الشرق الأوسط.. بين الحرب والإرهاب والتهجير

نيويوركر – التقرير

توقفت في الجامع الأموي، الذي بُني في القرن الثامن، والمُسمى نسبة إلى العصر المتسلسل الأول في الحكم بالعالم الإسلامي. يُعتقد أن رأس يوحنا المعمدان دُفنت في محراب مُقبب -رغم المطالبات بنقلها- في أرض المسجد. المسلمون يوقنون أن يوحنا هو النبي يحيى، ويحيى هو مرادف يوحنا باللغة العربية. ذلك يرجع إلى أنه وُلد من أم عقيم لفترة طويلة، وأب مُسن. بعض النساء المسلمات اللاتي تواجهن صعوبة في الحمل يأتين للدعاء عند قبره. كما شاهدت سياح مسيحيين يزورون القبر مختلطين مع النساء المسلمات.

فر ما لا يقل عن نصف المسيحيين السوريين منذ ذلك الحين. الرحلة واضحة جدًا. عام 2013، كتب غريغوري الثالث، بطريرك الملكيين بأنطاكية والإسكندرية والقدس، رسالة مفتوحة إلى تابعيه: “على الرغم من كل ما تبذلونه من المعاناة، ابقوا هنا! لا تهاجروا! نحث مؤمنينا وندعوهم إلى الصبر في هذه المحن، وخاصة في هذا التسونامي من الأزمات الخانقة والمدمرة والدموية والمأساوية في العالم العربي، وخاصة في سوريا، لكن أيضًا بدرجات متفاوتة في مصر والعراق وفلسطين ولبنان. يسوع يقول لنا لا تخافوا!”.

المسيحيون السوريون هم جزء من نزوح جماعي يجري في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مهد الأديان. يمثل المسيحيون اليوم حوالي أربعة% فقط بين أكثر من 400 مليون نسمة في المنطقة، بل وربما أقل. يقول زملاء في مركز التقدم الأميركي إن المسيحيين تعرضوا لقتل مُفرط على أيدي جماعات إرهابية، وأُجبروا في الحروب الأهلية على الخروج من أراضي أجدادهم، وتعرضوا للتمييز المؤسسي الوارد في القوانين والممارسات الرسمية للعديد من دول الشرق الأوسط.

نهاية الأسبوع الماضي، أسفرت التفجيرات الانتحارية التي وقعت في كنيستين قبطيتين مصريتين بالإسكندرية وطنطا، على بعد ستين ميلًا شمال القاهرة، عن مصرع حوالي 40 شخصًا وإصابة 100 آخرين. اعتداءات أحد السعف -قبل بضعة أسابيع من زيارة البابا فرنسيس للكنيسة القبطية- حدّت من احتفالات عيد الفصح في البلد التي تضم أكبر عدد من المسيحيين، البالغ عددهم حوالي 9 ملايين في الشرق الأوسط.

المطران أنبا مكاريوس، من أبرشية المنيا، والذي نجا من محاولة اغتيال عام 2013، يقول: “يمكننا أن نعتبر أنفسنا في موجة من الاضطهاد”.

أعلن فرع داعش في شبه جزيرة سيناء مسؤوليته عن التفجيرات. في العامين الماضيين، نُفذت سلسلة من الاغتيالات ضد المسيحيين، كقتل 21 عاملًا مصريًا في ليبيا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، حيث اضطروهم إلى الركوع ثم قُطعت رؤوسهم. تصاعدت التهديدات ضد المسيحيين منذ تفجير انتحاري في 11 ديسمبر بكاتدرائية القديس مُرقس في القاهرة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 شخصًا. بعد هجوم في فبراير قُتل فيه سبعة من المسيحيين في شبه جزيرة سيناء، فر معظم الأقباط من سيناء، وفقا لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”.

أما أكبر نزوح للمسيحيين فيوجد في العراق، حيث حوصروا بين المواجهات الطائفية المتصاعدة بين المسلمين السنة والشيعة، حيث استهدفهم تنظيم القاعدة، وأجبرتهم داعش على الفرار. الشهر الماضي، أخبرني بشار وردة، الأسقف الكلداني في مدينة أربيل الشمالية، العاصمة الكردية، أن “كان هناك 1.3 مليون مسيحي في العراق عام 2003. خسرنا حوالي مليون شخص منذ ذلك الحين”، كما يغادر مئات آخرين كل شهر.

يقول وردة: “من الصعب جدًا الحفاظ على وجود المسيحيين الآن. الأسر لديها عشرة أسباب للرحيل دون سبب واحد للبقاء. هذا وقت حاسم في تاريخنا في هذه الأرض. نحن يائسون”.

في الشهر الماضي، انتقلت إلى الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق وموطن واحدة من أقدم الطوائف المسيحية في العالم منذ ألفي سنة. في طريقي إليها، مررت بعدة قرى مسيحية أُخرج أهلها منها بعد قدوم داعش، حيث فر حوالي 35 ألف مسيحي. العديد من منازلهم نُهبت ثم أُحرقت. حتى شواهد القبور في المقبرة المحلية كانت مُدمرة بالرصاص. يُقدر أن مئات الآلاف من المسيحيين تركوا أراضيهم الزراعية وقُراهم وبلداتهم في شمال كردستان أو خارج حدود العراق.

يقول البطريرك الكلداني لويس ساكو لوكالة “فرانس برس”: “للمرة الأولى في تاريخ العراق، باتت الموصل خالية من المسيحيين”.

الرحلة المسيحية لها آثار أوسع في الشرق الأوسط. “إذا استمرت داعش في إجبار المسيحيين على الخروج من الشرق الأوسط، فذلك لا يُبشر بالتعددية والتسامح وقدرة شعوب المنطقة على العيش مع بقية العالم” كما يرى “التقدم الأمريكي”. فوضع المسيحيين “هو مقياس لما إذا كانت تلك الديانات قادرة على العيش والازدهار في الشرق الأوسط في المستقبل”.

في أربيل، تعيش الآن 500 أسرة مسيحية نازحتها داعش في حاويات شحن، تحولت إلى منازل مؤقتة في أشتي 2، وهو مخيم مُزدحم بطرق ترابية ضيقة. خارج المخيم، التقيت بسلّام أبلها، البقال البالغ من العمر ست وثلاثين عامًا، وهو مسيحي آشوري، فر من الحمدانية قرب الموصل في أغسطس 2014. يدير سلّام الآن كشك في الشارع يبيع التفاح الأخضر والطماطم والفطر والليمون والجزر المكدسة في صناديق. عائلته تضم من 26 فردًا، هم زوجته وثلاثة أولاد وأبوين، وأُسر سبعة أشقاء يعيشون على ما تمنحهم إياه جمعية خيرية آشورية عراقية، بجانب أرباحه المتواضعة.

قال سلّام لي: “لا أحد منا يريد العودة. ما زلنا نشعر بالخوف مما سيحدث بعد داعش”. هناك خوف واسع النطاق بين المسيحيين حول ظهور نسخة ثالثة من التطرف، بعد تنظيم القاعدة، قبل 10 سنوات، وداعش منذ ثلاث سنوات. “قبل عام 2003، كان لدينا حياة مثالية. لم أفكر أبدًا في الرحيل. لكننا أقلية وليس لدينا دعم أو حماية”. سألته عما إذا كان يعتقد أن للمسيحيين مستقبل في الشرق الأوسط، أجاب: “لا! لا! بحلول عام 2020، سيكون معظم مسيحيي العراق قد غادروا”.

المطران وردة كان أكثر تفاؤلًا، حيث قال: “علينا أن نبقى. لكن كم منا سيتبقى؟ أشك أن 50 أو مائة أو ألف عائلة فقط ستبقى في النهاية”. بعد مرور ألفي عام، سيتوجب على الوجود المسيحي التكيف مع ظروف مختلفة.

مثل العديد من المسيحيين الذين قابلتهم، ليس لدى سلّام نية للعودة إلى الحمدانية. منذ تحرير المدينة، في أكتوبر الماضي، عاد مرة أخرى لرؤية منزله. لم تبق منه سوى الجدران، ذهب الأثاث وكذلك النوافذ والأبواب.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات