الأدب يثري الأفلام الروائية القصيرة في المهرجان القومي للسينما

سلمى هشام فتحي – التقرير

أؤمن بأني قد أجد أثمن الأشياء في أقل الأماكن توقعًا، فإذا كنت من محبي الأنتيكات أو الكتب النادرة، وتعرف أروقة وخبايا أسواق الكتب القديمة، مثل شارع المتنبي في بغداد، أو سور الأزبكية في القاهرة ستعرف ما أقصد، ربما لم يكن هذا ما دفعني للتوجه إلى دار الأوبرا المصرية، إنما الرغبة في لقاء الأصدقاء والأوبة إلى أجواء الأوبرا، التي يجذبني إليها الشتاء لا إراديًا، لكن ما وجدته هناك ولفت انتباهي، كان ثمينًا حقًا رغم عدم توقعي له.

فضمن فعاليات “المهرجان القومي للسينما”، عُرض عدد من الأفلام المتنوعة بين الروائي والتسجيلي، لكن ما جذب شغفي هي تلك الأعمال الروائية القصيرة، التي نفذت داخل شعوري كالطلقة، فكانت صادمة ورائعة في ذات الوقت.

والفيلم القصير الناجح، مثله مثل القصة القصيرة، يجب أن يكون مكثفًا وصادمًا، يعطيك شعورًا سريعًا ومركزًا، أما لو كان مأخوذًا عن عمل أدبي؛ فهو في رأيي يمنح العمل عمقًا إضافيًا، ثم يحرضك على قراءة العمل الأدبي المأخوذ عنه، إن لم تكن قرأته في السابق أو حتى إعادة قراءته، مثلما حدث في رمضان الماضي مع رواية “أفراح القبة” لنجيب محفوظ، وإن كان استلهم في مسلسل طويل، وكذا “ساق البامبو” لسعود السنعوسي.

المجنون

بإيقاع سريع وشغف واضح، يبدأ فيلم “المجنون”، وهو العمل الأول لمخرجته “جينا مقبل يوسف”، في لقطات قريبة وقريبة جدًا تسود الفيلم، نرى البطل يصنع الأقنعة واحدًا تلو الآخر، ليخرج بها إلى الشارع، أو يفتح لمن يطرق بابه، دون أن يظهر وجهه، لكنه حين يتجه إلى الخارج، نجد كل سكان المدينة مقنعّين.

وحين لا يجد البطل قناعًا يلبسه يومًا، ينعته طفل صغير بـ”المجنون”، تلك هي العبارة الواحدة في شريط الصوت الصامت تقريبًا، إلا من موسيقى كلاسيكية سريعة الإيقاع تناسب الموقف.. يتشجع البطل ويخرج لتلفحه الشمس ثانية، دون أقنعة، فتفعل مثله فتاة لا تخاف أن تكون مجنونة هي أيضًا.

يطرح الفيلم، ومدته 9 دقائق، الكثير من الأفكار، وهو عن قصة بنفس الاسم لجبران خليل جبران. فهناك الأقنعة التي يلبسها الناس ويختبئون خلفها، التي تداري حقيقتهم، وأيضًا يناقش الفيلم مفهوم الشجاعة على الاختلاف، على أن تخرج بوجهك السافر دون رتوش.. الأمر شبيه بالمرأة التي لا تقوى على الخروج للعالم، دون مستحضرات للتجميل، فهي لا ترى نفسها مقبولة دونها، وتحتاج لقدر من الشجاعة لتبدو أمام الآخرين دونها، قد يبدو المثال واضحًا نوعًا ما، لكن الكثير منا يضع أقنعة أخرى خفيّة تقيده، فتذيب روحه الحقيقية، وتشجعه على التصنع دون أن يدري.

حصل فيلم “المجنون” على جائزة مهرجان الإسكندرية السينمائي للأفلام الروائية القصيرة، وهي جائزة مستحقة لفيلم مهم يحمل الكثير من الأفكار، ويحوّل الفن الرفيع والرمزي لجبران إلى حياة نابضة على الشاشة.

“المجنون” سيناريو أحمد عبد الجواد ولينا مقبل، ومن بطولة الفنان رامي غيط.

1-1

الحلم الأول

ضمن الأفلام التي عُرضت في اليوم السابع للمهرجان، فيلم بعنوان “الحلم الأول”، وهو إنتاج مستقل وإخراج عمرو وشاحي.. الفيلم حاصل على منحة من المعهد البريطاني لأعمال ما بعد الإنتاج، ومن سيناريو عمرو وشاحي وفهمي شاهين وأمير علام.

يستلهم الفيلم فكرته من “أحلام فترة النقاهة” للأديب الكبير نجيب محفوظ، فيدور في عالم بين الحقيقة والخيال والأحلام، التي تتبدى خصائصها من عدم ترابط الأحداث ولا معقوليتها، فالمخرج عمرو وشاحي، الذي دارت أحداث فيلمه الأول “قاهرة” في مدينة القاهرة، يفضل أجواء الإسكندرية الغائمة في فيلمه الثاني.

إن البحر الذي يظهر في أحلام محفوظ، والجو الغامض للأحلام، هو ما دفع المخرج -في رأيي- للاتجاه إلى ساحل الإسكندرية وبحرها الفسيح، وألهمه الاعتماد على الألوان الباردة الزرقاء والرمادية في فيلمه.

ورغم أن الفيلم قد يبدو غريبًا وغير مفهوم للمشاهد العادي، فإنني أعجبت به لغرابته ولعدم محاولته تغيير أجواء الحلم، أو إضافة التفاصيل الأخرى التي ربما تقيد العمل التلفزيوني، الذي يسعى للحصول على رضا الجمهور، كما حدث مع مسلسل “أفراح القبة”، الذي تأرجح بين الفنية العالية وإضافة بعض الأجزاء والتفاصيل الأخرى، حتى ينافس في السباق الرمضاني الذي لا يقبل بمسلسل في أقل من 30 حلقة.
2-1

ليس من ينظر كمن يرى

رغم أن الثقافة ليست من أولويات الكثير من الدول العربية، فإلن المهرجانات القومية تثبت أن هناك من يعمل رغم ذلك.. الأفلام الكبيرة والتجارية في العالم أجمع تحصل على جل الاهتمام، لكن تلك القيمة لا تحتاج لمن ينظر فقط، بل لمن يرى ويبحث ويقدّر من يعمل، حتى لو كان عمله في صمت.

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات