التفكير مع بيير بورديو في التليفزيون والإعلام الجديد

حمزه ياسين – التقرير

يقدم بورديو في كتابه عن التليفزيون تحليلاً سوسيولوجيًا للحالة الإعلامية المرتبطة بالتليفزيون وعالم الصحافة، محاولاً أن يمزج بين الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ومبينًا أثر التوسع الإعلامي للتليفزيون على مجالات الحياة الثقافية والسياسية المختلفة.

سنركز في هذه المراجعة على تحليل مجموعة من المحاور التي قدمها بورديو في كتابه، ثم سننتقل إلى عمل محاولة للتفكير في التغيرات في المجال الإعلامي التي حدثت مع توسع مواقع التواصل الاجتماعي وتحولها إلى مؤثر في الحياة السياسية والثقافية، وما مواضع الاختلاف بينها وبين التليفزيون، وذلك عن طريق توظيف نمط تحليل بورديو للتليفزيون على المجال الإعلامي الجديد المتشكل اليوم، أي التفكير مع بورديو في الإعلام الجديد.

التليفزيون: آلياته وأثره على المجالات المختلفة

يشرح بورديو طريقة حضور المجال الثقافي في التليفزيون، وكيف يتأثر حضوره مع النشاط الإعلامي ودور قنوات التلفاز والصحفيين العاملين فيها، فإقبال بعض المفكرين والكتاب على الحضور في برامج التليفزيون إلى الرغبة في أن يكونوا مدركين من قِبل الآخرين، وهو ما يعني أن تُدرك من خلال شاشات التليفزيون.

وبالرغم من أهمية حضور المفكرين وتفاعلهم مع الشأن العام، وهو ما يُعتبر واجبًا عليهم، إلا أن لهذا الأمر مضارًا على الإنتاج الفكري ذاته، وهنا يطرح بورديو تساؤلاً ينبغي أن يطرحه المفكرين على أنفسهم، وهو عن مدى ارتباط إنتاجهم الفكري برغبتهم في أن يكون لهم حضور مستمر في برامج التليفزيون، خاصة وأن هناك قيودًا معينة تُفرض على البرامج التليفزيونية من قِبل الصحفيين والمسؤولين عن القنوات، وهو ما سيفرض شروطًا على الإنتاج الفكري إذا ما تعلق بالرغبة بالحضور في برامج التليفزيون.

ومما يعزز ذلك خضوع التليفزيون عدة أشكال من الرقابة، رقابة سياسية متمثلة بالخضوع للأعراف السياسية السائدة وللتوجه السياسي للقناة التليفزيونية، ورقابة اقتصادية مرتبطة بالسياسي، وهي تظهر في عدم إمكانية قول شيء عبر التليفزيون غير الذي تم تحديده مسبقًا من قِبل المعلنين الذين يدفعون ثمن إعلاناتهم، أو الدولة التي تدعم القناة، أو حتى مالك القناة الذي له تقاطعاته السياسية والتجارية.

إن ما يسعى إليه بورديو في تفكيكه للآليات الحاكمة للتليفزيون هو الكشف عن “العنف الرمزي” المفسد والمؤذي الذي يمارسه، وهو “عنف يمارس بتواطؤ ضمني من قبل هؤلاء الذين يخضعون له وأولئك الذين يمارسونه بالقدر الذي يكون فيه أولئك كما هؤلاء غير واعين ممارسة هذا العنف أو الخضوع”، ذلك لأن وظيفة علم الاجتماع هي كشف القناع عن الأشياء الخفية والحاكمة، وهو ما يُسهم في تقليل العنف الرمزي المُمارس.

ومع زيادة الوعي بالآليات والبنى الحاكمة، تصبح الحرية إمكانية متاحة وواعية بذاتها وذات قدرة في إعطائها للأفراد الذين تحركهم هذه الآليات ويخضعون لها، سواءً كانوا من الصحفيين أم من مشاهدي التليفزيون.

ولذلك يعتبر بورديو أن وظيفة علم الاجتماع هو الكشف عن الآليات لإتاحة مساحات الحرية، ويقول “إنني أعترض على أنه إذا كانت الآليات البنيوية التي تولد فقدان الأخلاق من الممكن أن تصبح واعية، فإن عملاً واعيًا يسعى إلى التحكم فيها يصبح ممكنًا”.

كما يسعى التليفزيون إلى إضفاء طابع الدراما على ما يعرضه بغرض تعزيز قدرته على لفت الانتباه المشاهد وإثارة مشاعره وحفيظته إزاء الحدث، ومن المفارقات التي يلتقطها بورديو هو أنه بالرغم من أن عالم الصورة هو الذي يشكل التليفزيون، فإن عالم الصورة تهيمن عليه الكلمات، “الصورة لا تعني شيئًا دون تفسير (المفتاح) الذي يقول لك الذي يجب أن تتم قراءته”، وهو ما يعني أن هناك مفسرون يقومون برؤية أي شيء، وهذا شكل من أشكال الرقابة و”العنف الرمزي” الذي يمارسه التليفزيون.

وعن طريق توظيف هذه الآليات في التليفزيون، يصبح التليفزيون أداة لخلق الواقع بدلاً من كونه أداة لتسجيل الأحداث.

ومن ضمن ما يخضع له الظهور في التليفزيون ما يسمى بالـ”أوديمات”، وهو مقياس نسبة الإقبال التي تتمتع بها القنوات التليفزيونية المختلفة، وهو ما يتحول إلى هوس بالنسبة للقنوات التليفزيونية لقياس مدى إقبال المشاهدات نحوهم بحسب البرامج التي يقدمونها والشخصيات والكتاب الذين يستضيفونهم، وما يعلق عليه بورديو في هذه المسألة هو أن قياس نسبة الإقبال أصبح الحكم الأخير بالنسبة للصحفيين لما يمكن أن يتم عرضه في القنوات التليفزيونية، “ومن خلال نسبة الإقبال، فإن المنطق التجاري هو الذي يفرض نفسه على الإنتاج الثقافي”.

وقد تأثر بعقلية الأوديمات دور النشر التي باتت تسعى إلى تعديل منشوراتها بحسب أوضاع السوق ومتطلبات المشاهدين.

ومن التأثيرات المهمة التي تمارسها هيمنة الأوديمات على التليفزيون زيادة الإلحاح والضغط المستمر لكل ما هو طارئ وعاجل، وهو ما يأخذ شكل المنافسة الآنية اللحظية من أجل السبق والإثارة من أجل أخذ المرتبة الآلة والسبق الصحفي.

يأتي أهمية هذا الأمر في العلاقة السلبية التي يقيمها بورديو بين العجالة الطارئة والفكر، “فأحد المشاكل الكبرى التي يطرحها التليفزيون هي مشكلة العلاقات بين التفكير والسرعة، هل يمكن التفكير أثناء اللهاث بسرعة؟”.

وعلى ذكر السرعة، يجد بورديو وجود تواطئ بين العاملين المحترفين وبرامج التليفزيون، وهو ما ينتج المفكرين “على السريع”، المتخصصون بتقديم نوع من التفكير الذي يُستخدم لمرة واحدة ثم يُلقى بعد ذلك، ويمكن دعوتهم لتلبية حاجات لحظية من دون إثارة المتاعب المتولدة عن نقد الواقع.

وينتهي بورديو بالقول إن “التليفزيون هوأداة للإعلام ذات استقلالية ضعيفة جدًا، يقع على كاهله سلسلة كاملة من المحددات والقيود التي تعود إلى العلاقات الاجتماعية بين الصحفيين”.

يعتمد المجال الصحفي بشكل كبير على القوى الخارجية أكثر من أي مجال آخر من مجالات الإنتاج الثقافي، لأنه يعتمد بشكل مباشر على الطلب، فتؤثر به نسبة الإقبال “الأوديمات”، إنه يخضع لشروط السوق والانتخاب.

بعد ذكر هذه القيود، نرى أن اتجاه الكتاب والمفكرين إلى سوق الإنتاج وملاحقة البرامج التليفزيونية يهدد استقلالية المجالات الفكرية والثقافية، وإذا كانت المجالات الفكرية والأدبية مهددة من قِبل التليفزيون والميديا بشكل عام، فإن هذا يحدث لأن هناك داخل هذه المجالات أفرادًا تابعين وخاضعين لا تعنيهم الخاصة لكل مجال بقدر ما تعنيهم الوجاهة والوسامة من الخارج على نحو سريع ومبكر.

بل إن الميديا تقوم بتخفيض كلفة الدخول في عدد معين من المجالات، بمعنى أنه يمكن أن يخلع أحدهم على نفسه صفة عالم اجتماع أو فيلسوف أو مفكر من دون أن يدفع المقابل العلمي والمنهجي الضروري للدخول في هذه المجالات.

من جهة أخرى، يدعو بورديو الكتاب والمفكرين الجادين القابعين في قلاعهم الصغيرة أن يخرجوا ويتفاعلوا مع الشأن العام والميديا من أجل الحصول على شروط جيدة للتوزيع والانتشار، بدلاً من ترك المجال الإعلامي للمفكرين “على السريع”.

بين التليفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي

ما يحلله بورديو في هذا الكتاب مرتبط بالتليفزيون كوسيلة إعلامية كانت لها المركزية والصدارة في العقود الماضية بعد أن كانت الصحف هي المتصدرة، والآن أصبح الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي منافسًا للصدارة والمركزية التي احتلها التليفزيون في الفترة الماضية.

لذا سنحاول أن نتحدث عن نقاط معينة فيما يخص أهم الاختلافات بين هاتين الوسيلتين الإعلاميتين عن طريق توظيف تحليل بورديو على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ومبينين المواضع التي ينبغي تعديلها حتى تصلح على هذه المواقع كأداة إعلامية.

لعل أهم اختلاف بين التليفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي هو اتسام الأخيرة باللاسلطوية والانفتاح، فهي لا سلطوية من حيث كونها تشكل فضاء حرًا قادر على الحركة رغمًا عن السلطة سواء كانت سلطة سياسية أو معرفية، لذلك يبرز دورها بشكل كبير في سياق العلاقة مع الدولة والحراكات الاجتماعية، أو في سياق العلاقة مع سلطة العلماء والمفكرين من حيث كونها تتيح إمكانية نقدهم ووضعهم على نفس الدرجة أحيانًا.

وهذا مرتبط بكونها فضاءً مفتوح، بمعنى أنها مفتوحة للجميع بغض النظر عن التخصص أو حتى عن المستوى المعرفي، وكأنها تشكل مجتمع كتَّاب حر، وهو ما يظهر في الفيسبوك والتويتر بشكل أساسي.

وبالتالي فإن القيود التي تحدث عنها بورديو في التليفزيون تتحرر منها مواقع التواصل الاجتماعي، سواء كانت قيودًا سياسية، وهو ما يتحرر بفعل اللاسلطوية، أو قيودًا اقتصادية، وهو ما يتحرر في كون هذه الفضاءات مفتوحة ومجانية.

لكن ما يقيد عملية النشر بشكل أساسي هو فكرة الأوديمات، أي نسبة الإقبال، فهذا الأمر يحدد مدى انتشار وبروز كاتب معين على كتَّاب آخرين وتصدره كمشكِّل للرأي العام.

ولكن لهذه السمات التي تحدثنا عنه تأثير على المجال الفكري والثقافي على نحو يتقاطع مع تحليل بورديو لها، ذلك أن كلفة الدخول والتصدر في هذه المواقع تكاد تكون مفتوحة أمام من يمتلك القدرة على الكتابة والتفاعل مع الحدث وإثارة الجدل في القضايا المختلفة بغض النظر عن مستواه الفكري والمعرفي.

والفكرة الأخيرة التي يمكن الحديث عنها متعلقة بالسرعة، فالسرعة التي تُقدمها مواقع التواصل الاجتماعي في عرض الأحداث الواقعية المختلفة أسرع بكثير من التليفزيون، فهذه المواقع تحول الجميع إلى مجتمع من الصحفيين المعلقين على الحدث على نحو متسارع، وتحت سيل من المنشورات الذي لا يرحم والذي لا يدع مجالاً للتفكير والتأمل.

ولهذه السرعة أثر على التأويل، فكل منشور أو تغريدة عن الحدث يأتي مع تأويل أو تحوير له، وهو ما يوجه النقاش حول الحدث إلى زوايا جديدة، قد تكون دقيقة أحيانًا أو واهمة أحيانًا أخرى.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات