبتيه في الفراغ، و”يأكل قلبه” كما يقول الشاعر الإنجليزي، فسألته: “هل هو مُر؟” قال: “مُر جدا يا صديق.”

فشعرت أن أيًا ما كان يريد أن يخبرنا به “حسين”، فقد أحببته تماما، فقد وجدت نفسي بين جناباته، فبداخلي أيضًا -رغم ما يبدو عليّ من اتزان- كائن جالس في الفراغ ويأكل قلبه، وقلبه مُر جدا يا صديق.
الضوء الأزرق.. رواية أم سيرة ذاتية؟ من المؤكد أن أحداثها حقيقية، ومشاعره وأفكاره لم تكن وليدة الموقف، بل تصارعت سنينا في داخله، إلى أن استطاع اخيرًا أن يعبر عنها ويخبرنا بها.

قد تكون الشخصيات هي أشباح “حسين”، ربما لم يقابلها قط في الحقيقة، هو فقط يتحدث مع أصواته الداخلية، وربما تكون حقيقية تماما، قابلهم فردا فردا، تحدثوا معه وأخبروه بكل ما ذكره، ولم يختلق شيئا أبدا.

في الفصل الثالث يتناول “حسين” مشكلته مع الكلمات، وكيف رأاها سحرا.ز الكلمات والتلاعب بها –بالفعل- من أخطر أنواع السحر، الكلمة تشن حربا، وتقتل نفسا، وترتقي بالروح.

يروي في تلك الفقرة طفولته ونظرته للكلمات، عندما كان طفلا في بيروت، يفتح باب المصعد للأغنياء من سكان الطوابق العليا، ويحصل منهم على (بقشيش)، فيكون كنزا صغيرا يستطيع به أن يذهب إلى سينما كارمن، وكيف أحبه الجميع وقتها، وعاملوه بلطف، كأم مروان، أو كتاجر الذهب من الطائفة المارونية، أو حتى الكاتب الفلسطيني الكبير “غسان كنفاني”.. عندها تكونت عداءة بينه وبين أطفال الطوابق العليا، فلقبوه بالفلسطيني! قال إن الحرب الأهلية اشتعلت في لبنان بسبب الكلمات، كل فرقة أطلقت على نفسها لقبًا أو كلمة، وجعل من يتلقب بسواها من أعداءه.

كذلك عندما أشار إليه أطفال الطوابق العليا بأنه “فلسطيني”، وضعوه في خانة أنه من سواهم، وبالتالي من أعداءهم.

بالفصل الثاني، حكى قصة موت والده، كيف أنه لم يودعه، لأن كان لا يريد طعم الموت على شفتيه مادام حيّا يرزق، وكيف ظلت شفتاه مثقلتان بالذنب بعد ذلك.

وأخته، تلك التي غسلنا شعرها بماء البحر في الحمام العسكري، ألقت نفسها عليه وناحت.. البحر الذي لم يره وهو طفل سوى مرة في بيروت، وهو جالس عارٍ ينظر إليه، وكاد يغرق وهم يغسلون شعر أخته بماءه، ظل يطارده في أحلامه ويبتلعه، في كل مرة رأى البحر بعيون الطفل، ولا مرة رأى الطفل بعيون البحر.

“من لم يغيرني بصدق، لم يحيرني بعمق.”

حيرني “حسين”، لم أفهمه تماما في كل أجزاء الكتاب، إلا أنني أحببته، فقد تجاوزني، ووصل إلى أقصى داخلي، وذلك لأنه يتحدث بكل صدق عن داخله.

“هناك نوع من الناس، مثلي، لا يمكنه أن يحسم كل حياته، كلها، لآخر ذرة في قلبه,،من أجل أي شيء في الدنيا، وقدره أن يبقى مشتتًا، كالندى فوق العشب، بدل أن تتوحد كل قطراته لتكون جدولا أو نهرا، وتحسم نفسها باتجاه واحد، لا رجعة منه ولا شك فيه. أعني أنني من هذا النوع، الذي لا يحيا لأجل أي شيء إلا بنصف قلب على الأكثر، وكل شروره تأتي من نصف القلب هذا، إن بقى لديه قلب أصلا.”

“حسين” الذي تأرجح بين الأدب والفلسفة وكتابة الأشعار والأغاني، سار في حياته كما وصف نفسه (بنصف قلب)، فربما لو كان حسم حياته كلها لأمر واحد فقط، ما كان ليكون “حسين” الذي عرفناه.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات