التاريخ يخبرنا.. كيف يمكن للحزبين الديمقراطي والجمهوري إنقاذ العالم؟

بوليتيكو – التقرير

قبل سبعين عاما من هذا الأسبوع، حيث كانت إدارة ترومان تحدد نهجها في الحرب الباردة، صاغ السناتور الجمهوري آرثر فاندنبرج، عبارة وأعلن عن قاعدة، “السياسة تقف عند حافة المياه”. واعترف فاندنبرج بأن الأمريكيين لديهم “أمانة جادة، حتى في الاختلافات الشديدة في السياسة الخارجية، لكنه كتب “طالما إننا يمكنا البقاء على السياسة الحزبية، بعيدا عن الشؤون الخارجية، فمن الواضح تمامًا أنه سيتحتم علينا الحديث مع سلطة أكبر، بشكل لا حدود له بالخارج”.

وفي أعقاب حملة الانتخابات الرئاسية الأكثر إثارة للانقسام في التاريخ الحديث للبلاد، تبدو الدعوات للتعاون بين الحزبين من الطراز القديم ومن السذاجة. لكن نهج الحزبين الجمهوري والديمقراطي في السياسة الخارجية، قابل للتحقيق ويظل ضروريًا من أجل الأمن داخل البلاد، والاستقرار في جميع أنحاء العالم.

إن العالم لا يشكل تحدياته في أربع أو ما يزيد عن ثماني سنوات. إنه يوسع مسار الإدارات والدورات الانتخابية. بالتالي، لكي تكون فعالة، يجب أن تكون السياسة الخارجية الأمريكية متناغمة، في بعض الأحيان على مدار عقود من الزمن، بغض النظر عن الحزب الذي يتولى المسؤولية بالبيت الأبيض. إن الخصوم العالميين يمتلكون إستراتيجيات طويلة الأجل، لذا يجب على الولايات المتحدة أن تكون قادرة على تقديم التزامات طويلة الأجل، من أجل حماية مصالحها.

إن الجميع يعلمون أن تحقيق توافق جماعي في الأمر يعد أمرًا صعبًا. والأحزاب لديها خلافات مهمة لا يمكن التغاضي عنها. لكن حتى في الذاكرة الحديثة، اتحد الديمقراطيون والجمهوريون لكي يحققوا أهم الإنجازات الأمن القومي والسياسة الخارجية، التي تشمل الشيوعية، وتوسيع حلف شمال الأطلسي، والقضاء على تنظيم القاعدة، وتعزيز الديمقراطية، ومكافحة فيروس نقص المناعة (الإيدز)، وفيروس إيبولا، والتوصل إلى اتفاقات للحد من التسلح، ومكافحة الإرهابيين في كولومبيا.

لم تكن كل سياسة للحزبين ناجحة، لكن كل مبادرة ناجحة للسياسة الخارجية كانت للحزبين. وفي الأمور التي لم تنجح فيها السياسة الخارجية الأمريكية في تحقيق الاستقرار في العراق، ومنع كوريا الشمالية من التسليح النووي، أو في وقف الفظائع التي تحدث في سوريا، كانت تفتقر حينها إلى نهج مستدام، يتم تنفيذه عبر الإدارات، أو دعمه من قبل كلا الطرفين.

إن النقاشات المستقطبة اليوم، بشأن القرصنة الروسية، أو التجارة مع الصين، قد توحي للبعض بأن أرض الواقع، بالنسبة للسياسة الخارجية للحزبين، انزلقت بعيدًا. لكن ما تم من أعمال مؤخرًا، يشير إلى أن نقطة الانطلاق، التي من خلالها، يتم بناء تعاون متجدد بين الحزبين، هي في الواقع واحدة من أصعب الأزمات في العالم، وتتمثل في مسألة الفوضى بمنطقة الشرق الأوسط.

وبعد قضاء 18 شهرًا مؤخرًا مع المسؤولين الجمهوريين والديمقراطيين السابقين، وأصحاب المصالح الإقليمية، في العمل على إستراتيجية لمهمة طويلة، تهدف لبناء شرق أوسط أكثر استقرار، بداية من سوريا والعراق حتى اليمن وليبيا وأماكن أخرى. وبالنسبة للشرق الأوسط، فتحديات الحرب الأهلية والتطرف العنيف والأزمات الإنسانية، متجذرة في الدول التي لا تستجيب فيها الحكومات والمؤسسات لاحتياجات شعوبها، بالتالي يؤدي ذلك إلى توليد الفساد والفقر والاستياء العام وانهيار الأمن.

وتعد مثل هذه الدول “الهشة”، هي التحدي العالمي. إنهم عرضة للصراعات العنيفة، سواء بسبب الحرب الطائفية والجماعات المتطرفة، أو المنافسة الإقليمية، التي تأتي بنتائج مأساوية، تشمل صعود تنظيم الدولة، وزيادة الأزمة الإنسانية في سوريا. إن تلك الدول لا تقتصر -فحسب- على حدود منطقة الشرق الأوسط، بل يمكننا أن نحتسب من بينهم جنوب السودان والصومال ونيجيريا وهايتي. وعلى الصعيد العالمي، فالحرب الأهلية للدولة الهشة، تسببت في ظهور الهجمات الإرهابية، ما تسبب في تهديد التماسك السياسي، واقتلاع جسد الـ65 مليون مشرد بالعالم.

إن التجارب تُظهر أن المشاكل الخارجية، إذا تُركت دون معالجة، ففي كثير من الأحيان تعود إلى موطنها بأمريكا. ولا يمكن للولايات المتحدة إصلاح جميع الدول الهشة، لكن اختيار تلك المواقع، التي بها تهديدات بشكل أكبر، والعمل على تقليل نسبة هذا الخطر بها، يعد واقعيًا أكثر. وفي تلك الدول، سياسة مساعدة السكان المحليين على تعزيز مؤسساتهم، لجعلهم أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات بسلام في المستقبل، تعد أهون بكثير من التعامل مع أزمات الحروب، وتدفق اللاجئين، التي ستندلع من ناحية أخرى.

السياسة الخارجية للحزبين الجمهوري والديمقراطي في الشرق الأوسط، من شأنها الاعتراف بأن القيادة الأمريكية لا تزال محرجة، من حشد المساعدة الدولية المطلوبة لتلك الدول. وقد تستخدم كل أداة في صندوق الأدوات، التي تشمل الأمن والمساعدة الدبلوماسية والتنموية، ودعم المؤسسات الديمقراطية، إضافة إلى استثمار القطاع الخاص. وقد تكافح تلك السياسة من أجل بذل جهود عالمية أكثر كفاءة وفاعلية، لإغاثة الرقم القياسي للسكان اللاجئين بالعالم، وذلك بجانب التركيز على تقديم هذه الفرص للاكتفاء الذاتي المستقبلي. وقد تُقر بأنه يجب أن يتم تجنب نشر أي قوة برية أمريكية كبيرة، إلا إذا استعدى الأمن القومي ذلك. وقد يتطلب ذلك استثمارًا صبورًا وطويل الأجل مع البلدان الشريكة، والاستعداد للدعم المستمر، والمطلوب لبناء مؤسسات قوية وشاملة، على مدار سنوات.

وبعد حرب طويلة في الشرق الأوسط وما حوله، نضج الأمريكيون بشكل واضح، محترسين من الانتشار العسكري الكبير، وبناء الدولة. وقد يبدأ نهج الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الشرق الأوسط بالإصرار على أن الجزء الأكبر من الرؤية والجهد والموارد، يجب أن تأتي من أبناء المنطقة. وفي الوقت الذي تصنع فيه الدولة قرارات صارمة من شأنها بناء استقرارها، يمكن حينها فقط أن يصبح دعم الولايات المتحدة استثمارا جيدا للأمن القومي، بالنسبة للأمريكيين.

يذكر أنه في العام 1947، تم استنزاف قوة الأمريكان بشكل مماثل، بسبب الحرب العالمية الثانية، والحرص على إعادة البناء في الوطن، متلهفين إلى أن الشكوك المستمرة للسناتور فاندنبرج، بخصوص الشؤون الخارجية، تدرك تمامًا. لكن في أثناء تشويش الحرب الباردة في وقت مبكر، رأى فاندنبرج ومعاصروه بوضوح أنه فقط بالحوار بين الحزبين ووحدة سياساتهم بالخارج، سيتم توجيه الأمة بأمان. وفي وقت لاحق من السبعين عامًا، لا الانقسامات الداخلية ولا التحديات التي يتم مواجهتها بالخارج، أسوأ من تلك التي تم التغلب عليها من قبل. ومن الأهمية بمكان إعطاء فرصة لنهج الحزبين.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    اللغة الباسلة.. في ظل ثورات الربيع العربي

    منذ بداية ثورات الربيع العربي، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الدردشة وصفحات الإنترنت تغيرًا ملحوظًا في توجهات شريحة كبيرة من الشباب العربي وتحديدًا المثقفين منهم، نتيجة لتسارع أحداث هذه الفترة، فظهرت على إثر ذلك مصطلحات وألفاظ ومفرادت جديدة ومبتكرة تولدت من رحم هذه الأزمة؛ لتُعبّر عما يختمر في أذهان كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استحدث الشباب طريقة كتابية جديدة هي خليط من الحروف العربية والإنجليزية (تسمى الفرانكوأراب أو الأنجلوعربية) تعبيرًا عن تسارع الأحداث وكلغة مبتكرة وسريعة..

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

    “لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.. من مذكرات عربجي !

        “سيدي الأستاذ النابغة: محسوبُك كاتب هذا – الأسطى حنفي أبو محمود – من كان له الشرف أن يُقلك فى عربته مرارًا، إما منفردًا أو مع زمرة من إخوانك...

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    معذرة وزير الإتصال المغربي: الصحفي ليس بشهادته بل بكفاءته!

    عثمان جمعون – مدير نشر موقع الشمال24 منذ مغادرتي لمقاعد المدرسة، وأنا أجد تعظيما مبالغاً فيه للشواهد التعليمية، حيث أنه لا يمكنك أن تقدم شيء ذا بال لدى الدولة...

    المزيد من التدوينات