إعادة تصور العلاقات الدولية

لوب لوغ – التقرير

كشفت الانتخابات الأمريكية الأخيرة عن مدى انهيار النظام العالمي المقاد من قبل أمريكا أكثر مما قد يتخيله أحد، إذ تمر القوى الكبرى والمتوسطة العالمية في محاور تطور سريعة على مستوى العالم. ولكن لا تزال الشعوب في كل العالم تشعر بالقلق على السياسات الأمريكية، ونشاطاتها، والمسائل المتعلقة بهم. فأمريكا لا تزال محور العالم، إلا أن موقفها السياسي لم يعد ذو أهمية مرموقة مثل العقود الماضية.

القوة الوحيدة القادرة على مواجهة تأثير أمريكا العالمي حاليًا هو الاتحاد الأوروبي. فأوروبا تمتلك المال إلا أنه ينقصها الطموح الكافي، والأدوات السياسية، والتماسك العسكري لتستطيع فرض سيطرتها والتحكم في مصير العالم. ففي ما مضى، وقبل أن تتجه بريطانيا إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، كان يضم أكبر قوتين في العالم؛ بريطانيا وفرنسا. أما الآن فهو يضم فرنسا فقط، التي تحتفظ بنطاق من السيطرة على أفريقيا والبحر الكاريبي، والمحيط الهندي، وبولينيزيا—مما سيضيف للاتحاد الأوروبي طابعًا عالميًا ووجهة نظر شاملة لمجالس الاتحاد الأوروبي.

تمتلك الصين واليابان نفوذًا اقتصادية كبيرة عالمية إلا أن لديها قدرة ضئيلة سياسية وإبراز عسكري عادي في المناطق البعيدة عنه. بينما تمتلك روسيا ترسانة نووية قادرة على تدمير كل العالم. فأصبحت لاعب مهم في الشرق الأوسط، إلا أنها تفتقر إلى الإمكانيات الاقتصادية والسياسية والثقافية خارج نطاق الاتحاد السوفيتي السابق. أما البرازيل والهند، فيأملا دائمًا في المشاركة بدور عالمي إلا أنهم بالفعل يشاركون في جزء ضئيل للغاية خاص بمناطقهم وأجزاء محددة من أفريقيا الأقرب لهم.

يعد رفض إدارة ترامب للتعددية خطوة كبيرة للخلف من الدور القيادي العالمي لأمريكا. فهي خطوة تشير إلى رفض أمريكا لتقنين القواعد السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يسير عليها العالم. وبذلك تنعزل أمريكا يومًا بعد يوم عن المشاكل الدولية. بينما أدى نفور الإدارة الأمريكية من ظاهرة التغير المناخي والمشاكل المشابهة إلى فقدان مصداقيتها في المشاركة في وضع السياسات الخاصة بها، إلى جانب ازدراء واشنطن المتنامي للأمم المتحدة والقانون الدولي، مما تسبب في عدم صلاحية دور أمريكا العالمي. ولكن وبالرغم من صعود الصين إلى المشهد في محاولة لارتقاء الكرسي الأمريكي، لم يظهر وريث مناسب يسترد مكانة أمريكا العالمية ويتحمل مسئولياتها.

تسببت التدخلات الأخيرة من قبل القوات العسكرية الأمريكية في الخارج في إثارة المقاومة مما تسبب في إحباط أهدافهم. فالقوة لا ينتج عنها سوى انتاكسة لا توفر الأمن المرجو، وبإنكماش ورقة السيطرة الأمريكية الدولية، ظهرت العديد من القوى الأخرى مثل الصين والهند وإيران وروسيا، ليبدأوا في تأسيس أنظمة إقليمية تتمركز حولهم وحول أهدافهم، وهي ما بدأت في التبلور قبل ظهور قيادة ترامب الداعية للاهتمام بالمصلحة الأمريكية أولا وعدم اهتمامها بمصالح وشئون الدول الأخرى. فلا يمكن أن تضع أي بلد ثقتها حاليًا في أمن واشنطن مهما بقيت قوتها العسكرية.

وبذلك استغلت العديد من الدول هذا الموقف لتحقيق أغراضها الشخصية؛ مثل روسيا التي استشهدت بالسلوك الأمريكي لتبرير ديونها المستحقة في أوكرانيا وما يتعلق بمعاداة القوات النووية متوسطة المدى.

بدأت حقبة ما بعد الحرب الباردة في عام 1990، عندما اجتمعت المجتمعات الدولية للتأكيد على أنه لا يسمح نظام القوى العالمية الجديد باستخدام الدول الكبرى القوية لاحتلال الدول المجاورة الأخرى، الأصغر في المساحة والقوة مثلما حاولت العراق بتدخلها في الكويت. إلا أن بداية القرن الـ 21 علمت الشعوب درسًا آخر من ضرورة التحالف مع الدول الأخرى لحماية حدودها من القوى العظمى المعادية مهما كانت عظمة قوتها العسكرية.

استفاد العالم من الدروس التي علمتهم أن منظمة الأمم المتحدة لم تعد ذات ثقل مهم في العالم؛ حيث فشلت القوانين الدولية وحق النقض الدولي لمجلس الأمن في حماية صربيا من تدخل القوى العظمى لفصل كوسوفو عنها، بينما فشلت المعارضة في مجلس الأمن من منع انفصال جزر القرم الإجباري عن أوكرانيا، ولا يعبأ أحد بذكر القوانين الدولية في مناقشاتهم عن سوريا. لم تعد تقدم القوانين القديمة أي وسيلة للأمان وأصبحت غير مفيدة، لذلك يتخطاها الجميع.

والجدير بالذكر أن جنرال في الجيش الهندي بعد انتهاء حرب الخليج من عام 1990 وحتى 1991 ذكر درسًا مستفادًا؛ لكي نعيش آمنين من الهجمات الأمريكية لابد وأن نمتلك رادع نووي (ومن المؤكد أن باكستان تفكر بنفس الطريقة تجاه الهند مثلما تفعل العراق وإيران تجاه إسرائيل). فها قد رأي الشعب الليبي والعراقي أنهم خسروا زعمائهم بسبب افتقارهم لهذه النوعية من الأسلحة. وستجد أن كوريا الشمالية بأسلحتها النووية محمية من أي هجوم أجنبي تمامًا مثل الصين وأوروبا والهند واليابان وباكستان وروسيا.

ظهور مرض الإسلاموفوبيا مهد الطريق لانتشار أنواع جديدة من رهاب الأجنبي مثل العنصرية ومعادية السامية، فأصبحت التوجهات المعادية لليبرالية هي الموجة الجديدة المستقبلية. بينما اتجهت بعض القوى الشبه عالمية مثل إيران وتركيا وروسيا والصين للمطالبة باحترام الدول المجاورة لها، فتبطل بذلك نفوذ أمريكا العالمي وهيمنتها بعد الحرب الباردة.

لاتزال معظم الدول القابعة تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية تؤكد على ولاءها، حيث ارتفعت النفقات العسكرية في العالم لتصل إلى 50% منذ عام 2001 وحتى 2015.

ولفترة ليست بالكبيرة، كانت القوى العالمية تتقاسم ما بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، ثم تحولت لتصبح قوى اقتصادية وسياسية أحادية لفترة مفهومة بالنسبة للمستوى الإقليمي والمقارب له، فتتحكم القوى العظمى في صفقات بيع السلاح للعالم، ولا يجب أن يخلط أحد بين هذه الصفقات والتحالفات.

فمثلا، تضاعفت مشتريات السعودية للسلاح ثلاثة مرات في الأعوام الخمسة الماضية، مثلها مثل ما يحدث في دول الخليج الأخرى. وفي نفس الوقت، نجد أن دول الخليج العربي تتجه إلى الصين والاتحاد الأوروبي والهند وأندونسيا واليابان وروسيا وتركيا بحثًا عن التحالفات لمحاربة الإرهاب الإيراني في ليبيا وسوريا واليمن. وبسبب هذه الحروب، تقربت كل من العراق ولبنان وسوريا أكثر من إيران، بينما اتبع أكراد العراق لتركيا بفعل الوضع الراهن.

اتجهت أوكرانيا، فيما قبل ما بين صراعها بين الغرب الشرق، لطريقها لاحتضان روسيا. بينما ابتعدت الفليبين عن أمريكا واتجهت للتعاون مع الصين، تمامًا مثلما فعلت تايلاند. بينما ستجد أن مينيمار وفيتنام يبحثان عن حليفٍ آخر لتتوازن قواتهما مع نظيرهما الصيني، وتبحث كوبا وفنزويلا عن روسيا والصين بحثًا عن الدعم ضد السياسات الأمريكية الجديدة.

في الوقت نفسه تتغير التحالفات التجارية وتستمر الاستثمارات في الانحدار على المستوى الإقليمي مثل الاتفاقيات التجارية الجديدة من الاتحاد الأطلنطي والاتحاد الأوراسي الاقتصادي، والمؤسسات الموجودة من قبل مثل مجلس التعاون الخليجي وميركوسر ومنظمة شنجهاي للتعاون.

وأصبح للأمم المتحدة سلطة ضئيلة في قرارات المبرمة في براسيلز فيما يخص قوانين التجارة والاستثمار في الاتحاد الأوروبي ومتعلقاتها الاقتصادية. وعلى صعيد آخر، ستبدأ أمريكا والاتحاد الأوروبي، بقوانينهما الدولية، في التأثر بالقوى النامية المجاورة غير الخاضعة لهذه القوانين الدولية.

فلننظر مثلا للمكسيك؛ هي أمة فخورة بنفسها مكونة من 130 مليون إنسان، وتحتل المركز الـ 13 في قائمة أكبر دول في العالم وحازت على المركز الأول في الاقتصاد العالمي، فهي بذلك تعد قوة متوسطة المستوى، فهي عضو في مجموعة العشرين ونفتا واتحاد الأطلنطي والأمم المتحدة وأمريكا اللاتينية.

لن تنسى المكسيك إحتلال أمريكا لـ 55% من أرضها في عام 1846، إلا أنه في عام 1994 ارتبط الاقتصاد المسيكي بالاقتصاد الأمريكي بقوة فأصبحت المكسيك أكبر شريك تجاري بعد الصين وكندا، مع العلم أن العلاقات الأمريكية المكسيكية أصيبت في مقتل بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض؛ فمن الصعب التنبأ بطبيعة العلاقات المكسيكية أثناء عصر ترامب.

لا تزال أوكرانيا تبحث عن مكانٍ بين روسيا وأوروبا وأمريكا، وتركيا تبتعد عن الاتحاد الأوروبي وأمريكا وشراكتها المحدودة مع روسيا. بينما مدت إيران يد العون للعراق والهند وروسيا لمواجهة أمركيا ودول الخليج العربي، بينما تتجه السعودية الآن للصين والهند وأندونسيا واليابان وروسيا بعد أن كانت حليفًا لأمريكا. بينما تحاول باكستان الابتعاد عن الاختيار ما بين السعودية وإيران.

يواجه العالم اليوم مخاطر لا يمكنه أن يتجنبها، فهي نتاج من الفشل العالمي ووجهات نظر غير مكتملة. وتخلف أمريكا على تشكيل القوى الدولية ليست بسبب تضائل قدراتها، وإنما هي نتيجة عدم قدرتها على التكيف مع العالم الجديد والوضع الحالي والتغيرات في موازين القوى، وبناء أسلحة جديدة أكثر تطورًا لن يحل هذه المعضلة.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات