الروائية الأمريكية – الأيرلندية “كورتني سوليفان” تكتب عن قلق الهوية في أمريكا والولع بعلم الأنساب وتحليل الـ DNA

نيويورك تايمز – التقرير

كل شخص حي يمكنه أن يُعرّف نفسه في جملة واحدة فقط، هذا ما قالته لي الروائية سوزان ريجر ذات مرة. وبمجرد أن أتمت جملتها، عرفت ما هي جُملتي: لقد جئت من عائلة كاثوليكية إيرلندية كبيرة.

قضيت حياتي مُعتزة بكوني أيرلندية 100%. (في وقت ما من ثمانينات القرن الماضي، كان لدي زيّ مُلوّن باللون الأخضر). مسقط رأسي، إحدى ضواحي بوسطن، هي واحدة تضم واحدة من أعلى نسب الأيرلنديين الأميركيين في البلاد. حين أكبر، آخذ مع أصدقائي دروس في خطوات الرقص الأيرلندي. يتجمع جيراننا في ليالي الصيف لغناء “فتى البرية المستعمرة” و” الفرقة السوداء المخملية.” في كل عام في يوم القديس باتريك تشاهد عائلتي الموكب من منزل ابن عمه، ويأكلون اللحم المحفوظ والملفوف لتناول العشاء.

عندما انتقلت إلى نيويورك قبل 14 عاما، لم تعد جذوري شيئًا مشتركًا مع كل شخص أعرفه، بل أصبحت شيئا خاص بي وحدي. دومًا أحببت اسم عائلتي “سوليفان”، فهو يفصح عن هويتي الأيرلندية. واحد من الأسباب التي جعلتني أرفض تغيير اسمي عقب زواجي، أن اسم زوجي “جوهانسن” لا يقدم أي تلميح عمّن أكون.

كوني أيرلندية هو شيء اتشاركه مع أقاربي، حتى وإن فرقتنا المسافات أو السياسة. في إجازة على الشاطئ الصيف الماضي، خمسة منّا وضعوا الكريم الواقي من الشمس في نفس الوقت، قال أحدهم موضحًا: “نحن أيرلندين”. هذا أيضًا يفسر نُدرة عناقنا وحديثنا عن مشارعنا.

قبل عدة أشهر، انتابتني حالة شديدة من القلق. بدأ الأمر حين شاهدت إعلانًا تلفزيونيًا يظهر فيه رجل ناضج في الخمسين من عمره واقفًا أمام طاولة عليها زجاجات البيرة، ويقول: “حين نضجنا، كنا ألمان”. أخذ الرجل يتذكر الرقص في إحدى الفرق الألمانية، وارتداء بنطال من الجينز، حتى قام بإجراء فحص منزلي للحمض النووي، حصل عليه من موقع إلكتروني. حينها عرف أنه لم يكن ألمانيًا على الإطلاق، في الواقع معظم أسلافه كانوا اسكتلنديين.

“إذن”، اختتم الرجل حديثه مبتسمًا: “استبدلت البنطال الجلدي بالكِلت –الزي الاسكتلندي التقليدي-“.

زرع هذا الإعلان فكرة مرعبة في رأسي: ماذا لو لم أكن أيرلندية بعد كل هذا؟

بعد فترة قصيرة، قامت صديقتي التي نشأت وهي تحتضن هويتين إيطالية وأمريكية، فكانت تصنع المعكرونة الخاصة بها وتطهو وصفات باعتبارها متوارثة عبر الأجيال، قامت بإجراء الاختبار وعلِمت أنها بالكاد إيطالية. وعلى عكس الرجل الذي خلع البنطال الجلدي بسرور، شعرت هي بالقليل من الاكتئاب.

في أمريكا، يشعر الكثير منا بالاتصال بأصولنا. نزور وطننا ونتتبع أشجار عائلاتنا. ظللت اتعجب: ماذا سيحدث إن اكتشفنا أننا لم يكن لنا علاقة بذلك منذ البداية؟

كثير من الناس لا يخشون هذا الاحتمال. باع موقع ” Ancestry.com” حوالي 3 ملايين اختبار للحمض النووي منذ عام 2000. مقابل 99 دولارًا، ترسل لك الشركة قارورة تضع بها عينة من لُعابك، ثم تعيد إرساله إلى الشركة. خلال بضعة أسابيع، يمكنك الحصول على تفاصيل العِرق الذي أتيت منه. بالإضافة إلى ذلك، أجرى أكثر من مليون شخص في اختبار الحمض النووي من خلال موقع 23andMe.com.

عندما تلقى العديد من الأصدقاء وأفراد الأسرة مجموعات الاختبار كهدايا عيد الميلاد، أغراني الأمر أن أجري الاختبار أيضا. كان هذا غريبا، ولكن إلى حد ما، تمنيت فقط معرفة الحقيقة.

عاد الأمر ثانية في الإجازات، رغم أنه يبدو كحياة أخرى. الآن أفكر كثيرًا كيف يمكن لشيء سخيف كإعلان تلفزيوني أن يُشعرني بهذا القدر من القلق، ولكن مؤخرًا عاد اختبار الحمض النووي ليحتل تفكيري مرة أخرى لعدة أسباب.

ترغب حكومتنا في إغلاق الباب في وجه اللاجئين والأجانب. احتضان ماضي أحد المهاجرين أصبح فجأة أكثر من مجرد هواية، بل أنه شكل من أشكال المقاومة. عبر وسائل الاعلام الاجتماعية، ينشر الأصدقاء صورًا لكشوف سفينة تُسجل أسلاف الوافدين. كما يشاركون قصصًا وصورًا بالأبيض والأسود. دوما كان لدى زوجي كيفن قليل من الحيرة بخصوص مدى هوسنا بانتسابنا لوطننا. كان يحب أن يضايقني: أنتِ لستِ أيرلندية، أنتِ أمريكية. على أي حال هذا ما يعنيه كون المرء أمريكيًا: أن له جذور في مكان آخر.

نحن فخورون بأسلافنا الذين واجهوا مضايقات حادة للوصول إلى هنا، حتى لو لا نملك شيئًا حيال ذلك. تذكُّر ما تعرضوا له يجب أن يكون سبب التعاطف مع الآخرين لما يمرون به في الوقت الراهن، في هذه اللحظة.

لم أكن يوما بمثل ما كنت عليه في المرة الأولى التي أزور فيها “مِلتاون مالباي”، القرية التي تركتها جدتي الأم عندما كانت مراهقة. لم أكن قد فكرت في الأمر حتى ذلك الحين، ولكن قرارها بالهجرة وحده غيّر شكل عائلتنا.

بطبيعة الحال، الكثير من الأشياء تُترك أو يُساء فهمها، تُفقد أو تُهمّش، من جيل إلى جيل. في العام الماضي، ابنة عمي، سيدة في السبعين من عمرها، قالت لي كيف بذل ابنها جهده للحصول على لوحة وضعت في جزيرة إيليس، لأجدادنا الذين جاءوا في مطلع القرن الماضي. فكرة جميلة، كما قالت، باستثناء أن الأقارب لم يأتون عبر جزيرة إيليس، بل جاءوا من نوفا سكوتيا.

هناك فجوة بين ما افترضنا أننا نعرف والحقيقة الواقعة. واحدة من أوضح النتائج من اختبارات الحمض النووي المنزلية هو أنه، على عكس ما يعتقد كثير من الناس، قليل منا هم بالفعل من عرق واحد فقط. (في قاعدة بيانات AncestryDNA) من 3 ملايين العملاء، إنها نصف في المئة فقط.

في عام 2012، متحدثا عن افتتانه بعلم الأنساب، ولا سيما بالنسبة للأمريكيين من أصل أفريقي الذين اقتطعوا من ماضيهم من أجل العبودية، قال هنري لويس غيتس، ضيف برنامج تلفزيوني باسم “العثور على جذور الخاص بك”: “أعتقد أنه سوف تحدث ثورة في مفهومنا عن التاريخ الأميركي، وكذلك مفهومنا عن العرق عندما ندرك أنه لا وجود للنقاء به”.

مع تزايد شعبية اختبارات الحمض النووي المنزلية، يعلم الناس أنهم ليسوا كما كانوا يظنون. ربما هذا شيء لا يدعو للخوف، ولكن للإعجاب.

بعد عدة أشهر من معرفة هذا الاختبار، قررت الخضوع له.

أيًا كانت النتائج، أنا ما زلت أعرف بقلبي أن جميع رقصات وألعاب الطفولة هي المسؤولة عن وضعي الحالي، وعدم قدرتي على الرقص الطبيعي مثل أي شخص آخر. ما زلت اتعرض لحروق الشمس بسهولة. ما زلت أنحدر من عائلة كاثوليكية أيرلندية كبيرة، حتى إن كنّا أقل من الناحية الأيرلندية.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات