أيادي الإمارات الخفية تتلاعب بالشرق الأوسط بأدوات أمريكية

خالد جمال – التقرير

يوم تلو الأخر، تظهر العلاقات المشبوهة لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي دأب حكامها على سترها، وعرض آخر أكثر إنسانية وتطور وحميمية مع باقي دول المنطقة العربية؛ كي تتمكن من إخفاء جرائمها بحقهم، فضلًا عن استغلال علاقاتها بأمريكا التي تدعمها بملايين الدولارات لتنفيذ أهدافها.

عندما غيّب الموت مؤسس الإمارات الشيخ زايد آل نهيان عام 2004، أغرى النمو الاقتصادي، الذي قفز في عهد زايد ابنيه محمد وعبد الله، فتطلعا إلى مزيد من الحضور الدولي، والانتقال من مجرد فكرة الفاعلية الإقليمية الهادئة إلى التدخل الدولي المباشر، مستغلين تراجع الأطراف القوية الفاعلة في المنطقة.

سعى أبناء زايد بكل ما لديهم من إمكانيات؛ لخطب ود البيت الأبيض بشتى السبل، مهما كانت كلفة ذلك، في محاولة لترسيخ أقدامهم كقوى فاعلة في المنطقة، وهو ما وجدت فيه أمريكا ضالتها.

من المعروف أن الولايات المتحدة منذ 2011 تتبنى استراتيجية القيادة من الخلف، التي تعتمد فيها على عدد من الأطراف الإقليمية لإدارة الصراعات الدولية. باتت الإمارات واحدة من تلك الأطراف، وبالتالي أصبحت رهنًا بما تمليه عليها السياسة الأمريكية.

الأيادي الإماراتية السوداء الممدودة داخل بعض الدول الخليجية والعربية، دائمًا ما تحاول لعب دورها المحوري في تفتيت الشعوب وإجهاض أحلامها، ودعم الكيانات الديكتاتورية ذات الصلة والشبهة بكيانها الحاكم، الذي يعتمد على بعض الأسماء التي تدير المشهد. بات من السهل تلاقي الطرفين لتكون الإمارات وكيل واشنطن بالمنطقة من جانب، وبتنفيذ أطماعها من جانب آخر.

تسريبات العتيبة

لعل مضمون التسريبات التي حصلت عليها صحيفة “ديلي بيست” الأمريكية، عقب اختراق البريد الإلكتروني للسفير الإماراتي لدى واشنطن يوسف العتيبة، تُثبت بالدليل القاطع أيادي الإمارات الخفية التي تتلاعب بشؤون الدول العربية، خاصة وأنه لم تنفِ أي شخصيات أو جهات وردت أسماؤها برسائل السفير الإماراتي.

الرسائل التي تقول صحيفة “ديلي بيست” الأمريكية إنها توصلت إلى عينة منها، عن طريق مجموعة من القراصنة تطلق على نفسها اسم “غلوبال ليكس”، والتي قالت في معرض حديثها للصحيفة إنها – أي التسريبات – “تكشف عن كيفية استخدام ملايين الدولارات لإيذاء سمعة الحلفاء الأمريكيين ولتغيير السياسات”. كما تؤكد في ذات الوقت أن دولة قطر ليس لها علاقة بالتسريبات.

“غلوبال ليكس” ليست مجموعة قرصنة تستهدف تسريب وثائق ونشرها، بل في الأصل برنامج مجاني يهدف إلى مساعدة كل من يريد نشر وثائق معينة. معظم جمهورها من نشطاء حقوق الإنسان والمحامين وخبراء الأمان الرقمي.

بحسب الصحيفة الأمريكيةـ حصل القراصنة على هذه الوثائق المسربة من مُبلّغين تابعين لمجموعات ضغط في واشنطن، وأن عملية القرصنة تمت مؤخرًا قبل شهر تقريبًا، إذ إن أحدث الرسائل تعود إلى الشهر الماضي، بينما أقدمها يعود إلى عام 2014.

العينة التي تم الاستيلاء عليها تحتوي على 55 صفحة من الوثائق، ويبدو أنها طُبعت بواسطة كاميرا رقمية، وبحسب القراصنة فإنهم يخططون لنشرها السبت.

الوجه الخفي لسياسة الإمارات

كشفت رسائل إلكترونية مسربة من البريد الإلكتروني للسفير الإماراتي لدى واشنطن يوسف العتيبة، دورًا رئيسيًا للإمارات في التحريض ضدّ قطر داخل الولايات المتحدة، على مدار العامين الماضيين، فضلًا عن التنسيق مع اللوبي الإسرائيلي، ودعم الانقلاب بمصر ومحاولة الانقلاب في تركيا.

هنا يطرح سؤال نفسه: كيف تمكنت الإمارات من اللعب بكل تلك الخيوط في آن واحد؟ ومن المستفيد من تحركات الإمارات المشبوهة؟

1- أظهرت الوثائق المخترقة عن مستوى ملحوظ من التنسيق عبر القنوات الخلفيّة، بين دولة الإمارات ومؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات”، وهي مؤسسة تنتمي لتيار “المحافظين الجدد”، ويمولها الملياردير الإسرائيلي شيلدون أديلسون، أحد حلفاء رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

2- أما بالنسبة لقطر، اشتكى كبير مستشاري مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات”، جون هانا، للعتيبة في مراسلة في إبريل الماضي، من أن قطر تستضيف اجتماعًا لحركة المقاومة الإسلامية حماس في فندق مملوك للإمارات. جاء ردّ العتيبة بأن هذا لم يكن خطأ الحكومة الإماراتية، وأن القضية الحقيقية هي القاعدة العسكرية الأميركية في قطر، قائلًا: “كيف يحصل هذا؟ انقلوا القاعدة ثمّ سننقل نحن الفندق”.

3- في بريد أرسله قبيل مؤتمر لوزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس في واشنطن، كان مقرّرًا أن يتحدث فيه عن قطر، يخاطب العتيبة فيه الأخير قائلًا: “موضوع المؤتمر كان موضوعًا مهملًا في السياسة الخارجية الأميركية، رغم كل المشاكل التي يسببها”. أضاف: “إذا أتى الأمر من ناحيتكم، سينصت أصحابنا جيّدًا”. رد غيتس من جانبه قائلًا إنه يعتقد أنها “فرصة لإرسال إشعار إلى بعض الأصحاب”.

4- في بريد لاحق، عرض العتيبة على المسؤول الأمني السابق وليمة غداء، ممرّرًا رسالة من زعيمه في الإمارات، قائلًا: “محمد بن زايد يرسل أطيب تحيّاته من أبو ظبي، ويقول أعطهم الجحيم غدًا”. في اليوم اللاحق، قدّم غيتس مداخلة مسيئة لقطر، منتقدًا بشكل لاذع دعمها للإسلاميين، في اجتماع عُقد في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، قائلًا: “قولوا لقطر أن تختار في أي جانب تريد أن تكون، أو أننا سنغيّر طبيعة العلاقة، لتشمل تقليص القاعدة”.

5- قام الرئيس التنفيذي لمؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات”، مارك دوبفيتز، بإرسال بريد إلكتروني إلى كل من يوسف العتيبة وجون هانا، حمل عنوان: “قائمة مستهدفة للشركات التي تستثمر في إيران والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية”.

كتب دوبفيتز: “عزيزي السفير، المذكرة المرفقة تفصل الشركات التي تتعامل مع إيران، مصنّفة حسب الدولة، والتي تدير أيضًا أعمالًا مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. هذه قائمة مستهدفة حتّى تحدّد تلك الشركات خيارها، كما ناقشنا”.

تتضمن مذكرة دوبفيتز المرفقة قائمة طويلة من كبريات الشركات الدولية، وبعضها يعمل في المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة، ويطمح إلى الاستثمار في إيران.

6- في بريد مؤرّخ بـ 16 من أغسطس من العام الماضي، أرسل هانا مقالًا للعتيبة يتحدّث عن أن الإمارات ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات كانا مسؤولين عن الانقلاب العسكري القصير في تركيا، مخاطبًا السفير الإماراتي بفخر: “يشرّفنا أن نكون شركاء لكم”.

لكن رغم تعاونها مع من تدّعي بأنها مؤسسة لـ “الدفاع عن الديمقراطيات”، إلا أن سلوك العتيبة لا يشي بأن الإمارات متحمّسة كثيرًا للديمقراطية في المنطقة، كما يكشف “هافينغتون بوست” في ملف تعريفي سابق عن العتيبة، يشرح فيه أن الأخير ضغط على البيت الأبيض أثناء ثورة يناير في مصر لدعم حسني مبارك.

7- بعد وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم، عبر انتخابات ديمقراطية، ملأ العتيبة بريد مستشار البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط، فيل جوردن، بخطابات تهاجم بشدّة الإخوان المسلمين وداعميهم في قطر، بحسب الرسائل.

يقول الموقع إنه من الممكن الحصول على فكرة عامّة حول ما تبدو عليه تلك الرسائل الإلكترونية، من خلال الاطلاع مثلًا على رسالة أرسلها العتيبة في الثالث من يوليو 2013، بعد فترة وجيزة من إطاحة الجيش المصري بالرئيس المنتخب محمد مرسي؛ حينها ضغط العتيبة على المسؤولين السابقين في إدارة بوش، ستيفين هادلي وجوشوا بولتن، لتبنّي وجهة نظره حيال مصر والربيع العربي.

قال العتيبة في الرسالة: “دول مثل الأردن والإمارات هي آخر الرجال الواقفين في معسكر الاعتدال، الربيع العربي زاد من التطرف على حساب الاعتدال والتسامح”.

استطرد يقول حول إطاحة مرسي: “الوضع اليوم في مصر هو ثورة ثانية، هناك أناس في الشوارع أكثر من الذين خرجوا في 2011. هذا ليس انقلابًا، هذه ثورة. الانقلاب يكون حينما يفرض الجيش إرادته على الناس بالقوة، واليوم يستجيب الجيش لرغبات الناس”.

8- يشرح موقع “هافينغتون بوست” أن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات كانت مشاركة في تشكيل نقاش حول السياسة تجاه الشرق الأوسط، خلال إدارة دونالد ترامب، لذلك فمن المرجّح أن تكون مواقف الإمارات قناة مهمة؛ للضغط على ترامب من أجل تبنّي سياسة أكثر صقورية تجاه إيران. ينقل الموقع عن أحد الأعضاء البارزين في المنظمة، واسمه دافيد فاينبيرغ، قوله الشهر الماضي إن الإمارات “تطير فرحًا” حيال نهج ترامب في المنطقة.

9- يضيف الموقع أن العتيبة طوّر علاقة وثيقة مع صهر ترامب ومستشاره القريب، جاريد كوشنر. كلاهما التقيا للمرة الأولى خلال يناير الماضي، بناء على طلب من توماس براك، المستثمر الملياردير وأحد داعمي ترامب. إلى جانب ذلك، يصف موقع “بوليتيكو” الأميركي المتخصص كوشنر بأنه “على اتصال دائم في البريد والهاتف مع السفير الإماراتي”.

لماذا العتيبة؟

يعد السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة أحد أبرز الأسماء اللامعة في عالم السياسة داخل أمريكا، لما يتمتع به من نفوذ غير متوفر لبقية الدبلوماسيين العرب الموجودين هناك.

تربط العتيبة وعشرات الساسة الأمريكان علاقات قوية ومتنامية، تتجاوز حد زمالة العمل، فالرجل الأربعيني قادر وبكل قوة على استقطاب العديد من الأسماء اللامعة إلى دائرة فكره، بما لديه من دهاء ومكر وقدرة على التلاعب بما يملكه من أوراق سياسية.

كان العتيبة أحد أبرز الداعمين لموقف أمريكا من التدخل في سوريا. في الوقت الذي انقسمت فيه آراء البيت الأبيض بشأن القيام بعملية عسكرية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بشأن كلفة هذه الحرب وتأثيرها على علاقة واشنطن بحلفائها في الشرق الأوسط. في اجتماع خاص مع ويندي شيرمان، وهي مسؤولة كبيرة في وزارة الخارجية، تحدث العتيبة بلهجة مثيرة ومميزة حين قال لها: “طائرات الـF16 لدينا جاهزة مدام شيرمان، فقط أخبرونا حين تحتاجون إليها”.

هذا بالإضافة إلى تأكيده التام على جاهزية بلاده للتعاون مع واشنطن، وهو الذي أبدى فخره أكثر من مرة من كون الإمارات الدولة العربية الوحيدة، التي شاركت أمريكا في 6 تحالفات عسكرية طيلة الـ 25 عامًا الماضية، كذلك محاربتها بجانب القوات الأمريكية لمدة 12 عامًا في أفغانستان وكوسوفو والصومال وليبيا، فضلًا عن وجود 4 آلاف جندي أمريكي في قاعدة الظفرة الجوية في أبو ظبي.

أضف إلى ذلك أن نفوذ العتيبة كلاعب قوي في السياسة الخارجية يعكس الطرق التي استطاع بها الربيع العربي قلب موازين القوى التقليدية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث تعرض حلفاء أمريكا التقليدين، مثل مصر والمملكة العربية السعودية، إلى تآكل قوتهم الإقليمية ونفوذهم في واشنطن، إضافة إلى ظهور أعداء جدد مثل داعش وإيران.

لكن الملفت للنظر أنه وفي ظل هذا المناخ الملبد، أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة، بقيادة العتيبة في واشنطن، حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة، وأضحت تتمتع على نحو متزايد بتأثير هائل على السياسة الخارجية الأمريكية، في مقابل تقليص دور حلفاء أمريكا المعروفين.

الضغط على واشنطن

لفتت تقارير صحافية سابقة، أن الإمارات أنقفت على شبكات الضغط الأمريكية، في 2014، أكثر من 12 مليون دولار؛ مما يوفر لها تمثيلًا ضمن العديد من أشهر الشركات التي تمارس الضغوط السلطوية داخل واشنطن.

ضمنت الإمارات بهذه الأموال المنفقة توسيع شبكة جهات الاتصال الموثوقة والمتعاطفة معها، ضمن آليات الحكومة الأمريكية. في خضم هذه العملية، حطمت الإمارات أيضًا رقمها القياسي السابق في الإنفاق على موارد السلطة في العاصمة الأمريكية، حيث جاء في تحليل واسع النطاق، أجرته صحيفة المونيتور التي تركز على الشرق الأوسط ونُشر في 3 من أغسطس من هذا العام: “ارتفعت طفرة الإنفاق الإماراتية لتلامس آفاقًا جديدة خلال السنوات القليلة الماضية، بالتلازم مع الثقة والجرأة التي أصبحت تتمتع بها السلطات في الخليج”.

بحسب التقرير، تسعى الإمارات، من خلال ضخ مثل هذه الأموال وغيرها من الاستثمارات، إلى إيصال وجهات نظرها لمسامع صناع القرار في واشنطن، كوجهات نظرها التي تقول بأن استقرار الوضع هو الأولوية الرئيسية في الشرق الأوسط، حتى لو كان ذلك ينطوي على استخدام أساليب القمع والوحشية.

بالتأكيد ستؤثر تسريبات السفير الإماراتي على علاقات أبو ظبي بمنطقة الشرق الوسط، بل بالإدارة الأمريكية الجديدة أيضًا. فهل تغير كلا من دول الشرق الأوسط والولايات المتحدة من سياستها تجاه الإمارات؟

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات