الربيع العربي كتجاوز لحالة ما بعد الاستعمار: قراءة في مقاربة حميد الدباشي

حمزة ياسين – التقرير

منذ عام 2011، والعالم العربي يعيش أحداثًا غير مألوفة، تُنبئ بقرب أوان التغيير وعودة الأمل، فقد فتح الربيع العربي عيون الشباب العربي على آفاق لم تكن في باله، وعلى أنماط جديدة من النشاط السياسي الفاعل، وعلى إمكانية في التغيير كانت غائبة عن الأذهان، كل ذلك حدث بعد الثورات العربية، التي احتشد بها الشارع العربي من مختلف أطيافه، معبراً عن طموحات متمثلة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وعلى الرغم من ضبابية المشهد، وقيام الثورات المضادة على الثورات العربية، وعودة بعض الأنظمة العربية بأزياء ومسميات جديدة، فإن الباب الذي اقتحمه الشباب في الربيع العربي، لا يمكن الرجوع عنه، وهو في طريقه لفرض شروطه، حتى مع هذا الواقع المألوم، لذلك كان لزاماً على الناشطين السياسيين والفكريين، من المشتبكين مع الربيع العربي، أن يفكروا بنية الثورات العربية وما شكل الآفاق التي فتحتها، وما هو موقعها ضمن الخريطة الزمنية لتاريخ الأمة العربية والإسلامية، وذلك حتى يتحصل الوعي الكافي لإنضاج وتوجيه المسار نحو مستقبل أفضل.

من هنا تأتي أهمية الطروحات النظرية التي ناقشت مشهد الربيع العربي وكفشت عن أبعاده الجديدة، التي ستأسس لواقع مختلف، ونحن في هذا المقال سنعرض لأطروحة مهمة ناقشت بنية الربيع العربي وآفاقه، وهي من الطروحات التي لم تلق اهتماماً كبيراً من قبل المهتمين بالربيع العربي من الكتَّاب والباحثين، وهذه الأطروحة هي التي قدمها الدكتور حميد الدباشي في كتابه البارز “الربيع العربي: نهاية حقبة ما بعد الاستعمار”.

والدكتور حميد الدباشي، أستاذ في قسم الدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كلومبيا في مدينة نيويورك، وهو من مواليد مدينة الأحواز في إيران، ويتحدر فكرياً من خطاب نقد الاستشراق والاستعمار، ويعتمد في قراءته للواقع على مبادئ وقيم كونية، متجاوزاً القطبية بين الثنائيات الصلبة.

الربيع العربي كتجاوز لحالة ما بعد الاستعمار

المحاججة الرئيسية لهذا الكتاب، هي أن أحداث الربيع العربي تمثل نهاية للتشكلات الأيديولوجية ما بعد الاستعمارية، التي عرفها العالم العربي في المئتي سنة الماضية، أي توقف الإنتاج الأيديولوجي المرتبط بالسياقات والتعبيرات الاستعمارية، التي واجهت مخلفات الاستعمار بعد خروجه، تتمثل هذه التشكيلات بالقومية المعادية للاستعمار، والتيارات الاشتراكية والإسلامية، وقد أنتجت هذه التشكيلات الدولة ما بعد الاستعمارية ذات الطابع الاستبدادي، كالنظام الوحشي في سوريا، والحكم الديني في إيران، والقبيلة الأبوية سادت في كل من السعودية والأردن.

معنى نهاية التشكلات هذه، هي أنها استنفدت نفسها، لا أنها انتهت واقعياً، بمعنى أن الواقع بات يفصح عن بروز تشكلات جديدة ما بعد أيديولوجية، ومتجاوزة لأزمات ما بعد الاستعمار، وهو ما ظهر بالحراك الشبابي المتحرر من الأيديولوجية في ثورات الربيع العربي.

هذه التشكيلات ما بعد الاستعمارية، اعتاشت على ثنائية الشرق والغرب، وعلى حالة القطائع بينهما، بينما تأتي هذه الثورات متواصلة مع التحول العالمي، خصوصا مع تقاطعها مع تظاهرات في أقطار أخرى من العالم، مثل حركة “احتلوا وول ستريت” مثلاً. فثورات الربيع العربي تقدم حقيقة عابرة للأمم، وتقدم العالم العربي والإسلامي كنموذج ملهم لغيره من العوالم. فما يتحقق في الربيع العربي يقدم “تحرراً معرفياً” من جغرافيا قديمة لا إنسانية واستعمارية، فهنا “يُكتشف العام بوصفه كوكباً، وليس ثنائية قطبية ميتافيزيقية مرتبطة بمحور الشرق-الغرب، لكن هذا الاكتشاف دائماً ما يتم تأخيره بسلطة الجغرافية القديمة، التي ترفض التخلي عن عاداتها”.

وهناك حاجة ملحة للنظر إلى الربيع العربي باعتباره يقدم لـ”مخيلة جغرافية تحررية جديدة”، فقد أدى تعامل المنظور الإمبريالي الغربي مع العالم، باعتباره مجموعة من الإثنيات والأعراق، إلى خلق تقسيم للعالم يقوم على أيديولوجيات متعارضة، وهو ما أنتج رهاب الإسلام والعداء مع الآخر وانتفاء ثقافة الاعتراف.

ولعل أهم ملمح لهذا التحرر الجغرافي، هو تمحور مطالب الشعوب في الربيع العربي حول مطالب إنسانية كونية متمثلة بالكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية، وهي مطالب ذات طابع أخلاقي كوني لا تخض لتقسيم بين شرق أو غرب أو شمال أو جنوب.

وعلى صعيد متصل بهذه الفكرة، يعتبر الدباشي أن الربيع العربي يربك القراءة الاستشراقية للعالم العربي والإسلامي، وهي القراءة التي دعمت موقف الهيمنة الإمبريالية اتجاه “الشرق” وطبيعته المتأصلة فيه، فقد صاغ الاستشراق، مدعوماً بالإمبريالية، تصوراً عن الشرق يضعه في مكان يخدم به الغرب بحكم تفوق الغرب عليه، وبحكم وجود عيوب متأصلة في الشرق، تمنعه من أن يكون ريادياً في العالم، ويندرج تحت هذا التصور افتراض نظام المعرفة، الذي بناه “الغرب” عن المسلمين، باعتبارهم غير قادرين – بحكم تركيبتهم – على تخيل الديمقراطية وتمثلها والسير نحوها، لكن هذا التصور يتزعزع ويتخلخل مع المشهد الذي ينحو نحوه العالم العربي مع الثورات.

الربيع العربي كثورة مفتوحة

يعتبر الدباشي أن ما شهده العالم العربي من أحداث لا ينطبق عليها معنى الثورة المعتاد عليه، أي الثورة التي تحدث تحولا جذرياً ومفاجئاً للسلطة السياسية، والتي تأتي مصحوبة بإعادة هيكلة اجتماعية واقتصادية للمجتمع. فهناك مشاكل كبيرة ومعقدة في العالم العربي بحيث يصعب على ثورة واحدة مفاجئة أن تصلحها جميعاً، فالعالم العربي يعاني من توعك اقتصادي متأصل، واختلال اجتماعي واسع واغتراب ثقافي، عدا عن سوء الأداء السياسي وقضايا الفساد، وهو ما يجعلنا أيضاً غير قادرين على رد أسباب هذه الثورات إلى زاوية نظر واحدة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، فضخامة المشهد تعبر عن شمولية هذه الانتفاضات الاجتماعية.

“ما نشاهده في الربيع العربي هو “ثورات بنهايات مفتوحة” كنقيض لـ” الثورات الشاملة”. ومستعيراً من أمبيرتو إيكو، يقرأ الدباشي الواقع كـ”عمل مفتوح”، “كتأويل ذاتي للحركة، يحشد لكوكبة من الاقتراحات، التي لم يتم تفحصها بعد”، تسير هذه الانتفاضات بحيث تعيد مفهوم الديمقراطية وتشكلها بحسب مطامح الشعوب، لكن لن يتحقق ذلك من دون “بلوغ ضمانات مؤسساتية عميقة الجذور للحريات المدنية والعدالة الاجتماعية”.

يستعير الدباشي من عزمي بشارة تعبيره عن ثورات الربيع العربي بأنها “الطرق على باب السلطة”، وهي لحظة افتتاحية تحررية، قام بها الشعب في وجه الأنظمة الاستبدادية، لكنها ليست كافية وحدها ما لم تقترن بنشاط سياسي منظم ينتج عنه مؤسسات سياسية بديلة.

وفي الخاتمة، يعيد الدباشي ترتيب ما كتب بعد الخصائص، التي برهنت عليها انتفاضات الربيع العربي، فهي مدفوعة بعوامل اجتماعية واقتصادية أكثر منها سياسية، وهي سلمية باعتبار أن أفعالها سياسية لم تشكلها الأيديولوجيات المتشددة. وهي ما بعد أيديولوجية، بمعنى أنها ظهرت في أعقاب استنفاد الأشكال الأيديولوجية، التي صنعت شروط مرحلة ما بعد الاستعمار، كما أنها تتحدد بثلاث تشكيلات اجتماعية أساسية، وهي اتحادات العمال، ومنظمات حقوق المرأة، والجمعيات الطلابية، التي تجتمع لتعبر عن استنكار قاطع للنموذج الاقتصادي الليبرالي الجديد.

لا بد من التأكيد بعد هذه القراءة، أن الدباشي كتب هذه الأطروحة مع مطلع الربيع العربي، أي قبل التحول الذي حدث في المنطقة من ثورة مضادة وتضخم ظاهرة داعش، وغيرها من الجوانب التي أفقدت العالم العربي حالة الأمل التي هبت عليه. لكن من طبيعة التحولات الكبيرة في التاريخ أن تأخذ سنوات طويلة، فمثل هذه التحولات لا تحدث في يوم وليلة، ولا بد أن يتبعها سعي حثيث على المستوى النظري والعملي، لتدعيم حضورها الواقعي، وما القراءة التي قدمها الدباشي إلا تأكيد على هذا المنطلق، وعلى أهمية النظر في رفد العمل بشروط حضوره التاريخية والواقعية.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات