أن تكون لاجئا.. مأساة النزوح القسري

كاونتر بانش – التقرير

نشهد حاليًا أكبر أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية، التي تؤثر على أعداد هائلة من الناس وتتطلب أفضل ما لدينا. مع ذلك، بدلًا من التعاطف والتفاهم والوحدة، غالبًا ما نجد التعصب والجهل والشك في الاستجابة لاحتياجات اللاجئين والمهاجرين.

هناك أعداد غير مسبوقة من المشردين في عالمنا الآن، يشكل الأطفال نسبة مهولة منهم. الأرقام الواردة من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مُفصلة وصادمة وتحتاج اهتمامنا. بلغ المجموع 65.3 مليون “سكان العالم من النازحين قسرًا اليوم أكبر من جميع سكان المملكة المتحدة”. من هذا المجموع، ما يقرب من 25 مليون لاجئ (نصفهم من الأطفال، وكثير منهم فقدوا ذويهم) – 3.2 مليون منهم في البلدان المتقدمة ينتظرون قرارات اللجوء. أما الباقون، الذين يبلغ عددهم 41 مليون نسمة، شُردوا داخل بلدانهم، حيث نالت سوريا وكولومبيا واليمن والعراق نصيب الأسد.

تحرك مجموعات كبيرة من الناس وضع أكثر شيوعًا نتيجة الحروب من نوع واحد أو آخر. يتجلى ذلك في أن أكثر من نصف اللاجئين في العالم يأتون من ثلاثة بلدان فقط: في سوريا 4.9 مليون، في أفغانستان 2.7 مليون، في الصومال 1.1 مليون. كما يفر الناس من النزاعات في اليمن، ليبيا، نيجيريا والسودان. تعترف الأمم المتحدة بخمسة نزاعات مسلحة أخرى في أفريقيا وحدها، هذا لا يشمل إثيوبيا أو إريتريا.

أضف إلى هذه القائمة الدول التي تحكمها أنظمة قمعية، والبلدان الأخرى التي تكون فيها الفرص الاقتصادية نادرة، بالتالي يبدأ حجم أزمة المهاجرين في الظهور. 90٪ من اللاجئين (الفارين من العنف)،  أي الغالبية الساحقة، لا تزدحم بهم مدن الدول الصناعية كما يستنتج بعض السياسيين، بل يتكدسون في مخيمات اللاجئين في البلدان الفقيرة القريبة من تلقاء أنفسهم، ويعيشون حياة غير مريحة من عدم اليقين والبؤس.

الضعف الجماعي

معظم الناس لا يتركون موطنهم؛ لأنهم يريدون ذلك، ولكن لأن مدينتهم أصبحت منطقة حرب أو لأنهم لا يستطيعون العثور على عمل لدعم أنفسهم. كما يتعرضون للاضطهاد ويعيشون في خطر. بالنظر إلى نفس الظروف، أما كنا لنفعل نفس الشيء؟ حتى الآن، أصبح المهاجر في جميع أنحاء العالم كبش فداء لجميع أنواع العلل الاجتماعية والاقتصادية.

كثيرًا ما يكون المشتبه بهم مجهولين علنًا، ​ويُعاملون مثل المجرمين من قِبل المسؤولين المُكلفين وأفراد الأمن، ويُجمعون في معسكرات الاحتجاز، ووحدات المعالجة ومراكز الاحتجاز، وهي أسوأ في كثير من الأحيان من السجن. أصبح “المهاجر” في بعض الأوساط المتضاربة كلمة قذرة، مرادفة للإجرام والتطرف.

يصف أصحاب القدر الضئيل من العقول – المتعصبين الذين يُلوحون بعلمهم باعتبارهم سياسيين -“المهاجرين” بأنهم تهديد محتمل لـ “الأمن القومي” أو “إرهابيون إسلاميون”. لكن يتم توظيف خطاب التعصب والخوف لإشعال الغرائز القبلية، التي كان ينبغي أن تُفسر لصالح التفاهم المتبادل والتسامح والأخوة العالمية منذ عقود.

المهاجرون ليسوا مجرمين، بل هم بشر يحاولون البقاء في عالم عدائي غير عادل، وليس عالم تُصنع فيه الصراعات العنيفة – التي تؤدي إلى النزوح الجماعي للناس – على أيدي الأقوياء؛ للحفاظ على صناعة أسلحة لا تشبع (قيمتها 1.7 دولار تريليون أو 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي) والحفاظ على السيطرة الجغرافية والسياسية.

ليس عالم قائم على استنتاجات خاطئة، حيث يؤدي تسويق جميع مجالات الحياة إلى سلعة، بما في ذلك الأشخاص، وحتى الأطفال. في هذا العالم من المال والخوف، ينمو الضعف من الفقر ويسمح بالاستغلال. هناك عدد قليل من البشر أكثر ضعفًا وعزلة من المهاجرين، وخاصة الأطفال المهاجرين.

بالنسبة لمعظم الناس الفارين من الصراع أو الصعوبات الاقتصادية في الشرق الأوسط وأفريقيا (شمال وجنوب الصحراء الكبرى) عادة ما تكون وجهتهم الرئيسية أوروبا. عام 2016، وصل 363348 شخص إلى ميناء أو آخر في البحر الأبيض المتوسط، ثلثهم تقريبًا من الأطفال. كان 90٪ منهم غير مصحوبين بذويهم.

معظم الناس الذين يغادرون ليبيا يعبرون البحر إلى إيطاليا أو اليونان. غرق من بينهم 5078 شخصًا أثناء عبور 300 ميل خلال عام 2016 وحده. منذ الاعتداء الذي قادته الولايات المتحدة على ليبيا عام 2011، اختلت البلد وأصبحت في حالة من الفوضى، بجانب الإرهاب وعدم الاستقرار السياسي والجرائم.

في هذه الأرض التي لا تخضع للقانون، تسجل هيومن رايتس ووتش أن مئات الآلاف من المهاجرين الأبرياء (بمن فيهم الأطفال) يتعرضون للتعذيب والاعتداء الجنسي والعمل الجبري على يد “حراس السجن وأفراد قوات خفر السواحل والمهربين”.

 خلصت التحقيقات التي أجرتها المنظمة الدولية للهجرة مؤخرًا إلى أن المهاجرين في ليبيا يُشترون ويُباعون كعبيد على أيدي الليبيين، الذين يستهدفون الشباب من الأسر الفقيرة، وهم أساسًا من نيجيريا وغانا وغامبيا والسنغال. كما يدفعون للمهربين مئات الدولارات الأمريكية لنقلهم إلى ليبيا، وبمجرد وصولهم، تفيد المنظمة الدولية للهجرة بأنهم يُسلمون للمهربين لبيعهم.

في حالات أخرى، يختطف الفتيان/الرجال المهاجرين، ويحتجزونهم للحصول على فدية ثم يدفعونهم إلى المزاد العلني للوصول لأعلى عطاء. النساء والفتيات “يُشترين من قبل الأفراد الليبيين، ويُجلبن إلى المنازل حيث يُجبرن على أن يكن عبيد جنسيًا”. يُعتقد أن ما يصل إلى 800 ألف مهاجر يتجمعون حاليًا في ليبيا.

عندما ينجو المهاجر من أهوال ليبيا إلى أوروبا، قد لا ينتهي كابوس البعض بعد. تفيد منظمة إنقاذ الطفولة بأن الآلاف من المهاجرين يتم الاتجار بهم في أوروبا كل عام، ومعظمهم من النساء والفتيات، معظمهن من نيجيريا ورومانيا، ويُجبرن على ممارسة البغاء، وسط طقوس الفودو والتهديدات العنيفة ضد أسرهن في الوطن. بعضهن لا يتجاوز عمرهن 13 عامًا.

كما أن الفتيان ضحايا، حيث تُستخدم مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك لإغراء الفتيان بوعود بحياة أفضل، إلا أن الواقع هو العمل كرقيق في روما أو ميلانو. مع ازدياد عدد الأطفال غير المصحوبين الذين يصلون إلى شواطئ أوروبا سنويًا، تزداد مخاطر الاستغلال والمعاناة الإنسانية. يعتقد اليوروبول أن ما يقرب من 10 آلاف “لاجئ غير مصحوبين بذويهم فُقدوا بعد وصولهم إلى أوروبا”.

ضحايا الظروف

الأعداد هائلة، والطلبات على البلدان لتلبية احتياجات الملايين من المشردين مُعقدة. لكن كما قال البابا فرنسيس، صوت العقل والحس السليم، “يجب ألا ننظر إلى أعدادهم، بل ننظر إليهم كأشخاص، ورؤية وجوههم والاستماع إلى قصصهم، في محاولة للرد على أفضل ما في وسعنا لحالتهم. بطريقة تكون دائمًا إنسانية وعادلة وأخوية. نحن بحاجة إلى تجنب إغراء مشترك في الوقت الحاضر لتجاهل ما يزعجنا”.

عندما يصل المهاجرون إلى وجهتهم، لا يعرفون أحدًا ولا يتكلمون اللغة ولا يفهمون الثقافة، ويواجهون المهمة الضخمة المتمثلة في إعادة بناء حياتهم. كل ذلك يعتمد على الدعم والترحيب المُقدم. في الولايات المتحدة، رغم خطاب ترامب العدائي، إلا أن الموقف بين معظم الأمريكيين إيجابي إلى حد كبير.

وفقًا لدراسة بيو البحثية، 63٪ من البالغين في الولايات المتحدة يعتقدون أن المهاجرين يعززون البلاد، و27٪ فقط يعتقدون أن المهاجرين يأخذون الوظائف والإسكان والرعاية الصحية. غير أن الصورة كانت أقل تشجيعًا في أوروبا. في ثمانية من أصل 10 دول أوروبية شملها الاستطلاع، 50٪ أو أكثر قالوا إنهم يعتقدون أن اللاجئين يزيدون من احتمال الإرهاب. في أي من البلدان العشرة تعتقد الأغلبية أن التنوع كان إيجابيًا.

من الضروري، من الناحية الأخلاقية، أن يُعامل جميع المشردين معاملة طيبة، وأن نظهر لهم التفاهم والثقة. يجب أن تكون بلدان المقصد موضع ترحيب، و تدمج سياسات الحكومة الداعمة والشاملة اللاجئين. كما قال البابا فرانسيس: “يجب ألا يكون اللاجئون موضع ترحيب فحسب، بل أيضًا متكاملين معنا. إذا كان البلد قادرًا فقط على دمج 20 مهاجر، فيجب ألا يقبل المزيد. إذا كان آخر قادرًا على بذل المزيد من الجهد، إذًا فليبذل المزيد من الجهد”.

النازحون (اللاجئون أو المهاجرون الاقتصاديون) الجالسون في مخيم اللاجئين أو مبنى مهجور، وينتظرون سماع نتيجة طلب اللجوء أو العبور إلى مكان ما من العالم، هم ضحايا الظروف. ليسوا هم الذين يُنظمون أو يُنفذون الصراعات العنيفة في جميع أنحاء العالم، كما أنهم ليسوا مسؤولين عن الظروف الاقتصادية في بلدانهم الأصلية. إنهم ضحايا لعالم منقسم، مجزأ بسبب الدين والعرق والأيديولوجيا والاقتصاد. مع تكثيف هذه الأسباب تزيد الآثار، وتشريد الناس هو واحد من هذه التأثيرات.

تتدفق الحلول لهذه الأزمة الكبرى، بل والعديد من مشاكلنا، من الاعتراف بأننا إخوة من إنسانية واحدة. وفقًا لهذا الفهم، تبدأ الانقسامات العدائية القائمة على القومية والعرق في التلاشي، في حين أن تنوع الآراء المتباينة والتقاليد الثقافية يُثري ويُضيف إلى نسيج المجتمع.

من شأن هذا التحول المُفرد في التفكير – البسيط والهائل – أن ييسر التغييرات في جميع مجالات المجتمع. ستبدأ المشاركة والتعاون والتسامح مع الآخرين في تشكيل النظم الاجتماعية الاقتصادية وتغيير طبيعتها تمامًا، والسماح للعدالة الاجتماعية بالتطور، وللثقة بالنمو، من أجل الاستقرار بهدوء في عالمنا المضطرب.

المصدر

النقاش — لا توجد تعليقات

  • ما هو التطبيع؟

    ما هو التطبيع؟

    في 15 مايو 1948 تمّ الإعلان عن قيام دولة جديدة سماها أنصارها (دولة اسرائيل) فاعترفت بها دول وعارضت وجودها دول أخرى وسماها أعداِؤها (الكيان الصهيوني) نسبة إلى الحركة الصهيونية...

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    الهروب من الحرية.. هكذا حال العبيد

    (كن معهم يا سيدي الشريف كما أنت، ولا تبال ما يقول الناس، فإنهم اعتادوا الظلم فإذا رفع عنهم تشوقوا إليه، وأسفوا على أيامه الماضية، إن الخفافيش لا تعيش إلا...

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    إذا كان الإسلام هو المشكلة فهل العلمانية هي الحل؟

    النظام الإسلامي_العلمانية_الدول العربية

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    حينما يصلي الملحد جيفارا خلف الشيخ السلفي

    في إحدى الليالي الباردة التي تسبق امتحاناً من أصعب امتحاناتي في الكلية قررت أن أنزل لأصلي الفجر في المسجد، وكان قريباً إلى حد كبير من منزلي، وإذ بي أتوقف...

    هوليوود خائفة

    هوليوود خائفة

    ‏”الإهانة تجلب الإهانة، والعنف يشجع العنف، وعندما يستخدم الأقوى موقعه ليتنمر على الآخرين، كلنا نخسر“. ميريل ستريب ”جولدن جلوب” هكذا عبرت الممثلة الأمريكية الشهيرة ميريل عن انتخاب دونالد ترامب...

    عن العدالة والحرية

    عن العدالة  والحرية

    تقوم المنظومة القيمية في الوطن العربي على مقاييس مختلفة عن دول العالم الأول لن نوصفها بالاختلاف بل بأختلال عقيم وضعت القيم الدينية فوق كل اعتبار ثم الولاء والطاعة للقادة...

    المزيد من التدوينات