“الدين والهوية”.. نظرة على الإشكال الأساسي دون تجاوز أزمة واقعنا العربي

حمزة ياسين – التقرير

لا تزال الأنظار الفكرية تحوم حول مقولة الهوية وعلاقتها بالدين والدولة، ما يحجب تجاوز الأزمة السياسية الراهنة، وفي هذا المقال سنعرض لكتاب ناقش جوانب من هذه الأزمة، وهو كتاب “الدين والهوية” لـ”سيد ولد أباه”.

كما يظهر من عنوان الكتاب، فإن ولد أباه يحاول الإشارة إلى أن الإشكال الأساسي، الذي يحول دون تجاوز المسألة الدينية – السياسية في واقعنا العربي، هو التمترس المستمر، وراء الهوية ومقولاتها، وما ينتج عن ذلك من تعامل مع الدولة بمنطلقات هوياتية، إما بالأسلمة أو بالعلمنة.

يعتبر ولد أباه أن المسألة الدينية – السياسية في العالم العربي اليوم، يتم حجبها باستمرار من خلال الصدام بين مفهومي “الدولة الإسلامية” و”الدولة العلمانية”، ويتولد هذا الحجب من التغطية على التباين الواسع، الذي يكتنف المسألة الدينية – السياسية، وذلك من ناحية طبيعة الدولة المطلوبة، ونمط شرعيتها، وصيغ الاندماج فيها.

ويرى الكاتب أنه يمكن التمييز، داخل الفكر الإسلامي، بين اتجاهات ثلاثة، متمايزة في النظر إلى هذه المسألة:

  • اتجاه يحصر نموذج الدولة الإسلامية، في أشكالها التاريخية، أي دولة الخلافة والدولة السلطانية، وذلك بالاستناد إلى المدونة الفقهية التاريخية.
  • اتجاه يسعى إلى أسلمة الدولة الوطنية الحديثة، أي إضفاء الشرعية الدينية على هياكلها المؤسسية البيروقراطية، وإجراء تحسينات على منظومتها التشريعية.
  • اتجاه يتبنى الدولة الحديثة، ونمط العقلنة السياسية، القائمة على الإجرائية والأداتية، وهو اتجاه لا يرى تناقضًا جوهريًا مع المرجعية الإسلامية، بل يقبل مختلف المقاربات القيمية.

ومواضع الافتراق بين هذه الصورات الثلاث، يكمن في منحيين أساسيين: الأول في طبيعة الدولة ذاتها، بمعنى هل هي إمامة شرعية، أم أداة تنظيم إجرائية، أم تجسيد لقيم جماعية مشتركة، والثاني في طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، بمعنى هل تشكل الدولة نظامه المؤسسي، الذي لا هوية له خارجه، أم هل هي نظام بشري تحكمه قيم دينية، أم أنها مجرد أداة تنظيم اجتماعي، له منطقه الداخلي؟

وبعد تحليل سريع للخطاب السياسي للحركات الإسلامية، المتمثلة في جماعة الإخوان، يرى الكاتب أن الخطاب الإسلامي سار في اتجاهين، الأول ذو صيغة منفتحة على نمط الأحكام السلطانية بالمنظور الجديد (القبول بالشورى والحكم النيابي بعد أسلمتها)، والآخر ذو صيغة منغلقة، أخذ منحًا راديكاليًا تجلى في طالبان والقاعدة.

ويناقش ولد أباه الصراع الدائرة بين علمانية الدولة وإسلاميتها، ويبدأها بمجموعة من الأسئلة المهمة، فيتساءل: “هل تعني العلمانية فصل الدين عن الدولة، أم فصل السياسة عن الدين، أم إقصاء الدين من المجال العام؟ وكيف يمكن النظر إلى تفصيلات هذه العلاقة، بحسب تباين وتنوع السياقات، التي طبقت فيها النظم العلمانية؟” ويشير إلى أن مثل هذه الأسئلة الجوهرية، لم تلق اهتمامًا، في مقابل الصراع الأيديولوجي، الذي انهمك فيه كل من الإسلاميين والعلمانيين.

وفي هذا السياق، ينبه ولد أباه على مجموعة من القضايا، التي تخص بنية الدولة الحديثة، وقد تساهم في حلحلة الصراع، حيث يبين أن الدولة الحديثة تأسست على مقاربة جديدة للسلطة، ولعلاقة الشأن العام بالجسد الاجتماعي، وتقوم هذه المقاربة على التصور القانوني الإجرائي للمجموعة السياسية، بصفتها تعبيرًا عن علاقات تعاقدية، تستمد شرعيتها من داخل المجتمع.

وأدى ذلك إلى نتيجتين: الأولى تقويض الطابع المطلق الشمولي للدولة، باختزال مبدأ التنظيم السياسي في إجرائية التعاقد العرضي، والثاني استبدال المطلق الديني بالمطلق السياسي، أي الولاء للأمة بمفهومها القومي والرمزي.

وعبِّر العقل السياسي الحديث عن هذه القضايا بمفاهيم مثل السيادة والتمثيل والشخصية.

وبحكم السياقات، التي مر بها العالم الغربي، فقد تحول النموذج القانوني من كونه سمة إجرائية محضة، إلى طابع متحيز ومتغذي على الوضعانية التاريخية، التي قامت على أسس التصورات العلمانية.

لكن الظواهر، التي تترافق مع واقع الدولة الحديثة، ليس بالضرورة متلازمة ومترابطة، بل تتمايز بحسب السياقات والساحات، بل حتى في العالم الغربي وداخل المجال الأوروبي ذاته، لكل تجربة ظروفها ومحدداتها.

وبالرغم من كون التمييز بين المؤسسستين السياسية والدينية، يمثل حالة عامة في كل البلدان الغربية الحديثة، فإن هذه الحالة لا تقتضي ضرورة تناقص أو انحسار الشعور الديني أو الممارسة الشعائر الدينية، ولا تتدخل في طبيعة تدين الفرد.

كما أن حضور الدين في المجال العام، يختلف من دولة لأخرى، وحضور الجمعيات الكنسية في القضايا الاجتماعية والعامة، يختلف من سياق لآخر.

لكن ما ينبغي التأكيد عليه، أن العلمنة التي تحققت في السياق الغربي، هي العلمنة المؤسسية المتجسدة في الدولة القومية، التي تولت بعض الأدوار، التي كانت منوطة للدين سابقاً، خصوصًا فيما يتعلق منها بالأبعاد الرمزية المستركة، وبنية الجماعة القومية.

وهنا يشير إلى خطأ يقع فيه الإسلاميون، عند محاولة أسلمة الدولة الوطنية الحديثة، من دون الوعي أنها تستبطن الوظائف العمومية التقليدية للدين.

وهذا الأمر يظهر بشكل تلقائي، عند ممارسة الإسلاميين للنشاط السياسي، فهم يضطرون ضمنيًا إلى الإقرار بشرعية الدولة، وأنهم ليسوا الوحيدين الذين يمتلكون الشرعية الدينية والسياسية، بمعنى أن الجماعات السياسية تضطر ضمنيًا إلى القبول بنهج “العلمنة السياسية”، في سبيل الانخراط في النشاط السياسي.

يندرج تحت هذا النقاش عدة نتائج، أهمها أن العلمانية لها عدة أوجه وأنماط، ليس على المستوى النظري فقط، إنما في التجربة العملية في الغرب، بالتالي هناك اختلاف في علاقة الدولة مع الدين، وهنا يأتي تأثير الطابع المحلي فيها.

وإضافة إلى ذلك، يبدو أن الواقع يحيل دائمًا إلى ضرورة قبول الإسلاميين، بقدر من العلمنة السياسية، التي تؤكد على التعددية والديمقراطية، والقبول بشريعة الدولة الوطنية الحديثة، وهنا تتقاطع هذه الرؤية مع منظور “آصف بيات” عن ما بعد الإسلاموية، باعتبارها باتت مآلاً واقعيًا للحركات الإسلامية.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات