السعودية وقطر: العداء القبلي والآثار الإقليمية والعالمية

لوب لوغ- التقرير

في صباح 5 يونيو، قررت السعودية وأربعة دول من الشرق الأوسط قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع قطر وحاكمها الأمير تميم بن حمد. لا تُعد مثل هذه الأزمة بين دول مجلس التعاون الخليجي أمرًا حديث العهد، خاصة بين قطر والسعودية والبحرين، لكن قطع العلاقات وأسبابها والمطالب المطروحة هي أمور غير مسبوقة، وتحمل في طياتها آثار إقليمية وعالمية.

قررت دول الإمارات، البحرين، الحكومة الموالية للسعودية في اليمن، والنظام المدعوم من الإمارات في شرق ليبيا، دعم تحرك السعودية، مستخدمين نفس اللغة التي استخدمتها الرياض لتبرير قطع علاقتها مع قطر. قدمت السعودية بعض المطالب لقطر، وهي ” المثول لالتزامات وصفقات مجلس التعاون الخليج، التوقف عن العداء ضد المملكة، ومواجهة الجماعات والأنشطة”.

أثار تحرك الدول ضد قطر تساؤلات حول رغبة السعودية في تغيير النظام القطري، باستبدال تميم بن حمد بشخص أخر من آل حمد، بشرط أن يكون مواليًا للسعودية، إذا كانت هذه هي رغبة المملكة، فلن تقوم بمثل هذه التحركات الخطيرة بدون موافقة واشنطن. ربما شعر حكام الرياض بالجرأة بعد الزيارة الأخيرة لترامب، حيث نجح تغيير الأنظمة في دول الخليج العربي خلال القرنين الماضيين بمباركة قوى الغرب، بداية من بريطانيا وصولًا إلى أمريكا.

إذا رفض أمير قطر تنفيذ مطالب السعودية، هل تنوي الرياض إرسال قوات إلى قطر وإجبار تميم على ترك منصبه؟ هل يستخدم وزير الدفاع السعودي هذا التحرك لتشتيت العالم عن حرب اليمن؟ ماذا سيحدث للقاعدة الجوية الأمريكية في قطر والقوات البالغ عددها 10 آلاف؟ ما مدى استعداد إدارة ترامب والكونجرس لبداية حرب أخرى في الخليج مع مبرر قتال إيران والإرهاب؟ هل خطوات السعودية في المنطقة ستخيف إيران وتجعلها تخضع للسعودية وأمريكا؟

تعتبر التحركات المناهضة لقطر توضيحًا أخرقًا لرغبة المملكة في تحدي إيران؛ من أجل الهيمنة الإقليمية. ما يجعل هذه الخطوة أكثر تعقيدًا هو تعامل دولتين من مجلس التعاون الخليجي – الكويت وعمان – مع إيران وعدم قطع علاقتهم مع الدوحة.

هناك نقطتان يجب أن نضعهما في الاعتبار عند الحديث عن الأزمة السعودية القطرية، وهما أنهم يتبنوا التفسير الوهابي للإسلام، والذي ساهم في نشر العنف في المنطقة وخارجها، وكذلك دعموا ومولوا الجماعات التابعة للقاعدة ضد النظام السوري.

بعد قرار معظم دول الخليج بقطع علاقتها مع قطر، فمن المحتمل أن تؤدي هذه التحركات إلى زوال مجلس التعاون الخليجي.

منذ نهاية حرب الخليج الأولى وطرد صدان حسين من الكويت في 1991، سعت الدول أعضاء المجلس لمصالحهم العسكرية والاقتصادية والسياسية الوطنية الخاصة، بعيدًا عن عضويتهم في المجلس. مع قطع الرياض لعلاقتها مع قطر بشكل جذري غير متوقع، يبدو أن ذلك يعد مؤشرًا على أن مجلس التعاون الخليجي لا فائدة له بعد الآن.

إذا نجحت محاولات الكويت في الصلح بين الرياض والدوحة بدون رحيل نظام تميم، فهذا من شأنه إظهار السعودية بمظهر “فتوة” لا دور له. على الجانب الآخر، إذا استسلمت قطر لمطالب الرياض، فذلك سيساهم في إعطاء الهيمنة لها على دول الخليج، وهو ما سيُصدر صورة للدول العربية أن التحالف مع ترامب له فوائده.

بصرف النظر عن نتائج الدبلوماسية الكويتية، فمن غير المحتمل أن ترضخ إيران لتحركات السعودية في المنطقة، بل ستواصل صعودها كدولة لها هيمنة إقليمية، غير متأثرة بما يحدث بين القبائل العربية. من المرجح أن يزداد عدم الاستقرار الإقليمي، وستظل السعودية والإمارات متورطتين في حرب اليمن.

توترات قديمة

تعود التوترات في مجلس التعاون الخليجي منذ إنشائه في مايو 1981، ورغم الخلافات، إلا أن دول الخليج انضمت لدعوة السعودية بسبب اتفاقهم على أهدافه الثلاثة الرئيسية وهي: المساعدة في الحفاظ على حكم العائلة القبلية، التخلص من جميع الاحتجاجات الديموقراطية المناهضة للنظام والحفاظ على الاستبداد، وحشد الدعم العسكري الغربي للدفاع عن ساحل الخليج العربي ضد تهديدات إيران بعد ثورة 1979.

شعرت قطر، وغيرها من دول الخليج، بالخوف من تصدير طهران للثورة الإسلامية في الجانب الأخر من الخليج العربي، وإثارة الانتفاضات الشعبية المناهضة للنظام، على غرار ما حدث في إيران نفسها.

كجزء من بحثي عن مجلس التعاون الخليجي في أوائل الثمانينيات، سألت رئيس وزراء البحرين خليفة بن سلمان عن رد النظام البحريني على الثورة الإيرانية. أخبرني أنه من أجل النجاة، يجب أن يتم تطبيق الديموقراطية. بالطبع لم يُطبِّق الديموقراطية في البحرين. عندما طرحت نفس السؤال على حاكم قطر، قال إن الديموقراطية جيدة، لكن شعبه لم يتعلم بعد قواعد الديموقراطية.

رغم انضمامهما لعضوية مجلس التعاون الخليجي، إلا أن قطر والبحرين واجها بعضهما في أكثر من مناسبة. استفادت البحرين من اعتمادها على السعودية، والتي استخدمت مجلس التعاون الخليجي كأداة لسياستها الخارجية. كما استغلت الإمارات وجودها في المجلس؛ لتحقيق مصالحها الإقليمية، سواء بالتنسيق مع السعودية أو بشكل منفصل.

مثل السعودية والإمارات، سعت قطر والكويت وعمان لمصلحة سياستهم الخارجية، خاصة تجاه إيران والدول الأخرى، بصفتهم دول مستقلة وليسوا أعضاءً في مجلس التعاون.

رغم الخطاب النبيل على مر السنوات بشأن هدف دول مجلس التعاون الخليجي، وتمهيدها لاتحاد عربي إقليمي على غرار الاتحاد الأوروبي، إلا أن الأعوام الـ 36 الماضية أظهرت أنه تحالف هدفه التفاخر، وليس تحقيق الأمن الإقليمي، وساعد في مشاركة الاستخبارات بين الدول الأعضاء ضد معارضيهم السلميين، وتنسيق استراتيجية لمكافحة الإصلاح. كما ساعد العائلة الحاكمة على النجاة، باعتبارها ضمن أنظمة استبدادية، وليست دولًا حديثة يكون للمواطنين فيها حق في اختيار مسؤوليهم.

بقطع العلاقات مع قطر، يبدو أن السعودية وضعت المسمار الأخير في نعش مجلس التعاون الخليجي، وللأسف لم يفكر السعوديون في الآثار طويلة الأجل لهذا القرار. على سبيل المثال، يمكن أن يساهم ذلك في تقارب قطر وغيرها من الدول لإيران. كما يمكن أن يصبح التعاون الأمني مع واشنطن مشوشًا، والتخلص من التطرف ومواجهة الإرهابيين يمكن أن يصبح مهمة أصعب.

لن يساهم إذلال وعزل قطر في وضع السعودية، وفرض هيمنتها على المنطقة، ولن يعطيها اليد العليا على موقف إيران. كما أنها لن تساعد في تسريع إنهاء حرب اليمن المدمرة.

مزاعم جديدة

في بيانها الرسمي، قالت السعودية إن قطر ارتكبت عددًا من الانتهاكات الخطيرة، ومنها التحريض على الدولة السعودية وانتهاك سيادتها، دعم عدد من الجماعات الإرهابية من بينهم جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة وتنظيم داعش، واستخدام وسائل إعلامها لمهاجمة السعودية وتقويض حرب اليمن.

بناءً على هذه الاتهامات، قررت السعودية قطع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع قطر  ووقف توريد الطعام ورحلات الطيران بين الدولتين، وطرد المواطنين القطريين ومنهم الدبلوماسيين من المملكة، وطلبت السعودية من قطر سحب ألف من قواتها الموجودة في التحالف للحرب في اليمن. حتى الآن تطلب طرد الدوحة من مجلس التعاون الخليجي.

يمكن اختصار هذه الانتهاكات العظيمة إلى ثلاثة نقاط أساسية: علاقات قطر مع إيران، رفضها تصنيف الإخوان المسلمين كـ”جماعة إرهابية”، ودعمها لشبكة الجزيرة.

تشارك قطر دولة إيران في أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، ولا يمكنها سحب نفسها من ذلك. منذ البداية، رأت قطر أن حرب السعودية في اليمن مغامرة غير ضرورية، وفيها أراد وزير الدفاع السعودي إظهار قوة جيشه في مواجهة إيران والجماعة التي تدعمها “الحوثيين”. رغم اتهام السعودية لقطر بتعزيز الطائفية، إلا أن الرياض تعد أكثر دولة تعزيزًا للتوتر بين السنة والشيعة.

يبدو أن السعودية استاءت من حرية قطر، على الصعيدين الإقليمي والدولي، واعتبرت أن ذلك غرور لم يمتثل لآداب القبلية، ولم يُظهر احترامًا للسعودية، فضلًا عن غضب الرياض وغيرها من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة من شبكة الجزيرة، التي كانت موالية للإصلاح في الشرق الأوسط ودعمت ثورات الربيع العربي والإخوان المسلمين كمنظمة إسلامية نشطة، واعتبرت أن ما قام به السيسي في يوليو 2013 “انقلابًا عسكريًا”، وهو ما تسبب في غضب كلا من الرئيس المصري والسعوديين.

لا يعتبر الوضع الحالي بين السعودية وقطر في صالح استقرار وأمن المنطقة، وبالتأكيد لا يخدم مصالح أمريكا الاقتصادية والأمنية في المنطقة. كما أنه يُضعف الجهود العالمية لمحاربة الإرهاب واحتواء التطرف.

يعتبر التوتر بين السعودية وإيران صراعًا على الهيمنة الإقليمية، وليس صراعًا طائفيًا. يجب أن تعلم الرياض أن هذا الصراع نهايته مسدودة. أثبت القرن الماضي أن أمن الخليج سيتحقق بالتعاون وليس بالصراع مع طهران. رغم تغريدات ترامب وتحالفه مع السعودية ضد قطر، إلا أنه لا يحتمل المشاركة في معركة عسكرية أخرى للسعودية في الخليج.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات