البترول العراقي يصل القاهرة.. هل وجدت مصر بديلا للنفط السعودي؟

خاص – التقرير

قال حبيب الصدر، سفير العراق بالقاهرة، إن أول شحنات البترول، التي تم الاتفاق عليها خلال زيارة طارق الملا وزير البترول لبغداد، ستصل ميناء السويس خلال أيام، وتبلغ 200 ألف برميل، من إجمالي مليون برميل تم الاتفاق على تزويدهم لمصر شهريًا وبشروط ميسرة في السداد، وأضاف: «هذا الاتفاق يعكس حجم التطور الهائل في العلاقات الإستراتيجية بين مصر والعراق، بهدف النهوض بمستوى التعاون في جميع المجالات، وليس نكاية في أحد».

وكشف الصدر عن زيارة وفد من كبار رجال الأعمال والمستثمرين العراقيين للقاهرة، يضم نحو 100 شخصية؛ لبحث تأسيس مجلس أعمال مصري عراقي، والتعرف على الفرص الاستثمارية والإمكانات المتاحة للشراكة مع الجانب المصري، وأكد السفير وجود تفاهمات بين وزيري التجارة في البلدين، لتوريد بعض السلع إلى مصر، التي تدخل في الحصة التموينية، مشيرًا إلى أن هناك مجالات واسعة ستتاح للعمالة والشركات المصرية في العراق، خلال الفترة المقبلة.

وترى مصر أن الاتفاق حال تفعيله، سيصب في مصلحة البلدين، لأنه يسد احتياجات الجانب العراقي من المشتقات النفطية، إضافة إلى توفير الخام الذي ترغب القاهرة في شرائه، خصوصًا بعد أزمة أرامكو السعودية، وتعمل شركات مصرية حاليا في البصرة في مجالات النفط والغاز، علما بأن هيئة البترول المصرية شريك في الحقل النفطي «بلوك 9»، جنوبي العراق، بنسبة 10%.

العلاقات العراقية-المصرية

شكلت زيارة الرئيس العراقي، فؤاد معصوم، إلى مصر في مارس من العام الماضي، تتويجًا لسلسلة من الزيارات لمسؤولين عراقيين، أسفرت عن توقيع اتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية بين القاهرة وبغداد، وعُدّت بداية جديدة لعلاقة متطورة وإستراتيجية بين مصر والعراق.

وبحسب محللين، فإن العلاقة بين البلدين بعد مجيء السيسي، منذ ما يقرب من سنتين، تعد جيدة على صعيد مكافحة الإرهاب في مصر والعراق، اللذين يعانيان من مشكلة تنظيم الدولة، فالعلاقات العسكرية بين البلدين ترتقي إلى تحالف إستراتيجي في مكافحة الإرهاب، ويشمل هذا التعاون أن تقوم القوات المسلحة المصرية بتدريب القوات العراقية، خصوصًا قوات الصاعقة العراقية.

وعلى صعيد العلاقات السياسية والدبلوماسية، فقد تبادل البلدان زيارات لمسؤولين رفيعي المستوى، وكانت زيارة وزير الخارجية سامح شكرى في صيف 2014، بداية استعادة دفء العلاقات بين البلدين، من أجل دعم الحكومة العراقية الجديدة، ومن ثم زار رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري، مصر في فبراير العام الماضي، لتهنئة مصر بالبرلمان الجديد، وأما على الصعيد الاقتصادي، فمصر تعتمد على العراق كبديل للنفط السعودي، بينما تبقى المشكلة العالقة بين البلدين، هي تصدير المذهب الشيعي من العراق لمصر، حيث تشعر الأخيرة بعدم ارتياح من موضوع المد الشيعي ،القادم من العراق.

ومنذ صعود السيسي إلى الحكم، أكد أكثر من مرة على أهمية ووحدة وسيادة العراق على أراضيه، كما رفضت الحكومة المصرية مقترح الإدارة الأمريكية لتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم بشكل طائفي بين الشيعة والسنة والأكراد، ودعمت حكومة حيدر العبادي منذ تشكلها، لذا تعد العلاقات المصرية العراقية في أفضل حالاتها، وترتقي لتتجسد بأشكال تعاون في كافة المجالات، على رأسها الملف الاقتصادي.

الأزمة السعودية-المصرية

ربط كثير من الخبراء، بين الأزمة المصرية-السعودية، وبين التصويت المصري لصالح المشروع الروسي بشأن سوريا بمجلس الأمن، ففي 8 أكتوبر 2016، فشل مجلس الأمن الدولي في تبني مشروعي قرار، أحدهما روسي والآخر فرنسي، يدعوان إلى هدنة والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة، واستخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الفرنسي، فيما لم يتمكن مشروع القرار الروسي من الحصول على الحد الأدنى بمجلس الأمن اللازم لإقراره، وعن الموقف المصري، قالت وزارة الخارجية: «إن مصر صوتت لصالح مشروعي القرارين، اللذين قدمتهما فرنسا وروسيا لمجلس الأمن».

وفيما يتعلق بمضمون القرارين، فإنهما يتشابهان في دعوتهما لوقف إطلاق النار في حلب، وإيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة فيها، ويتعارضان في نقطتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمطالبة القرار الفرنسي بفرض حظر جوي على حلب، والثانية تتعلق بمطالبة القرار الروسي بفصل قوات المعارضة المعتدلة عن جبهة فتح الشام «جبهة النصرة سابقًا»، وترحيلها خارج المدينة، ومن ثمَّ لا يوجد تعارض كلي بين القرارين، إنما تعارض جزئي؛ فكلاهما رؤية للهدنة في حلب، تتفق في الهدف وتختلف نسبيًا في الأدوات.

وردًا على الموقف المصري، انتقدت السعودية وقطر تصويت مصر في مجلس الأمن الدولي لصالح مشروع القرار الروسي، فقد وصف المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة «عبدالله المُعلمي» هذا التصويت بالمؤلم، مشيرًا إلى أن الموقف السنغالي والماليزي أقرب إلى الموقف التوافقي العربي من الموقف المصري، وهو بذلك يعد أول انتقاد سعودي رسمي بشكل علني لمصر.

وردًا على هذه الانتقادات، أشار المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، أحمد أبو زيد، إلى أن المشروعين لم يتم طرحهما في ذات الوقت، وأن تصويت مصر كان تتابعيًا، بعد أن فشل مجلس الأمن في تطبيق المشروع الفرنسي، مضيفًا أن المقترحين يتعاملان تقريبًا مع ذات الطرح، كما أكد على عدم وجود خلاف بين القاهرة والرياض، لكن هناك أزمة تواجه المجتمع الدولي بشأن تحديد الأولويات فيما يتعلق بالشأن السوري.

أما على مستوى القرارات، فقد نقلت وكالة رويترز عن مسؤول مصري، أن شركة النفط السعودية «أرامكو» أبلغت الهيئة المصرية العامة للبترول شفهيًا في مطلع أكتوبر الماضي، بالتوقف عن إمدادها بالمواد البترولية، وأكد المتحدث باسم وزارة البترول المصرية لـCNBC عربية ذات الأمر، وردًا على هذا القرار، أعلنت وزارة النفط والثروة المعدنية المصرية، عن وصول شحنات الوقود التي طلبتها القاهرة من الأسواق العالمية، كبديل لشحنات «أرامكو» السعودية.

تقارب مصري-إيراني

أثار توجه النظام المصري إلى بغداد، للحصول على المشتقات البترولية جدلاً واسعًا، حيث رأى فيه خبراء ومراقبون تسارعًا من مصر في توجيه بوصلتها السياسية والاقتصادية ناحية المعسكر الإيراني الروسي، خصوصًا في ظل ما نقلته وسائل إعلام عن مسؤول عراقي، أن تزويد العراق لمصر بالنفط، سيكون مقابل سلاح وذخيرة.

وفي بيان صدر قبل شهرين، طالب القيادي في المجلس الإسلامي الأعلى بالعراق، باقر الزبيدي، بالاستجابة لطلب مصر شراء شحنات نفط، لمنع ما وصفه بالابتزاز السياسي لها، وأضاف أن مصر تشهد حملة إعلامية جراء مواقفها لدعم الدول العربية، ما يدعو العراق للوقوف إلى جانبها، دعمًا لمواقفها القومية.

وتعمل شركات مصرية حاليًا في البصرة، جنوبي العراق، في مجالات النفط والغاز؛ وهيئة البترول المصرية شريك في الحقل النفطي «بلوك 9»، جنوبي العراق، بنسبة 10%، ووقعت الأسبوع الماضي اتفاقًا بشأن حقل غاز «سيبا جنوب» شرق البصر،  بنسبة مشاركة 15%.

وكشف وزير عراقي بارز في حكومة حيدر العبادي، عن بعض نتائج زيارة وزير البترول المصري طارق الملا، إلى العاصمة بغداد، أبرزها الموافقة على تزويد العراق لمصر بالنفط، مقابل محروقات ودفعات سلاح وذخيرة مصرية، وسيكون السداد آجل لفترة زمنية سيحددها الطرفان، حسب الاتفاق.

أضاف الوزير العراقي، الذي رفض ذكر اسمه، في تصريح صحفي، أن «العراق بحاجة مستمرة إلى سلاح وذخيرة، ومصر أبلغت الحكومة أن لديها قدرة على تزويد العراق بها، فضلاً عن صيانة المعدات العسكرية، وسيتم خصم قيمة السلاح من قيمة النفط المصدر إليها».

ووصف الخبير بالشأن السياسي العراقي، محسن الأحمد، الاتفاق بأنه جرى بـ«مباركة إيرانية»، وأوضح أنه لولا المباركة الإيرانية لن يوقع العراق مثل هذا الاتفاق، خصوصًا أن ملف النفط بات أحد أبرز ظواهر تبعية بغداد لطهران، وظهر ذلك مؤخرًا في اجتماعات منظمة الدول المصدرة لنفط (أوبك)، ومساعي خفض الإنتاج.

وأكد في تصريحات لوسائل إعلام، أن «القرار سياسي، أكثر من كونه اقتصاديًا، وجاء ردًا على السعودية قبل كل شيء، وقد يكون الاتفاق بداية لخطر على المجتمع المصري، فالجميع يعلم أن حكومة بغداد تمثل حاليًا الأجندة الإيرانية»، وفقًا لقوله.

اختبار شراكة الرياض مع القاهرة

من جانبه، قال باحث غربي في العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد، صامويل رماني، إن مصر لا تملك الكثير من الأدوات المتاحة لمواجهة وقف النفط السعودي، حتى لو كان مؤقتًا، متوقعًا عدم استمرار وقف النفط السعودي لفترات طويلة، ووصف صامويل خطوة «أرامكو» تجاه القاهرة، بأنها مثيرة للدهشة، «وجاءت في وقت بالغ السوء، من شأنها زيادة الأعباء الدولارية على مصر لتوفير المواد البترولية للسوق المحلية».

وفسر رماني، أسباب وقف النفط السعودي لمصر، بعاملين: «الأول أن السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي ترسل رسالة بارعة، إزاء عدم الرضا عن تحالفها مع مصر، وإعادة التأكيد للرأي العام السعودي والخارجي أن التحالف مع مصر عبارة عن شراكة باتجاهين، ليس دعمًا غير مشروط، والثاني اختبار شراكة الرياض مع القاهرة».

ومطلع أبريل الماضي، قالت وزيرة التعاون الدولي المصرية، سحر نصر، في تصريحات لصحيفة «الشرق الأوسط» السعودية، إن حجم الدعم السعودي لبلادها بعد 30 يونيو 2013 بلغ 9 مليارات دولار، ويؤكد الباحث، أن «وقف النفط السعودي للقاهرة، بمثابة اختبار لقوة استعداد مصر للإصلاح والشراكة بين مصر والسعودية، وليس قطعًا للعلاقات».

ولدى سؤاله بخصوص تأثير قرار «أرامكو» على مستقبل الاستثمارات السعودية في مصر، قال الباحث إن السعودية لم تعلن سببًا لوقف إمدادات النفط، لكن البعض ربطه بسياسة مصر تجاه سوريا، وذلك تمشيًا مع روسيا، وأضاف: «إذا كان هذا الحال، فإن الاستثمارات السعودية في القطاعات الأخرى من الاقتصاد المصري قد تواجه أيضًا تخفيضات لاحقة».

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات