أوجه الشبه بين ترامب وقيصر ألمانيا الذي تسبب في الحرب العالمية الأولى

ستراتجيك كالتشر – التقرير

يبدو أن شخصية دونالد ترامب فريدة. هناك شعبويون آخرون، مثل رودريغو دوتيرتي، الذي يحوز على السلطة في الفلبين، لكن لا توجد دولة كبيرة ذات تأثير قوي، يحكمها شخص يهيمن عليه شخصيته.

لكن، لدى الرئيس توأم روحي، يشبهه كثيرًا على الرغم من اختلاف حياتهما في نواح مهمة. ربما تتساءل: هل كان قيصر الإمبراطورية الألمانية ويلهام الثاني، يشبه إلى حد كبير الرئيس ترامب؟

ولد ويلهام الثاني عام 1859 في بيت هوهنزولرن . وهو حفيد الملكة البريطانية “فيكتوريا”، وتربى في حياة غنية وبها امتيازات، على الرغم من أنه يعاني من إصابة في ذراعه منذ ولادته. ربما ساهم ذلك في الحاجة النفسية للتأكيد، وهي حالة استكشفها توماس مان في روايته “السمو الملكي”.

وصل للسلطة في 1888، بعد وفاة جده ووالده. رفض ويلهام وجهات النظر الليبرالية لوالديه ( كانت والدته بريطانية، وغير مشهورة في وسط المحافظيين الألمان) وفضل الاستبداد التقليدي. وأيضًا كان مصممًا على الحكم المسيطر. على عكس جده القيصر ويلهام الأول، الذي ترك “مستشاره الحديدي” أوتو فون بسمارك يحكم .

لكن لم يكن ويلهام الثاني ديكتاتورًا. كان لدى ألمانيا نظام دستوري قوي، وكان لديه نظام انتخاب أوسع من بريطانيا العظمى. لكن، كانت رئاسة الوزراء تستجيب للقيصر، وليس للبرلمان. في هذا المجال، فإن الإمبراطورية الألمانية تشبه إلى حد كبير أمريكا اليوم، حيث إن الرئيس يرأس كلا من الدولة والحكومة، وهكذا يتحكم في الفرع التنفيذي، على عكس النظام البرلماني الغربي.

لم تكن الإمبراطورية الألمانية قوى عظمى، لكنها كانت ترتقى لذلك. حيث كانت تملك ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وبذلك تفوقت على القوة الصناعية لبريطانيا العظمى، وتمتعت بعدد سكاني أكبر من فرنسا. وكان جيشها أفضل جيش في العالم. لكن باءت محاولات القيصر ويلهام أن يصل لقوة البحرية البريطانية بالفشل، لكن قوتها كانت لا يستهان بها في بريطانيا. كما كان لديها عدد من المستعمرات الصغيرة في الخارج.

كان القيصر مهتم تحديدًا بالعلاقات الدولية. وتخلى عن بسمارك عام 1890، وشرع فيما أسماه “المسار الجديد”. لم يكن بسمارك داعيًا للسلام الليبرالي، لكن بمجرد أنه وحد ألمانيا ومكاسبها، سعى للاستقرار. لم يكن مهتمًا بشأن المستعمرات، عارض السباق البحري مع بريطانيا العظمى، وسعى لإبقاء فرنسا وروسيا متفرقتين. إذا كانت بقت سياساته من التأكيد، لم تكن لتبدء شعلة الحرب العالمية في أغسطس 1914. ورأى أن البلقان لم تكن جديرة بالتعب، وكان محقًا بشأن ذلك.

القيصر ويلهام كان عدوانيًا وطائشًا وأخرق للغاية. واستحق فترة طويلة من الانتقادات. ولاحظت مجلة “إيكونوميست” مؤخراً أنه نشأ ليكون “في حاجة للعاطفة، منمق، ومفرط في الحساسية. وخلقت شخصيته جنبًا إلى جنب مع الثقافة العسكرية السلطوية للمحكمة البروسية، ملك غير عادي وغير مناسب لحكم أقوى دولة في أوروبا” .

واعتبر المؤرخ “توماس نيبردي”، القيصر أنه موهوب، لكن أيضًا “سطحي، متسرع، غير قادر على الاسترخاء، دون أي مستوى أعمق من الخطورة، ليس لديه أي رغبة في العمل الشاق، ليس لديه رصانة لتحقيق توازن أو حدود” . وهو ما يشبه كثيرًا دونالد ترامب.

وأصر القيصر على حصول ألمانيا على مكانة عالية. لكنه لم يكن يشبه هتلر، فيما يخص القوة أو النوايا، تمكن من الإساءة للحليف والعدو على حد سواء. لم يكن هناك “تويتر” حينها، لكن في 1895 أرسل القيصر برقية مشجعة للبوير، الذين يقاومون القوات البريطانية في ترانسفال. ما سبب في عدم وجود أصدقاء له، أو لألمانيا على طول القناة الإنجليزية.

في العام 1900، انضم جنود الجيش الألماني إلى الحملة الدولية لقمع المعادين للغربية “متمردي بوكسر” في الصين. أخبرهم :” منذ ما يقرب الألف عام، صنع الهان لأنفسهم تحت قيادة أتيلا اسمًا، وتم اعتبارهم أقوياء وأساطير”، واستكمل حديثه أنه يريد منهم أن يصنعوا اسمًا لألمانيا في الصين، لن يجرؤ أحد بعدها من الصين، على النظر في أعينهم “

بعد خمس سنوات، تسبب في تزايد التوترات مع فرنسا، بعد زيارته المغرب، ودعم استقلالية المملكة ضد باريس. كما أساء لدول صديقة وخسر الدعم لبرلين في المؤتمر الدولي للتخلص من الأزمة. في 1908، أجرى ويلهام مقابلة صحفية طائشة ومتبجحة في صحيفة “الدايلي تليجراف”. وخلالها أطلق على بريطانيا لقب “المجنون”، وقال إن البحرية الألمانية استهدفت اليابان. وكانت الردود عدوانية في الوطن، وفي الخارج، ما أدى لتخفيف مشاريعه المستقبلية.

خلال الأزمة الأوروبية، بعد 28 يونيو 1914، بعد اغتيال “فرانس فرديناند” وريث المملكة النمساوية المجرية، دعا ويلهام لرد عدواني قبل محاولة فاشلة لوقف الحرب. وتدريجيًا تنحى القيصر ويلهام خلال الحرب، وأجبر على التنازل عن عرشه في 1918. وأدار إريك ودندورف وفون هيندينبيرغ المشهد. وعاش ويلهام حياته في المنفي في هولندا، وتوفي تحت الاحتلال النازي عام 1941.

يتشابه ترامب وويلهام كثيرًا في الشخصية. وحمدًا لله لا يعيد التاريخ نفسه تمامًا، لكن كلاهما يذكرنا بحقيقة المراقبة الدائمة، وأن اليقظة الدائمة هي ثمن الحرية.

وتملك أمريكا هيئة تشريعية أكثر قوة، ومعارضة نشطة ومجتمع مدني، أكثر تطورًا من الإمبراطورية الألمانية. ويجب أن يساعدوا جميعًا في مراقبة تصرفات ترامب، قبل أن تقود لمشكلة. ومع ذلك، جمعت السلطة رئاسة غير عادية. الجمهوريون حتى الآن خائفون، ويتفهمون غضب العامة من المؤسسات، مثل الإعلام وتقويض نفوذهم.

لا يحتاج الشخص للنظر على التاريخ، لمعرفة أن الأربع سنوات القادمة ستمثل تحديًا. لكن الرئيس ترامب أقرب نموذج تاريخي، يجعلنا نقترح أن نحضر معارضة موضوعية وفعالة. بالطبع، هذا هو الوقت لنكون يقظين للدفاع عن الحرية.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    الأمن الفكري

    الأمن الفكري

    استهداف الدول العربية المستقرة لنشر مزيد من الفوضى في المنطقة، باستغلال الأحداث الجارية المؤلمة وما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان وإراقة لدماء الأبرياء، وغياب المشروع الفكري الفاعل في مواجهة...

    المزيد من التدوينات