الزحف غير المقدس.. عن علاقة الأنظمة العربية بالدين عند د.”سيف الدين عبد الفتاح”

حمزة ياسين – التقرير

بأي معنى يمكن أن نصف الأنظمة العربية بأنها أنظمة علمانية؟ لعل هذا السؤال هو المفتاح في فهم طبيعة علاقة الأنظمة العربية بالدين؛ فالأنظمة العربية لا تتبنى حالة عدائية صراحية تجاه الدين، بل تراها تستشهد بالدين وتقدم وجهات نظر عنه، وتسعى لتشكيل هوية دينية ما، ولكنها مع ذلك لا يمكن وصفها بأنها دينية.

إذن بأي معنى هي أنظمة علمانية، هنا يمكن أن نقول إن علمانيتها تكمن في كونها تسعى للتغول على الشأن الديني واحتكاره لها، وتوظيفه أحيانًا لضرب قوى سياسية معارضة، وهنا لا يعود الدين هو الناظم والحاكم، بل الدولة، أي محاولة سيطرة ما هو علماني (متمثلاً بالدولة) على ما هو ديني.

هذا التغول ينجح أحيانًا ويفشل أخرى، ذلك أن تكوين الأنظمة العربية لم يستقر على صورة الدولة الحديثة التي تمتلك التدبير الشامل للشأن العام، بل هي أضعف من ذلك ولا تزال تناور إلى أن تحقق ذلك، بدليل وجود مكونات أخرى تتمثل رؤى دينية تنافس بها السلطة السياسية وتملك نفوذًا اجتماعيًا يتفوق على الدولة أحيانًا.

وضمن هذا الالتباس الحاصل في فهم بنية الأنظمة العربية في علاقتها مع الدين، تأتي أهمية المقاربات التي تحاول فك شيفرة هذه العلاقة وبيان طبيعتها، ولعل كتاب الزحف غير المقدس للدكتور سيف الدين عبد الفتاح يكون مقاربة مفيدة لفهم هذا الجدل، وهو موضوع هذا المقال.

في زحف الدولة على الدين.. المسارات والاستراتيجيات

على اعتبار الدين نظام شامل لحياة الإنسان ومعاشه؛ يكون زحف الدولة على الإنسان والمواطن وفعاليته زحفًا على الدين نفسه، على اعتبار منازعتها الدين لمساحاته التي كانت له، بعد أن كان يشكل نظامًا للحياة لا على المستوى القيمي فحسب، بل على المستوى المؤسسي والاجتماعي.

يتجلى زحف الدولة على الدين حين تسعى الدولة على منازعة الدين في المساحات والمجالات التي كانت مجال حركته وفاعليته، وذلك بهدف احتكار الدولة لهذه المساحات، ويمكن إحالة سبب هذا الزحف والجور على تلك المساحات لأمرين؛ الأول هو الخوف من أن تخرج الفاعليات من تحت يدها ورقابتها، بحكم تقاطع فاعلية الدين مع فاعلية السياسة، والثاني هو الخوف من أن تُشارك فاعليات المساحة ذاتها، بمعنى أن يؤدي الدين الدور الذي تعتبر السلطة أنها أهل له، وهو ما يظهر عناصر قصور الدولة في تعاملها مع المواطن.

وقد تبنت الدولة عدة استراتيجيات في سبيل ذلك مثل:

  • مهاجمة “تسييس الدين” ضمن خطاب مانع لأي قوى تدخل هذا المجال، وهو ما ظهر في علاقتها مع الإسلام السياسي كجماعة الإخوان المسلمين، وتقييد ممارستها السياسية قانونيًا وسياسيًا، وإقصاؤها في الحوارات الوطنية والعمليات الانتخابية، مع تحذير القوى الأخرى من توظيف الدين.
  • الزحف على تلك المساحات من باب تسييسها، وذلك ضمن مسارين:
  • اغتصاب مفهوم “صحيح الدين” في إطار تأويل ترتضيه السلطة، كما يظهر في تحريك السلطة لرموز التوجه العلماني ضد هذه القوى، عن طريق اتهامها بتسييس الدين واستغلاله، أو في تصدير بعض رموز المؤسسة الدينية التي تتبنى خطابًا متصالحًا مع السلطة وراضيًا باغتصابها للمساحة الدينية.
  • المسار الثاني هو عملية انتقائية تقوم بها الدولة، تبرز في التغول على المساحات الدينية واحتكارها، وهي ذاتها تلك المساحات التي اعتبرتها السلطة حرامًا وجرمًا على القوى السياسية التي اتخذت من الدين مرجعية.

كما يظهر الزحف غير المقدس في تسلط الدولة على التكوينات الاجتماعية الدينية التي كانت ملكاً للمجتمع، كالأوقاف مثلاً، أو في تبنيها لخطاب ديني محدد واستدخالها لمؤسسة دينية بعينها، مثل علاقة الدولة المصرية بمؤسسة الأزهر، أو النظام السعودي بمشايخ السلفية.

ضمن هذه الاستراتيجيات والمسارات يتجلى الزحف غير المقدس بأوضح صوره، “فقد استولت الدولة على البقية من الدين بدعوى “التنظيم”، ودعوى “منع تسييس الدين”، وذلك لأهداف آنية ومصلحية، وصارت عملية التأميم للفاعليات الدينية تتحرك نحو صياغة دين السلطان، في سياق يحدث تآكلات سلطة الدين.

كما يتجلى زحف الدولة على الدين أيضًا عن طريق زحفها على دنيا الناس، باعتبار أن الدين بمعناه الشامل هو المعني بتدبير شؤون الدنيوية للبشر، فإذا استولت الدولة على هذا التدبير فقد استولت على دنيا الناس، وهنا يظهر معنى ما أكده الماوردي حين قال: “فإذا أفسد الدولة الدنيا (أي دنيا الناس)، أفسدت علينا ديننا (دين الخلق وتدينهم)”.

في أثر هذا الزحف على المواطنة، أو “الدولة الحابسة”

يطرح د. سيف الدين عبد الفتاح مفهوم “الدولة الحابسة” للإشارة إلى طبيعة تكوين الدولة العربية وعلاقتها بالمجتمع والمواطن؛ فالدولة العربية التي نشأت من رحم الاستعمار وتشكلت في المرحلة ما بعد الاستعمارية، أحل المُستعمر فيها نموذج الدولة القومية الحديثة، ولكن هذا الإحلال كان مشوهًا بحيث أورث تناقضات في سلوكها وبنيتها جلعتها تنقلب على أسسها.

فمبدأ السيادة التي تتصف بها الدولة الحديثة لا يعود مبدأ لتمثيل المجتمع أو الأمة، بقدر ما يصبح أداة لفرض سيطرة الدولة على المجتمع وزحفها نحوه، والبيروقراطية كنظام إداري عقلاني حديث يفقد معناه ليتحول إلى مجموعة إجراءات معسرة ولا تأخذ بمدأ العقلانية بقدر ما تأخذ بمبدأ المحسوبية.

من هنا تنقلب الدولة من كونها “الدولة الحارسة” التي تحمي المواطن عن طريق القانون وإدارة الشأن العام وتمثيل المجتمع، تنقلب إلى “الدولة الحابسة” التي تحرك عناصر السيطرة لتؤمم مساحات الفاعلية للمجتمع وتسيطر عليها وتزحف نحوها، بما ذلك الدين والمواطنة.

وبعد الحديث عن زحف الدولة العربية على الدين وكونها نموذج لـ”الدولة الحابسة”، لابد من الحديث عن أثر كل ذلك على مبدأ المواطنة والذي لا يتوقف على كونه شعار أو محض مبادئ مجردة، وإنما “يتطلب وجوده إقرار مبادئ، والتزام مؤسسات، وتوظيف أدوات وآليات تضمن تطبيقه على أرض الواقع”، فهو بنية حقوقية وقانونية، كما أنه بنية مؤسسية تتعلق بالسياسات والممارسات.

وفيما يخص علاقة الدولة بالمواطن، يقدم المؤلف دولة مصر كنموذج لحال الدول العربية في التعامل مع المواطن؛ فهناك المواطن المملوك، فهو داخل في دائرة ملكية الدولة، ولكن لا تقدر قيمته في تخصصه ولا في عمله ومجاله، وهناك المواطن الإعلاني، وهو يقع في إطار شهرته الخاصة ومجال تخصصه، ولكنه لا يقع في دائرة ملكية الدولة، وبالتالي تحاول الدولة استغلاله كشخصية إعلانية للدولة وسياساتها، وقد تجلى هذا في علاقة النظام المصري بالعالم أحمد زويل مثلاً، أو في علاقة الدولة في اللاعبين الرياضيين أو الفائزين القلة في الأولمبياد الذين وصلوا إلى مستواهم بجهدهم الشخصي وجهد مدربيهم لا بجهود الدولة.

وبشكل عام، يقع هذان النموذجان ضمن إطاري المواطن المهجَّر والدولة الطاردة، وذلك أن الدولة تتنصل من رعاية المواطنين ذوي المشاريع والإبداعات في المجالات المختلفة، ولا توفر لهم سبل العيش الطبيعية لا لهم ولا للمواطنين الآخرين، ولكن عندما يأتي أحدهم بإنجاز فإنها تعتبره امتدادٍا لها ولمنجزاتها.

وأخيرًا لا يسع القول هنا إلا أن المواطن المهاجر لا يشعر بالغربة عن وطنه عند الهجرة منه، بقدر ما يشعر بالغربة فيه، وأن الدولة التي من المفترض أن تكون حارسة له، ما هي إلا حابسة لقدراته وإمكاناته، ومثبطة له ولغيره بحكم تسلطها وشبقها نحو الزحف على مساحاته الدينية والدنيوية.

يختم الدكتور سيف الدين عبد الفتاح كتابه بالإشارة إلى أن محاولة إضعاف الإسلام في نفوس المسلمين خلال القرن الماضي، وإلى اليوم لم يتخذ شكل محاربة الإسلام كعقيدة أو شكل النقد الصريح، وإنما جرى ذلك بتغيير الأوضاع الاجتماعية وأنماط العلاقات بين الناس، بحيث تجعلها قائمة على تعارض مع تصورات الشريعة الإسلامية وأحكامها، وتغيير سلوك الناس وعادات العيش ليقوم هذا التعارض.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات