البحث عن الخريطة المناسبة

سلمى هشام فتحي – التقرير

لم نعد نستخدم الخرائط اليوم لتخطيط الأراضي المُكتشَفة حديثًا أو تجنب تهديدات الوحوش البحرية، ولكن – رغم ذلك – فقد لا ندري بتعرضنا لعدد متزايد من الخرائط في العصر الحالي؛ فنحن نخطط مواقعنا على الهواتف، وفي سياراتنا وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه، تغمرنا “الإنفوغرافيك” التي ترسم كل شيء في هيئة خرائط من نسب السمنة العالمية لاتصالات الإنترنت واسعة النطاق.

ويرى جامع الخرائط “ديفيد رامزي”، والذي يمارس عمله من “سان فرانسيسكو”، ويمتلك 150,000 خريطة وأطلس يرجع تاريخ أقدمها إلى العام 1700، يرى أن استهلاكنا المتعطش للخرائط جعل المزيد من الناس يُقدّرون الخرائط النادرة والتاريخية.

1 (1)

يقول “من أجل فهم الخرائط القديمة، عليك أن تكون قادرًا على قراءة الخرائط الجديدة، وقد جعلتنا خرائط “غوغل” أكثر قدرة على قراءة جميع الخرائط، فكان لها أثرًا هائلاً”.

هذا، وقد ساهمت زيادة السفر العالمي الذي يقود إلى وجود علاقات أكثر بين الناس والأماكن، في إعطاء دفعة كبيرة لجمع الخرائط النادرة، وهو ما يعني وجود قيمة مهمة لخريطة أو اثنتين قديمتين معلقتين على الجدار بالنسبة لهواة جمع الخرائط الجادين.

ويؤكد التجار أن شعبية جمع الخرائط بشكل خاص في روسيا والصين والبرازيل قد نمت، حيث يسافر المزيد من الأشخاص إلى هناك، فالناس يريدون الاحتفاظ بخرائط الأماكن التي يحبونها، كما ارتفعت أسعار خرائط تلك البلدان في السنوات الأخيرة، يقول التاجر المتخصص “دانيال كراوتش”، والذي يمارس عمله من “لندن”: “قبل خمس سنوات، بلغ ثمن خريطة الصين لعام 1584 والتي قام برسمها “ابراهام اورتيليوس” حوالي 3,500 جنيهًا إسترلينيًا (4,238 دولارًا أمريكيًا)، أما الآن فتبلغ قيمتها 6,000 جنيهًا إسترلينيًا (7266 دولارًا أمريكيًا)”.

وفي نفس السياق، يؤكد الخبراء أنه على الرغم من عدم ارتفاع أسعار هذه السوق بشكل كبير من عام إلى الآخر، إلا أن أسعار الخرائط النادرة من جميع أنحاء العالم قد زادت بثبات على مدى السنوات الـ15 الماضية. 

جاذبية الخرائط

يحب “رامزي” الخرائط التي تتناول الرسم العلمي للعالم، ولكنه يرى أيضًا الخرائط التي تُظهر تاريخ استكشاف العالم جميلة، يقول “إنها تحوي الفن والتاريخ والعلوم في لفافة واحدة، ومن الصعب تخيل أي شيء آخر يحمل كل تلك الأشياء معًا”.

إن الخرائط النادرة ليست رائعة فحسب، ولكنها سهلة الاقتناء لمعظم هواة جمعها أيضًا، فهي متاحة على نطاق واسع، ويسهل البحث عنها، كما أنها سهلة التخزين والعرض في المنزل، وأسعارها معقولة جدًا، يمكن أن تتراوح موضوعاتها بين المناظر الطبيعية المزخرفة ووحوش البحر الخيالية، مثل تلك الخرائط التي صممها “اورتيليوس” في القرن الخامس عشر، وحتى خرائط المسح المحلي المُصغرة التي تعود للقرن الثامن عشر.

أما “كراوتش”، الذي يتخصص في الخرائط النادرة من عام 1450 إلى 1850، فيبيع بعض الخرائط بحوالي 100 جنيهًا إسترلينيًا (121 دولارًا أمريكيًا)، كما أن الخرائط التي تصلح للعرض في المتاحف والتي تباع بشكل منفصل عن اﻷطالس، تُقدّر قيمتها بحوالي 5000 جنيهًا إسترلينيًا (6055 دولارًا أمريكيًا). 

أكثر الخرائط المرغوبة

وتظل الخرائط العالمية الأكثر قيمة هي خرائط القرنين الخامس والسادس عشر، والتي توضح فهمنا للعالم قبل الالتفاف حوله وبعده، وتلك الخاصة باكتشاف أمريكا، كما أن هناك طلبات على خرائط روسيا والبرازيل والصين لاسيما القديمة منها.

أما الخريطة الأغلى والتي عُرضت في مزاد علني، فجلبت ما يقارب 2.1 مليون دولار بصالة “كريستيز” في عام 2010، وكانت خريطة لأمريكا تعود إلى عام 1789 قام برسمها “أبيل بويل”، وهي أول خريطة نُشرت في الولايات المتحدة، يقول “توم ليكي”، مدير قسم الكتب والمخطوطات في صالة “كريستيز” بنيويورك، “لقد كان مبلغًا ضخمًا، ولكنها كانت الخريطة الوطنية الأمريكية الأولى وهي شديدة الأهمية”، وأوضح “ليكي” أن الخريطة البكر، وهي بحجم الجدار كانت أيضًا الأولى التي تحمل علم الولايات المتحدة، وواحدة من سبع نسخ معروفة.

2 (1)

ويجدر الذكر أن اﻷطالس النادرة يمكن أن تزيد قيمتها عن ذلك، حيث باع “كراوتش” أطلس “بولونيا” الذي رسمه “بطليموس” (1477) في عام 2007 بمبلغ 2.1 مليون جنيهًا إسترلينيًا (3.6 مليون دولارًا أمريكيًا).

ورغم ذلك يقول “ليكي” إن هذه الأسعار استثنائية وأن بعض الخرائط النادرة للغاية والتي تكون في حالة جيدة عادة ما تكون قيمتها أقل بكثير، على سبيل المثال، باعت “كريستيز” خارطة من عام 1482 رسمها “كلاوديوس بطليموس”، وهي أول خريطة تُرسم خارج إيطاليا، بمبلغ 317,000 رغم أن التقديرات كانت بين 180,000 دولارًا و240,000 دولارًا، ويضيف “هذه السوق محافظة فمعظم الخرائط قد تجد لها نسخًا متماثلة يمكنك تتبعها، مما يعني أن ارتفاع الأسعار سيكون مناسبًا أكثر للمشتري”، أما الخرائط المطبوعة فتكون نسخها كثيرة، لذا يستطيع جامعوها العثور على الأسعار الأحدث لبيع كل نسخة.

الكنز المطمور

للخرائط التجارية الحديثة قيمة مالية قليلة، ويمكنك حتى شراء بعضًا من خرائط إنجلترا في القرن الثامن عشر بدون تكلفة كبيرة، ويقول “كراوتش” “تستطيع شراء خريطة ملونة ورائعة من القرن الثامن عشر لمقاطعة إنجليزية بحجم سرير مزدوج بأقل من 2000 جنيهًا إسترلينيًا، لو كانت الخريطة لأي بلد آخر، ربما كانت الكلفة أكبر، ولكن يبدو أن الإنجليز لا يُقدرون تراثهم بما يكفي”.

3 (1)

إلا أنه من المثير للاهتمام أن جامعي الخرائط بإمكانهم القيام باكتشافات مهمة؛ فمثلاً اشترى “كراوتش” مؤخرًا خريطة دائرية وفلكية من عام 1455 لدير بالقرب من فيرونا، يقول “إنها جميلة بشكل مذهل، ولا يوجد أي مثال لها بأي متحف”، مشيرًا إلى أن جامع خاص من الولايات المتحدة اشتراها منه، ولكنه كان يمكن أن يبيعها إلى متحف مثل “متحف المتروبوليتان للفنون” في نيويورك

ولا يمكن للخبراء التوقع عما إذا كانت ستزداد الأسعار، أو إذا كانت سترتفع بالمعدل الحالي، فقد يمر عقد من الزمن حتى يلاحظ جامعو الخرائط تغييرًا كبيرًا في الأسعار، ويعتبر شراء اﻷطالس النادرة خيارًا جذابًا، حيث دُمرت العديد منها للحصول على الخرائط بداخلها حتى أصبحت الأطالس نادرة وتساوي أكثر من قيمة مجموع الخرائط التي تحتويها. 

ابحث عن الآتي

يقول “كراوتش” إن على الجامعين شراء الخرائط بلونها وحالها الأصليين، وليست تلك الملونة لاحقًا، كما ينصح الجامعين بـ”التخصص في منطقة، أو فترة، أو راسم خرائط معين، لأنك بهذه الطريقة سوف تصبح خبيرًا في هذا المجال بسرعة وتغدو لديك مجموعة متناغمة”.

ينبغي على الجامعين الجدد استكشاف المجموعات عالية المستوى في المكتبة البريطانية في لندن، والمكتبة الوطنية الفرنسية في باريس ومكتبة الكونغرس في واشنطن العاصمة، سواء بالذهاب إلى هناك أو عبر الإنترنت، ويقول “رامزي”: “انظر حولك وشاهد ما يثير اهتمامك، لكنني أعتقد أنه من الأفضل جمع خرائط للأماكن التي تعرفونها، وهي إحدى السبل للدخول إلى التاريخ ومعرفة المتغيرات التي حدثت في أماكنها على الخريطة”.

من أجل العثور على رسومات وخرائط خاصة، يُنصح باللجوء للإنترنت فهو صديق الجامعين، والذين عليهم تسليح أنفسهم بقدر كبير من المعلومات، مثل اسم رسّام الخريطة، واسم الخارطة وتاريخها، ومن خلال البحث عبر الإنترنت يمكنك أن تجد المجموعات العامة والخاصة، فضلاً عن التجار ودور المزادات، وفي بعض الأحيان يعرض البائعون على موقع ebay خرائط للبيع، لكن “رامزي” يحذر من حدوث بعض المشكلات لذا فعلى المشترين توخي الحذر، ويجب على الجامعين بعد الشراء الاحتفاظ بخرائطهم في مكان مسطّح وجاف وتعليقها بداخل أطر لحمايتها من الأشعة فوق البنفسجية.

الخلاصة

تزيد الأسعار في سوق الخرائط بثبات ويمكن الاطلاع على دليل على الاهتمام المتزايد بالخرائط النادرة، من خلال ارتفاع شعبية أرشيف الإنترنت الخاص بـ”رامزي” والذي يحتوي على 47,000 خريطة، تجتذب 2 مليون زائر سنويًا، وقام “ديفيد رامزي” في 2016 بالتبرع بكل خرائطه لجامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا، والتي ستقوم بفتح مركز للخرائط باسمه، “أشعر بالحماس لذلك لأن خرائطي سيقوم باستخدامها العلماء، ولكنني أحب مشاركة خرائطي مع الجميع، والإنترنت يوسع مجموعتي وينشرها في عالم وسيع. وهو أمر ممتع”.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات