إسماعيل العبودي: طه عبد الرحمن وفقه الفلسفة

الفيلسوف طه عبد الرحمن المظلوم من بني قومه المبدع والمحرر في عمله وقوله العلمي والمنتج لكثير من المفاهيم والمصطلحات التي سارت بها الركبان، استثمر بعضًا من أفكاره وائل حلاق في كتابة الدولة المستحيلة، وهو متضلع في المنطق الحديث، يميل إلى المدرسة التحليلية الأنجلوسكسونية، لكن للأسف لم تستثمر أدواته المعرفية التي أتنتجها بالشكل المؤمل سواء من المهتمين بالفكر أو حتى المتخصصين في الشريعة، قد يكون عدم تحمل القراءة المتأنية لكتبه المكتوبة بلغة عربية مغروسة في التراث ومنطقية أيضًا سببًا من أسباب عدم الاستفادة منه، وقد تكون هناك أسباب خاصة ولكل مشربه.

في هذا الحيّز الصغير من الصعب التطرق لأفكار طه الممتدة من فلسفة الدين والمنطق والحجاج والأخلاق والسياسة، لكن سأبرز آلية منهجية لإنتاج المعرفة والإبداع أظن أنها بعد لم تستخدم وتفعل خارج نطاق تلامذته الخاصين؛ ألا وهي فقه الفلسفة، مصطلح فقه الفلسفة إبداع طاهوي خالص يسعى لتمكين العربي والمسلم على الإبداع الفلسفي من خلال اختراع المفاهيم وتأثيلها (تأصيلها) من داخل اللغة القومية تصريفًا واستعمالًا.

من أعوص المشاكل العلمية والفكرية التي واجهت الأمة الإسلامية هي الأسلوب المناسب للتعامل مع المنتج الفكري للآخر، واجهته في القديم من اليونان والفرس والهنود وفي العالم المعاصر تواجهه وبشكل أوسع وأعقد من الحضارة الغربية، ترافق التحدي الفكري الغربي مع التحدي السياسي والاجتماعي والاقتصادي فصعّب من مهمة المواجهة، سبق أن واجه المتكلمون والعلماء مخاطر الفلسفات اليونانية على عقائد ومعارف المسلمين وحققوا الجوانب الخادشة والمؤثرة سلبًا على دينهم وأيضًا الاستفادة مما هو أثره إيجابي لدينهم ودنياهم. وواجهه العلماء في الوقت المعاصر، كل بقدره واستطاعته وكل برأيه وطريقته، وجرى خلاف ونقاش طويل بالمرفوض والمقبول من المنتج الغربي.

أبرز عالم حرر المعرفة الإسلامية من سلطة الفلسفة اليونانية ومنطقها في القديم هو شيخ الإسلام ابن تيمية؛ ففي كتابه الرد على المنطقيين -الذي لم يستثمر كثيرًا- نقد المنطق اليوناني بالمعارف الشرعية واللغوية وخاصة نقده للحد والقياس الشمولي أو البرهاني، ونقد ابن تيمية للمنطق الأرسطي ثمين بتقييمات اليوم ومنجزاته وليس بما توفر لابن تيمية في زمانه. استلهم طه عبد الرحمن حس التحرر التيمي وبنا عليه؛ فمشهور نقد طه للقياس الأرسطي وتفضيله للقياس الأصولي التمثيلي، إضافة طه تبقى هي مفهومه لفقه الفلسفة وبالذات مفهوم التأثيل الذي يسعى من خلاله طه تحرير المتفلسف العربي من تقليد الغربي وقدرته على إبداع المفاهيم من داخل لغته ومجاله التداولي، وبذلك تكون الفلسفة ذات طابع قومي وليس كونيًا بمعنى لكل قوم فلسفتهم التي تصطبغ بلغتهم؛ وبالتالي بطرائق حياتهم ومعيشتهم.

البناء على اللغة القومية والاستقلال الفكري ليس معناه الانغلاق على الذات إنما معناه الانطلاق من الذات اللغوية والاستفادة من منجزات الآخرين؛ لأنه بهذه الحالة يستطيع الإنسان الإبداع وإلا أصبح مقلدًا ومرددًا لأفكار الغير، طه يفرق بين العبارة والإشارة؛ فالعبارة هي الظاهر والصريح من اللغة، والإشارة هي المجاز والمضمر، العبارة تكون كونية لكن الإشارة يجب أن تكون قومية لكي تعبر عن هوية القوم ومجالهم التداولي؛ ولذلك أبدع في ترجمته لمقولة ديكارت (أفكر إذًا أنا موجود) فترجمها إلى (انظر تجد)، ترجمها ترجمة تراعي الجانب الإشاري في اللغة العربية، وبذا لا تُخل بقواعد المجال التداولي العربي.

وفي الجانب الآخر، طه ليس فيلسوفًا يترجم المفاهيم والأدوات الفكرية الغربية ترجمة إبداعية فقط، بل هو يترجمها ويقومها بأصول المجال التداولي العربي الثلاثة: العقيدة واللغة والمعرفة، فليست هي ترجمة بحتة، ومن قرأ لطه عبدالرحمن عرف عدم تسليمه بنتائج الأفكار الغربية بل ينتقدها نقدًا يوافق مجاله التداولي الخاص، وهذه هي الإضافة الحقيقية لطه، زيادة على ترجمته وتلخيصه لأهم الأفكار المتداولة في المعرفة الغربية للقضية التي هي محل نقاشه. في أغلب كتبه ومقالاته، هناك مساران؛ هناك ترجمة لأفكار غربية وهناك أيضًا نقد وحوار لها، البعض يريد أن يؤمن بالمسار الأول ويغفل عن المسار الآخر ويُغفل الأفكار المفاهيم والأفكار البكر التي ليس فيها مسار ترجمة. وطبيعة العلم والمعرفة بنائية يستفيد ويقوّم المتأخر المتقدم هذا مع إيمان طه بالحوار كمنهج وطريق لتقويم المعرفة، وإحضاره للقضايا والمشاكل المثارة ونقده لها تمثل إجابة وطرح حل لها من وجهة نظر إسلامية ومجال تداولي عربي.

مع انتشار فكرة التفسير الموضوعي للقرآن في الأزمنة المعاصرة؛ قد تكون فكرة طه في التأثيل اللغوي مفيدة في هذا الجانب، والغريب هو غفلة المختصين بالتفسير عن استثماره في التفسير الموضوعي، عمل طه يناقش المنهجية نفسها لكن بلغة منطقية وفلسفية. ليس المطلوب هو الموافقة على كل ما يقوله طه، لكن هو أولى بالاستفادة من المنجزات المعرفة الغربية الخام؛ فهو استوعب المعرفة الغربية وغربلها لتكون مناسبة للمجال التداولي العربي وبذا تكون أكثر جاهزية وأقل محاذير.

اللغة العربية لن تكون كما هي الآن بغير القرآن والإسلام، وأوصلها القرآن ببلاغته وقدسيته لتكون أفضل لغة على الإطلاق، ونمت حول هذا القرآن معارف كثيرة جدًا خلال أربعة عشر قرنًا، حتى المعرفة اللغوية التي دونت بعد نزول القرآن بعشرات السنين تأثرت بالقرآن، السؤال: ما هو دور القرآن والسنة ولغة العلماء وهذه المعارف التي حولهما في بناء وتأثيل المفاهيم الفلسفية؟، اللغة مرجع وأساس لقيم وأخلاق القوم لكن القرآن والإسلام ليس للعرب فقط؛ فالإسلام أكمل أخلاق وقيم العرب، نعم طه يشير للقرآن في بعض المواضع ويتكئ عليه والأكثر يبني فكرته على أساس لغوي، بل إن بعض تلامذته يناقش مفهومًا إسلاميًا ولا يشير لمفهومه في القرآن والسنة وعند العلماء ويعتمد على المعنى اللغوي في فهمه. وابن تيمية قبله حاول تفسير مفهوم الشريعة والسنة قريبًا من مفهوم طه لفقه الفلسفة؛ إلا أنه رجع لمفهومهما في القرآن والسنة والعلماء (انظر مجموع الفتاوى 19/306).

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات