الثقافة في ذيل الحاجات!

المونيتور – التقرير

تأتي الثقافة في قطاع غزّة بذيل قائمة الحاجات اليوميّة، نظراً لتدهور الأحوال الإقتصاديّة، التي تجعل مشاهدة مسرحيّة أو الاستماع إلى الشعر، ليسا من أولويّات المواطن الذي يعيش في القطاع، في وقت ازدادت فيه البطالة ووصل الاقتصاد إلى حافة الانهيار، وقد ضعف عدد الأنشطة الثقافية مقابل تزايد الندوات والمؤتمرات السياسية والحقوقية التي تنظمها مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحكومية، وتزايد الدعم لمشاريع الإغاثة والطوارئ بدلاً عن الفن والثقافة.

وأشارت الإحصائيّات، التي تضمّنتها الخطّة الاستراتيجيّة لقطاع الثقافة بين عامي 2011 و2013، والتي نشرتها وزارة الثقافة في رام الله، إلى أنّ متوسط الحصّة المخصّصة للشأن الثقافيّ في الموازنات السنويّة للسلطة الفلسطينيّة في كلّ فلسطين، لم تتعد نسبة 0.0033 في المئة من الموازنة العامّة.

ورأى أستاذ الأدب والنقد في جامعة الأزهر محمّد البوجي أنّ غزّة ليست مدعومة ثفافياً بشكل كافٍ من قبل كلّ من سلطتيّ غزّة ورام الله، معتبراً أنّ الكاتب في قطاع غزّة كائن غير مرئيّ، فهو نادراً ما ينشر كتاباً أو يشارك في فعاليّات داخل القطاع أو خارجه، وقال لـ”المونيتور”: “أمر مؤسف أنّ الحديث عن الثقافة والأنشطة الثقافيّة أصبح أمراً يشكّل نوعاً من الترف، وليس مهمّاً أو رئيسيّاً وسط ازدياد الحصار والانقسام السياسيّ”.

ورغم هذه الأوضاع الثقافّية المتدهورة في القطاع، إلاّ أنّ وزارة ثقافة “رام الله” تطلّ بشكل بارز في الآونة الأخيرة عبر دعمها للمبادرات الثقافيّة، فقد أقرّ الصندوق الثقافيّ الفلسطينيّ التابع لوزارة الثقافة 3 اتفاقيات لدعم مشاريع ثقافيّة فنيّة في غزّة، وذلك في 88 كانون الثاني/يناير من العام الحاليّ. وكانت الاتفاقية الأولى قد وقّعت مع الفنان محمّد حرب لدعم مشروع سينمائيّ، والثانية مع الفنان إبراهيم العوضي بهدف إقامة معرض فنيّ، والثالثة لتنفيذ مشروع فيلم “غزّة جراف” للمخرج يوسف نتيل.

وقال محمّد حرب لـ”المونيتور”: “هذه تجربتي الأولى مع الوزارة”.

وأوضح أنّها فرصة لتفعيل المشهدين الثقافيّ والفنيّ في غزّة، لافتاً إلى أنّ المشروع هو عبارة عن ورش تدريب وإنتاج أفلام قصيرة يتلقّاها 20 شاباً وشابّة فقط وذلك بسبب صغر حجم المشروع، ومتابعاً أنه يتم اختيارهم بعد مقابلات لجميع المتقدمين، ومن ثم يقصّ كلّ واحد منهم حكايته عبر السينما في فيلم لا تزيد مدّته عن 7 دقائق.

وقال: “يهدف المشروع إلى اكتشاف أصحاب المواهب السينمائيّة”.

أمّا صاحب مشروع فيلم “غزّة جراف” يوسف نتيل فأشار في حديث لـ”المونيتور” إلى أنّه استطاع الحصول على دعم من الوزارة لتنفيذ فيلمه، وذلك بمساعدة فريق من المصوّرين والباحثين، موضحاً أنّ فيلمه الوثائقيّ يتحدّث عن تاريخ التصوير الفوتوغرافيّ في مدينة غزّة، وقال: “كتبت فكرته خلال عام 2012. ومنذ ذاك الوقت، أحاول الحصول على دعم”.

ولفت إلى أنّ منحة الوزارة يتمّ إرسالها دفعات ماليّة بحسب مراحل إنجاز الفيلم أو المشروع ، فالوزارة تبقى على تواصل مع أصحاب المشاريع للتأكد من انجاز مراحل المشروع دون أي عقبات حتى الانتهاء من آخر خطوة فيه، ووقتها يكون وصلهم المبلغ المقرر بحسب الاتفاق.

بدوره، قال وزير الثقافة ورئيس مجلس إدارة الصندوق الثقافيّ د. إيهاب بسيسو في حديث لـ”المونيتور”: “يتمثّل دورنا في تفعيل التعاون مع مختلف المؤسّسات الثقافيّة الفلسطينيّة لتوحيد العمل الثقافي عبر دعم المهرجانات والملتقيات والبرامج الثقافيّة المتنوّعة في غزّة والضفّة الغربيّة”.

وأضاف بسيسو، وهو أيضاً شاعر تعود جذور عائلته إلى مدينة غزّة: “لم تغب غزّة مطلقاً عن اهتمامنا في وزارة الثقافة بالمجالات كافّة”.

وأكّد أنّ المشهد الثقافيّ لا يكتمل في حال غاب أيّ جزء من الجغرافيا الفلسطينيّة، وأنّه رغم مأساة الانقسام، إلاّ أنّ غزّة حاضرة في المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ، وقال: “رغماً عن الإحتلال، ورغماً عن كلّ من يحاول عرقلة الفعل الثقافيّ كمحرّك وطنيّ يصون الهويّة الوطنيّة”.

وشدّد على أهميّة دعم الإبداع الفرديّ الفلسطينيّ أينما كان، وقال: “لا تخفى على أحد سياسات الاحتلال الإسرائيليّ التي تحاول طمس الهويّة الثقافيّة الفلسطينيّة وتزييف الوعي التاريخيّ والثقافيّ. وبالتالي، دورنا كمثقفين ومؤسّسات ثقافيّة يتمثل في مواجهة هذه السياسات من خلال الحرص على دعم المبادرات الجادّة والإبداعات النوعيّة التي تقدّم الثقافة الفلسطينيّة، كما يليق بعمقها وتاريخها ووزنها”.

وبحسب الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ يبلغ عدد الأنشطة الثقافيّة المنفّذة في قطاع غزّة خلال عام 2015 ما معدّله 1200 نشاط من أصل 8679 في فلسطين، وعدد المراكز الثقافيّة العاملة في فلسطين 596 مركزاً، من بينها 811 مركزاً في قطاع غزّة.

ورأى بسيسو، الذي تولّى حقيبة وزارة الثقافة مع بداية عام 2016، أنّ معدّل النشاطات في القطاع بازدياد وتحسّن، مشيراً إلى أنّ عدد المراكز الثقافيّة منطقيّ مقارنة مع 11 محافظة في الضفّة الغربيّة و4 محافظات في قطاع غزّة.

وكانت الخطّة الاستراتيجيّة لقطاع الثقافة والتراث، والتي أصدرتها الوزارة في رام الله بين عامي 2014 و2016، ذكرت عقبات عدّة تقف أمام الفعل الثقافيّ، أوّلها الانقسام بين الضفّة وغزّة، ثمّ المخاطر التي يواجهها الاقتصاد الفلسطينيّ وتباطؤ النموّ الاقتصادي في الضفّة وغزّة وأثرها على أولويّات ربّ العائلة والمبدع. وكذلك، هناك أثر ثورات الربيع العربيّ على تحويل الدعم العربي والدولي من فلسطين إلى المناطق التي تواجه تحدّيات في الوقت الحاليّ مثل سوريا.

واتّفقت الخطط الاستراتيجيّة التي تنشرها الوزارة في رام الله كلّ 3 أعوام، على أثر ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في الفصل بين محافظات الوطن في غزّة والضفّة والقدس وأراضي الـ488 على الحراك الثقافيّ الفلسطينيّ الفعّال، ووجود بيئة حاضنة ومحفّزة، ممّا جعل الإبداع حالات فرديّة، بدلاً من أن يكون هناك مشهد وإنتاج ثقافيّ فلسطينيّ مستدام.

ورغم حال الإحباط تلك، إلاّ أنّ هناك مؤسّسات ثقافيّة استطاعت القضاء على هذه الحواجز الفاصلة وخلق أجواء من الإبداع والتنافس الثقافيّ الموحّد في الرواية والقصّة والشعر والموسيقى كـ”مؤسّسة عبد المحسن القطّان“، و”معهد إدوارد سعيد للموسيقى“، في حين أنّ وزارة الثقافة لم تستطع أن توحّد موقعها الإلكترونيّ بعد، فموقع وزارة الثقافة في غزّة وموقع الوزارة في الضفّة مختلفان تماماً في الأنشطة والنهج والفئة المستهدفة، كأنّهما في دولتين مختلفتين.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات